Define your generation here. Generation What

كيف تدور المعاملات الاقتصادية في السجن؟

في فيلم «الأفوكاتو» يدخل حسن سبانخ المحامي المحكوم عليه بالحبس شهرًا لإهانة قاض، لزنزانة حسونة محرم، رجل الأعمال وتاجر المخدرات، يتطلع إلى ما بها من محتويات، ثم يأخذ سماعة الهاتف على المكتب ليطلب مأمور السجن قائلًأ: «دا انتو مقعدينه في زنزانة خمس نجوم»، فبعكس سائر الزنازين، تتوفر في الزنزانة جميع وسائل الرفاهية من مكتب ووسادات نظيفة وتلفزيون وهاتف وتكييف وأجيلة ومشروبات روحية.

جسّد الفيلم جانبًا من الواقع داخل السجن، حيث لكل سجين وضع اقتصادي يختلف عن غيره، ويحدد طبيعته ما يمتلكه السجين من أموال ونوع الجريمة التي ارتكبها وعلاقته بالحراس والسجناء. وتنحصر المعاملات الاقتصادية بشكل عام في «البونات»، وهي أوراق مختومة بختم السجن وتُستخدم كنقود، وكذلك السجائر والأموال النقدية المتداولة، ويقضي بها السجين احتياجاته في الداخل من طعام وملابس، بالإضافة للاحتياجات الأخرى غير القانونية كتهريب المخدرات للداخل أو حتى إجراء المكالمات الهاتفية الممنوعة أيضًا، وهو ما ساعد على خلق طبقة من المستفيدين من هذا الوضع داخل السجن، وذلك بحسب سجناء سابقين تحدثوا إلى «مدى مصر».

يبدأ السجين يومه الأول بأن يبدّل ملابسه العادية بملابس السجن، ويضع ما لديه من متعلقات وأموال في الأمانات، لتترك هناك حتى انقضاء العقوبة، أما أمواله فيأخذ مقابلها «بونات» يستخدمها في الشراء داخل السجن.

الشكل القانوني للمعاملات المالية في السجن

تُستخدم «البونات»، وهي أوراق مختومة بختم السجن من فئة الجنيه حتى الـ100 جنيه، في شراء احتياجات السجين من ملابس وأحذية وطعام وشراب. بحسب محمد نجيب مدير مصلحة السجون السابق، فإدارة السجن توفر للسجين حصته من الطعام واحتياجاته من ملابس السجن، لكن إذا أراد شراء بعض الاحتياجات الأخرى كالسجائر أو الأطعمة الإضافية، بالإضافة للغيارات الداخلية والأحذية والكتب والمجلات، فهي تباع في مكان داخل السجن يسمى «المقطف» أو «الكانتين».

يحتوي كل سجن من السجون على عنابر، وينقسم العنبر الواحد لزنازين عدة. ويصنَّف السجناء فيها طبقًا للجرائم التي ارتكبوها، فبحسب نجيب، يوضع متهمو جرائم النفس بصحبة بعضهم، بالإضافة لعنابر للمخدرات والجرائم الجنسية وخيانة الأمانة والسياسيين، وذلك تجنبًا لوقوع المشكلات عند اختلاط المتهمين في جرائم مختلفة.

لكن السجناء يتكلمون عن اختلاف في أسلوب المعاملة، وفيما توفره إدارات السجون لهم. ففي سجن برج العرب يعترف السجناء بثلاثة أقسام للعنابر غير تلك التي أشار لها نجيب، وهي أقسام «الأثرياء» و«الجنائيين» و«السياسيين»، ولكل قسم منهم طريقة تعامل مختلفة من قبل إدارات السجون، بحسب محمد السيد (اسم مستعار)، وهو سجين سياسي سابق ببرج العرب. حيث تمتاز «عنابر الأغنياء»، كما يطلق عليها، والتي تحوي متهمي قضايا الأموال، بما لا يتوفَّر للآخرين من أماكن نظيفة وخدمات معيشية أفضل من غيرها، إضافة للمعاملة الجيدة من قبل الحراس، وتمتاز عنابر الجنائيين بعدم التشديد على ما يقومون به، لكن في مقابل هذا، فهناك معاملة سيئة من قبل الحراس، أما عنابر السياسيين فالمعاملة فيها حسنة لكن الرقابة مشددة، بحسب السيد.

