Define your generation here. Generation What
«كل هذا الهراء»: نوبات حكي عن الثورة يقطعها الأكل والنوم والجنس
عز الدين شكري فشير يخترع شهرزاد معاصرة، لا يحييها الكلام، وإنما يحبسها
 
 
 
غلاف كل هذا الهراء
 

منذ صدور «عمارة يعقوبيان» في عام 2002، لم يحظ كتاب بإثارة الجدل في مصر كما فعلت الرواية السادسة الديستوبية لعز الدين شكري فشير «باب الخروج»، وفيها يصبح عضو من جماعة الإخوان المسلمين رئيسًا لمصر، قبل الإطاحة به من قبل وزير الدفاع. نُشر الكتاب في 2012، قبل انتخابات الرئاسة وقبل سقوط محمد مرسي، الرئيس التابع للإخوان المسلمين.

كان يمكن لفشير أن يطلق على روايته، الصادرة مؤخرًا عن «دار الكرمة للنشر»، عنوان «ما بعد الثورة: حواديت قبل النوم من مصر»، أو «أخطر حكايات شهرزاد». ولكن في الواقع، فعنوان الرواية هو «كل هذا الهراء». وكما هو الحال في روايته الوحشية «باب الخروج»، لم يتساهل الكاتب مع نفسه أو مع القارئ. تعد الرواية سردًا جامحًا لجميع الأحداث الثورية الكبرى في مصر خلال السنوات الست الماضية. هي مشروع أدبي طموح يتضمن موضوعات عدة مثل الفساد والإرهاب والعنف الجنسي ووحشية الشرطة والحب المثلي وتلقي النشطاء للتمويل الأجنبي. كل بطل من أبطال الرواية محاط بأحداث مهمة مثل ثورة 25 يناير، أو اشتباكات محمد محمود، أو مذابح ماسبيرو وبورسعيد ورابعة العدوية.

نجح فشير، ذو الخمسين عامًا، في غزل شبكة من القصص المعقدة بدون مبالغة وبشكل واضح وسلس، ليرتبط القارئ بالرواية وأحداثها سريعًا. منذ بدأتُ مشهد الافتتاحية – وفيه يستيقظ سويًا كل من أمل وعمر، اثنان غريبان في السرير، بعد وقت قصير من إطلاق سراح أمل – وحتى انتهيت من الكتاب بصفحاته الـ324، لم أشعر بالرغبة في ترك الكتاب.

أمل محامية أمريكية مصرية تبلغ 29 عامًا، سُجنت بسبب عملها مع منظمة متهمة بتوظيف التمويل الأجنبي بشكل غير قانوني، فيما يشابه ضمنًا الهجوم على المنظمات الغير حكومية في عام 2011. تخلّت أمل عن جنسيتها المصرية لتبقى في السجن لعام واحد فقط (وقد يكون الكاتب اقتبس هذا الحدث من مصير الصحفي محمد فهمي الذي كان يعمل في قناة «الجزيرة إنجليزي»)، وتوجب عليها الآن مغادرة البلاد في خلال 48 ساعة. عمر، في المقابل، يبلغ من العمر 22 عامًا، وهو سائق تاكسي من خلفية متواضعة. يوافق على البقاء معها في شقتها في الزمالك لحين مغادرتها البلاد، ليسرد عليها ما فاتها من أحداث خلال فترة سجنها. ينغمس الاثنان في نوبة حكي لا يقطعها سوى النوم والجنس والأكل.

وعلى مدار ثمانية فصول، تقع أحداث 48 ساعة في شقة أمل. في ستة فصول يروي عمر حكايات عن أصدقائه وأقاربه، بينما خُصّص فصلان لتعارف عمر وأمل على بعضهما. تقاطع أمل سرد عمر أحيانًا بالأسئلة أو ببعض التصريحات الساخرة التي تتحدى وجهة نظره القاتمة. أمل لا تتحدث اللهجة المصرية بطلاقة، ولذلك كُتب حوارها، باستثناء الشتائم، بالفصحى. المزاح المضحك لأمل وعمر، وتعليقات فشير الساخرة ككاتب – والتي يذكرنا من خلالها مثلًا بسجن زميله الكاتب أحمد ناجي بتهمة «خدش الحياء العام» – تخفف من حدة القصص المحزنة لعمر، الذي قُتل معظم أصدقائه، أو سجنوا، أو في المنفى. ليصف المشاهد الجنسية الفوارة بين أمل وعمر، يشير فشير متفاخرًا إلى الأعضاء الجنسية بوصفها «الجزء الذي يحبس القضاة من يذكر اسمه»، وكأنه يسعى لاستفزاز القارئ الأخلاقي المحافظ، على غرار القارئ الذي رفع دعوى ضد ناجي.

«كيف يمكن للغة يتحدثها ثلاثمائة مليون نسمة أن تخلو من مفردات مقبولة تصف أجزاء من أجسامهم يلمسونها كل يوم أكثر من مرة، وأفعالًا يأتونها؟»، يتساءل عمر في الفصل الأول، «كأن سلطة ما أحلت على العرب صمتًا مطبقًا، فصاروا يأتون هذه الأفعال ويتحسسون هذه الأجزاء ويرونها من دون حديث، من دون كلمة. أي قمع أكبر من هذا»؟

في بعض الأحيان تطلق أمل على عمر لقب «مولاي» بشكل ساخر، فيما يعكس ثيمة «شهرزاد» في الرواية. فربما يروي عمر الحكايات ليظل بجانب أمل، التي يبدأ في الوقوع بحبها. ورغم أن شهرزاد في «ألف ليلة وليلة» تروي قصة تلو الأخرى ليسمح لها شهريار بالبقاء على قيد الحياة، يشير فشير في مقدمته أن الحال قد ينتهي به، مع أبطال روايته الخياليين، إلى السجن، بسبب قصصهم. يهدد ساخرًا أنه سينتقم ممن يحاول إيذاءه بالكتابة عنه في روايته القادمة. وللسرد هنا دافع آخر وهو «إحياء الذكرى»، فربما يذكّرنا فشير بظاهرة جرى العمل على تدميرها بشكل ممنهج خلال الثلاث سنوات الأخيرة؛ ثورة 25 يناير وجميع الأعمال الوحشية التي ارتُكبت ضد الثوار. يظهر هذا بشكل قوي في اختيار فشير لنشر الرواية بعد الذكرى السادسة للثورة مباشرة.

