Define your generation here. Generation What

طارق عامر.. تصريحات متناقضة ونظرة ثقة دائمة

يبدو من مشهد القاعة الخاوية أن المذيع انتهز فرصة وجود محافظ البنك المركزي لينفرد بحوار قصير معه، وليسأله بصوت رصين: «السوق السودا بالنسبة للعملة الأجنبية وللدولار.. وصلنا لحد فين؟»

يحب خبراء الاقتصاد هذا اللون من الأسئلة التي لا تمت بصلة لفن الحوار الصحفي، وإنما هي أقرب لتمهيد المسرح للضيف لكي يهيمن على الجمهور بتصوراته وانحيازاته.
يسلط طارق عامر عينيه بثقة على الكاميرا، ويقول في حوار تلفزيوني بتاريخ ديسمبر 2016: «إحنا تقريبًا، السوق السوداء قُضي عليها تمامًا… البنوك دلوقت ركبت السوق».

شكرًا لاختراع جوجل الذي يحفظ لنا الذاكرة الإعلامية، حتى وإن قدّم لنا تصريحات متفرقة ولم يربطها في حكاية واحدة؛ النصف الثاني من الحكاية كان في يناير الماضي، بعد أن انطلق الدولار مجاوزًا توقعات المصرفيين، ووقتها علّق عامر بأن التعويم ليس «عصا سحرية» للقضاء على السوق السوداء، وأن «الأمر يتطلب بعض الوقت».

يعكس التناقض الواضح بين التصريحين تلك المساحة الرمادية التي يتحرك فيها محافظ البنك المركزي، منذ توليه لمنصبه في أكتوبر 2015، بين التظاهر بأن أزمة النقد الأجنبي تحت السيطرة ثم التراجع عن تلك الثقة. وسط كر وفر عامر لا تتضح الرؤية أمام رجل الشارع؛ إن كانت البلاد في أزمة خارج السيطرة، أم أنها تطبق إجراءات لتحسين وضع الاقتصاد؟

تحاول الحكومة إقناعنا بأن التدهور الذي يعيشه الاقتصاد منذ نوفمبر الماضي لا يعكس فشلًا في إدارة الاقتصاد، وإنما سببه أننا نتجرع دواءً مرًا لإصلاح سياسات خاطئة اعتدناها منذ زمن طويل، هذا ما ستستنتجه من الحملة الإعلانية الضخمة على الطرق السريعة «بالإصلاح الجريء نقصّر الطريق».

لكن الواقع عكس ذلك، فانخفاض الجنيه كان انهيارًا للعملة، ولم يكن إجراء إصلاحيًا لتحريرها، والجنيه محرَّر بالفعل منذ 2003، ولا ينتظر طارق عامر بميوله الليبرالية.

منذ 2003  والجنيه مُسعَّر وفق آليات العرض والطلب، ولكن البنك المركزي كان يتدخل بشكل غير معلن لحماية العملة المحلية في أوقات نقص السيولة الدولارية أو تزايد المضاربات في سوق الصرف.

وفي ديسمبر 2012 قرّر المركزي التدخل بشكل ممنهج ومعلن لتوجيه سوق الصرف، عبر بيع الدولار في مزادات للبنوك، وكان ذلك هو المشهد الأول في الأزمة التي نعيشها حاليًا.

وعندما تولى عامر منصبه كانت احتياطات النقد الأجنبي بالكاد فوق الحد الآمن، وتغطي 3.4 من شهور الواردات، والفجوة بين سعري السوق الرسمية والموازية تتزايد بشكل مستمر، لذا اضطر عامر لتطبيق أول مرحلة من التعويم القوي للعملة في مارس 2016.

وقتها أطلق لطموحه العنان، وأدلى بتصريحه الشهير، بأن الدولار سيهبط لأربعة جنيهات، وهي النبوءة التي عاشت في ذاكرة المصريين وتحولت لاحقًا لمادة للسخرية.

 كما لا ننسى أنه قال أيضًا في نفس الحوار مع الإعلامية لميس الحديدي، أن الصين وحدها ستضخ في مصر خلال «السنتين الجايين» استثمارات مباشرة بقيمة 30 مليار دولار، فيما تخبرنا آخر بيانات البنك المركزي أن إجمالي ما تدفق للبلاد من استثمارات مباشرة منذ هذا التصريح، وحتى نهاية 2016، كان بحوالي 10 مليارات دولار.