الدفع مقابل الإقامة

في سجن برج العرب بالإسكندرية، يدفع السجناء أموالًا لدخول عنابر الأثرياء، والتي تتوفر فيها  سبل راحة وأدوات أفضل، مثل التلفزيون والثلاجة والتكييف والوسائد وسخان كهربائي للحمام، وتصل قيمة الليلة الواحدة للإقامة في العنبر لما بين ألف و1500 جنيهًا، كما يشير السيد، ويجري هذا بالاتفاق مع النوبتشي أو مسيّر العنبر، وهو شخص تختاره إدارة السجن، ويكون حسن السير والسلوك، لمعاونة ضابط العنبر وأفراد الشرطة في تسيير أمور السجناء.

غير ذلك، تنقسم الأماكن داخل الزنزانة الواحدة إلى ثلاثة أركان؛ المصلب والمراية والمنتصف، وتعد المراية أسوأ مكان في الزنزانة، وهي تلاصق باب الحمام، وتكون للسجناء الجدد ومن لا يملكون مالًا أو نفوذًا. أما أفضل الأماكن هناك فهو المصلب، وهو المكان المقابل للباب بعيدًا عن الضوضاء وحركة الناس فيها، ويقيم السجن فيه بعد أن يدفع مالًا للنوبتشي. يقول السجين محمود عثمان، وهو سجين جنائي سابق بسجن شبين الكوم العمومي، إنه أحيانًا ما تُدفع أموال للنوبتشي للجلوس في هذا المكان، وأحيانًا يحدث هذا بالترتيب بين السجناء. وفي بعض الزنازين يحدث هذا بالأقدمية، حيث يحق للسجناء القدامى الجلوس والمبيت في المصلب. وبإمكان السجين بيع ليلته لسجين آخر، مقابل مبلغ من الأموال يصل إلى خمسين جنيهًا أو علبتي سجائر في الليلة الواحدة، ويحدث أحيانًا أن يقتسمها النوبتشي مع السجناء، باعتباره ذا سلطة عليهم.

الدفع مقابل خدمة

يعد تداول الأموال داخل السجن أمرًا غير قانوني، ومن يُضبط وبحوزته أموال، يعاقَب بمصادرتها وتوقيع غرامة مالية عليه، حسب حجم المبلغ الذي ضبط معه، حسبما أوضح نجيب، الذي نفى فكرة تلقي النوبتشي أو المسير أموالًا من السجناء أو حتى من إدارة السجن نظير مساعدته للحراس في ضبط العنابر. لكن السجناء يحكون أن المسير أو النوبتشي يجري اختيارهما من الجنائيين الذين مضى على تواجدهم بالسجن فترة كبيرة، ويتلقيان الأموال نظير خدمات يقدمانها للسجناء، نظرًا لما يسمح به وضعهما من حرية التحرك والتجول داخل السجن. بحسب السيد، ففي عنابر متهمي الجرائم السياسية بسجن برج العرب لم يكن يُسمح لهم بالتجول خارج الزنازين، أو التريض وشراء مستلزماتهم من الكانتين، وكان النوبتشي هو من يقوم بهذه الخدمة لهم مقابل مبلغ معين من الأموال يحدَّد طبقًا لقيمة ما يشتريه للسجين.

السجائر وسيلة بديلة للأموال

إذا لم تكن تملك مالًا، وإنما فقط السجائر، فأنت تملك المال.

لا يحدث الدفع داخل السجن عبر البونات أو الأموال فقط، وإنما تُستخدم السجائر أيضًا في الدفع، بحسب رياض إبراهيم (اسم مستعار) وهو سجين سابق في قضية سلاح ناري بسجن المنيا العمومي. يحكي أنه أحيانًا ما ينجح السجناء في زنزانته في تهريب هاتف للداخل، بمساعدة النوبتشي وأحد أفراد الحراسة، مقابل قاروصتي سجائر. فبحسب اللواء محمد نجيب، يعتبر تداول الهاتف داخل السجن أمرًا غير قانوني، وتُجرى حملات تفتيشية بصفة دائمة للبحث عنها داخل العنابر.