على غرار «باب الخروج»، تُعتبر «كل هذا الهراء» رواية سياسية تمزج الواقع بالخيال. في فصله الرابع يستعين فشير بمقتطفات من مقال نشر في مدى مصر عام 2014 عن اعتداء جنسي مريع على ناشطة سياسية من قبل قوات الأمن. تصبح الضحية واحدة من شخصيات فشير المعذبة، فترصد روايته تأثير الاغتصاب على حياتها. ولحماية الضحية، غُيّر اسمها في المقال ليصبح «هند»، وغزل فشير قصة خيالية حولها دون أن يبدو استغلاليًا. ومن خلال أسلوبه الأدبي، وأحداث وقصص روايته، يذكّرنا بالأخطار التي قد يتعرض لها المعارضون. قد يعيش كتاب جيد إلى الأبد، فيما تذهب الأخبار أحيانًا كثيرة إلى عالم النسيان، خاصة عندما لا يتعرض المجرم للمساءلة. تذكرنا قوة قصص عمر بحقيقة هذه الجرائم، حين تشك أمل في مدى مصداقيته وتتهمه باختلاق القصص، ليقنعنا البطل من جديد بحقيقة رواياته.

لكن بعض القصص جاءت أقل صلابة من غيرها. في الفصل الثالث، يروي عمر مصير ثلاثة من ألتراس مشجعي النادي الأهلي، ومنهم اثنان قتلوا في مذبحة بورسعيد في 2014. لكن توصيفهم جاء رومانسيًا وغير واقعي، كشباب أبطال يطغي عليهم الحماس والبراءة، لدرجة أن الرغبة واتتني في تخطي هذه الصفحات من الكتاب. من الواضح أن الكاتب يريد إثارة تعاطف القراء، مقابل تصوير الإعلام للألتراس بوصفهم «بلطجية» و«مثيري شغب»، غير أنه تمادى في هذا.

دفعني هذا إلى محاولة تخيل قراء الكتاب. «كل هذا الهراء» هو كتاب يدعم الثورة بشدة، وفي الغالب سيكون قراؤه من نفس الاتجاه الفكري. قد يصل الكتاب إلى جمهور أوسع، حيث يتعرض إلى مواضيع اجتماعية عدة، مثل الزنا ومشاكل الزواج واكتشاف الذات من خلال قصة حب جديدة، ولكن وصول الكتاب لشريحة أكبر يعتمد على قدرته على إشعال شرارة عند القراء.

تقدم فصول أخرى منظورًا جديدًا لفهم الآليات الاجتماعية التي تشكل إدراكنا. أحد الأمثلة هو سرد القصة المؤلمة لإعلان محبَيْن عن علاقة حبهما المثلية، وآخر عن قصة حب مأساوية بين إحدى المتعاطفات مع الإخوان وصديقها. يسلط فشير مجهر الكاتب على تفاصيل المجتمع الدقيقة التي تشكل سلوكياتنا ومواقفنا اليومية، كما هو الحال في تداعيات إعلان علاقة شريف وبهاء على الفيسبوك.

قد يكون كتاب فشير «كل هذا الهراء» ضمن الكتب الأكثر مبيعًا، وقد يشجّع هذا الكتاب على تغيير أسلوبهم واختيار طرق للتعبير تختلف عما كُتب عن ديستوبيا الثورة حتى الآن – بداية من كتاب بسمة عبد العزيز «الطابور» ومرورًا برواية «عطارد» للكاتب محمد ربيع – ربما للوعي بأن الكتابة المباشرة عن الثورة كانت سابقة لأوانها، لديناميكية واستمرارية الحدث وقتها.

عكست رواية «باب الخروج» نظرة متفائلة للمستقبل رغم الاضطرابات السياسية وقتها، ولكن رواية «كل هذا الهراء» جاءت أكثر واقعية ووعيًا. تبدأ الرواية بحكمة «الأيام الخرا فايدتها النوم». عمر وأمل استنتجا، على ما يبدو، أن أفضل رهان لهما هو الانحناء للعاصفة ومحاولة التعايش ببساطة، بأقل قدر من الخسائر الشخصية.

وبينما تبدأ سبعة من إجمالي الفصول الثمانية بسؤال من عمر أو أمل عما إذا كان الآخر نائمًا، ويتضح بعده أن الآخر مستيقظ فعلًا، يبدو فشير وكأنه يقترح علينا، بهدف قضاء شبه البيات الشتوي غير المنتهي هذا، ألا مشكلة في الاستيقاظ من حين لآخر، من أجل الأكل والجنس وحكي القصص، طالما أننا لن ننسى أبدًا. ولكن يبدو أن عمر وأمل لا يستطيعان النوم بشكل حقيقي.

_____________________

ترجمة: منة الليثي

اعلان
 
 
شريف عبد الصمد