لكن تعويم مارس لم يمكّن القطاع المصرفي من جذب السيولة من السوق الموازية، فظلت الأخيرة تشتري الدولار بسعر أكبر، ومع اتساع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، استسلم عامر ورفع يد المركزي عن سوق  الصرف، لتصير التعاملات حرة  تمامًا وينتقل البيع والشراء على الدولار من السوق السوداء إلى البنوك.

نحن إذن بصدد أزمة، وما جرى في نوفمبر كان إعلانًا عن عجز الدولة عن مواجهتها، وليس إجراءات إصلاحية جريئة علينا تجرع طعمها المرير من أجل مستقبل أفضل، كما تخبرنا الدعاية الحكومية ليلًا نهارًا.

جوهر تلك الأزمة هو تهاوي احتياطات النقد الأجنبي من مستوى 36 مليار دولار قبل ثورة 2011، إلى مستويات تقل عن الـ 20 مليار دولار، في الوقت الذي تزايدت فيه احتياجاتنا الدولارية خلال السنوات الماضية، والفجوة بين احتياجاتنا الاستراتيجية وما يستطيع المركزي تدبيره على أرض الواقع هي ما تمكن المضاربين من التحكم في سعر العملة الأمريكية.

بعد الصدمة العنيفة التي تلقاها الجنيه في نوفمبر، والتي أفقدته أكثر من نصف قيمته، تلقى سوق الصرف بعض المسكّنات التي هدأت قليلًا من تدهور العملة. لقد نفذ عامر وعده عندما قال في مارس 2016 إن الاحتياطات ستبلغ 25 مليار دولار بنهاية العام، فقد وصلت فعلًا إلى 24.2 مليار دولار في ديسمبر، ولكن بمساعدة إيرادات استثنائية تمثّلت في الشريحة الأولى من قرض صندوق النقد الدولي.

وفي بداية العام الجاري، جرى حقن الاقتصاد بمسكّن آخر، تمثل في أكبر طرح قامت به مصر من السندات الدولارية، لكن المسكنات لم تكبح الدولار بما يكفي، فبمجرد أن لاح في الأفق اقتراب البلاد من واحدة من دورات الطلب القوي على الدولار، في الموسم الرمضاني والصيفي، حتى صعد الدولار فوق مستوى الـ18 جنيهًا خلال الأسابيع القليلة الماضية.

لقد ألقت الدولة في يد رجل البنك المركزي مسؤولية حل أزمة تفوق صلاحياته، فالسياسات النقدية لا تحل أزمة اقتصادية بهذا الحجم

الاستنتاج الثاني إذن، أن الأزمة التي نحن بصددها لاتزال غير محسومة، وقد نرى لها تطورات أسوأ خلال الأشهر المقبلة، التي ستقع بها اختناقات مالية أكبر، خاصة في العام 2018 الذي يُتوقع أن تسدِّد فيه مصر التزامات كبيرة بشكل استثنائي.

لقد ألقت الدولة في يد رجل البنك المركزي مسؤولية حل أزمة تفوق صلاحياته، فالسياسات النقدية لا تحل أزمة اقتصادية بهذا الحجم، وبمعنى آخر، فإن تهاوي سعر الجنيه لا يرجع إلى طريقة إدارة محافظ المركزي لسوق الصرف، وإنما يعكس أزمات عميقة ترتبط بقدرة الاقتصاد المصري على المنافسة في السوق العالمية، وتقييم العالم لعملتنا بالتبعية.

يبدو أن الدولة ألقت رهانها على عامر لحل أزمة الجنيه، فتركزت سياساتها على التوسع في الاستدانة الخارجية وجذب الاستثمارات الساخنة في أسهم البورصة أو أذون الخزانة، لذا شهدنا هبوطًا إيجابيًا للدولار أمام الجنيه، خلال الربع الأول من 2016، لكنه لم يدم لأنه اعتمد على عوامل غير مستدامة وشديدة الهشاشة.

ولا يبدو من «خطة الحكومة الإصلاحية»، أو المسماة بذلك، أننا بصدد إصلاحات هيكلية حقيقية، بل أن الإصلاحات المزعومة ساهمت في ارتفاع التضخم، ما زاد من إحساس المستثمرين الأجانب بالمخاطر السياسية، وبإمكانك قراءة ذلك بوضوح في التقارير الأخيرة عن مصر.

علينا ألا نرتكن لثقة المسؤولين في أنفسهم، فالمتتبع لتصريحاتهم يستطيع ملاحظة تناقضها بشكل واضح، وإنما نحتاج إلى الكثير من الشك، والأهم ألا نظل في موقع المتفرج، وأن نطرح البدائل، لأن الأزمات المالية إذا تُركت لمن هم دون المسؤولية قد تخرج عن سيطرة الجميع.

اعلان