لكن مشاجرة في سجن شبين الكوم العمومي على ثمن تهريب هاتف محمول داخل زنزانة، تحوي متهمين جنائيين، تسببت في سحب دور النوبتشي من سجين، وتكدير نزلاء الزنزانة بالكامل، والتضييق عليهم لمدة أسبوعين متتاليين. بحسب عثمان، فالهاتف جرى تهريبه لأحد السجناء داخل أوعية طعام، وطلب النوبتشي مالًا مقابل عدم الإبلاغ عن الهاتف، واندلعت مشاجرة بين السجناء وبينه، وتدخلت إدارة السجن وجرى تكدير السجناء بالكامل، وسُحب الهاتف وسُحب دور النوبتشي من السجين، وأجريت حملات تفتيشية يومية على الزنزانة لمدة أسبوعين بعدها. ولكن بشكل عام، تمتاز عنابر الجنائيين بعدم التشديد على ما يأتي من زيارات خارجية، بعكس عنابر متهمي الجرائم السياسية.

ما يتحصل عليه الحراس

ليس النوبتشي وحده من يتحصل على أموال مقابل خدمات تقدم لنزلاء العنبر، فأغلب ما يستطيع بعض الحراس تحصيله من أموال يكون عن طريق زيارات أهالي السجناء، وتُحسب قيمتها بحسب ما يُقدَّم لأهل السجين، كالدفع للدخول مبكرًا للزيارة أو السماح بدخولها بعد انتهاء الميعاد المخصص للحضور، أو السماح بتمرير أغراض خفيفة للسجناء بالداخل، مثل أجهزة الراديو، بحسب السيد.

وفي سجن المنيا العمومي هناك وظيفة يشار إليها بـ«البوسطة»، وهو فرد أمن يساعد المساجين على تهريب الممنوعات للداخل مقابل مبلغ من الأموال يُحدَّد على حسب قيمة ما يدخل. يحكي إبراهيم عن واقعة اتفاق مسجون مع أصدقاء له على تهريب زجاجتي عصير قصب مخلوط بمواد مخدرة (ثمانية شرائط تامول)، وتولى عملية التهريب فرد «البوسطة» مقابل 300 جنيهًا، ولكن لأن احتياجاته كانت تدخل باسم سجين آخر ثم يتلقاها هو منه، فقد حدث بالخطأ أن دخلت لسجين ثالث، ما كان منه إلا أن شرب زجاجة من الزجاجتين دفعة واحدة، وأصيب بحالة إغماء ونُقل للمستشفى وانكشف أمر المخدرات، فأجريت حملات تفتيشية لعدة أيام متواصلة على العنبر وجرى التدقيق لعدة أيام متوالية في الزيارات الآتية من الخارج.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، وإنما أراد السجين استعادة قيمة المواد المخدرة المطحونة في الزجاجتين، وتعرض لمن شرب إحداهما، بعد خروجه من المستشفى، وظل يضايقه باستمرار حتى استطاع أن يسدد له مبلغ 1200 جنيهًا قيمة المخدرات، بحسب إبراهيم. ولم يستطع أحد اعتراضه لشهرته بالبلطجة داخل العنبر المتواجد به.

سجناء يتلقون أموالًا من السجن

الحالة القانونية الوحيدة التي تدفع فيها إدارة السجن أموالًا للسجين هي عندما يحترف السجين مهارات محددة تفيد في الأعمال المطلوبة داخل حيز السجون، كالحدادة والنجارة والبناء والطلاء والكهرباء وإصلاح السيارات والحياكة والتنجيد. يقول محمد نجيب أن مرتبات هؤلاء المساجين الحرفيين تتراوح بين 1800 و2000 جنيهًا، تودع باسم السجين في أمانات السجن، وله أن يحصل على نصفها أثناء قضائه فترة عقوبته، فيما يُحفظ النصف الآخر له لحين موعد خروجه، أو يأخذه ذويه بالخارج بعد موافقته.

اعلان
 
 
محمد ربيع عبد الباري