Define your generation here. Generation What
عقبات على الطريق الروسي – المصري: خلاف «نووي» وجمود «سياحي»
 
 

تشهد العلاقات بين مصر وروسيا تشابكات عديدة في الوقت الحالي على خلفية الكثير من الملفات، سواء المباشرة، وأبرزها مشروع الضبعة النووي، أو تلك المتعلقة بالرؤية المشتركة للقضايا الإقليمية. فيما لا يزال ملف عودة حركة السياحة الروسية إلى مصر عالقًا، في ظل أزمة واضحة يعاني منها قطاع السياحة المصري، خاصة في مناطق جنوب سيناء والبحر الأحمر، وهما مقصد أساسي للسياحة الروسية في مصر.

وفود القاهرة ووفود موسكو

وسط هذه التشابكات تبرز الأنباء المتضاربة عن زيارة مرتقبة لوزيري الخارجية والدفاع الروسيين إلى القاهرة، والتي أكد دبلوماسي مصري لـ «مدى مصر» أنها ستحدث خلال الأسابيع القليلة المقبلة، بعد أن تم تأجيلها مرتين دون إبداء الكثير من التفاصيل.

وفي ظل الحديث عن تأخر الزيارات، أكد مسؤول مصري سابق شارك في النقاشات الأولية لاتفاق إنشاء محطة الضبعة النووية، أن الطرف المصري تحفظ على أربع مسائل متعلقة بالعقد، الأولى تتعلق بشروط التحكيم الواردة في العقد والتي يتم اللجوء إليها في حال اختلاف البلدين. وتتعلق الثانية بتأمين المشروع والمشاركة المحتملة لروسيا في هذا الأمر والتبعات التي تتحملها مصر في حال حدوث مشكلة في هذا التأمين. بينما تتعلق الثالثة بتدوير والتخلص من النفايات النووية. والرابعة واﻷخيرة تتعلق بطلب مصر خطاب ضمان طويل الأمد من روسيا، رفضت اﻷخيرة قطعيًا تقديمه.

وبحسب أحد الأعضاء الروس في مجلس الأعمال المصري الروسي، اطلع على موقف الدولة الروسية من الأمر، فإن موسكو لا تقبل التعديل في البنود التي تم الاتفاق عليها بالفعل، وذلك بالرغم من موافقة المصدر، الذي فضل عدم ذكر اسمه، على أن شروط العقد المتعلقة بالتحكيم وإجراءات التأمين والأمان، تبدو مجحفة بالفعل للجانب المصري.

وعلى الرغم من المفارقة الواضحة، والتي أكدها العضو الروسي، إلا أن الأمر لا يبدو متعلقًا فقط بالتفاصيل الفنية للعقد، وإنما بأمور أكثر عمومية. إذ أكد دبلوماسي أوروبي مقيم في القاهرة، أن روسيا «تشعر بالغضب بسبب مطالبة القاهرة بعودة السياحة الروسية أولًا إلى مصر، قبل المضي في إجراءات العقد. وهو ما تراه موسكو باعتباره ضغطًا يمارس عليها لا يمكن أن تقبله».

ووقعت مصر في 19 نوفمبر 2015 اتفاقا لإنشاء محطة الضبعة النووية مع شركة «روس أتوم» الروسية، وهي الخطوة التي أتت تتويجًا لجولات طويلة من المباحثات التي استمرت قبل هذا التاريخ بشهور.

ونقلت وكالة «سبوتنيك» الروسية الرسمية عن عضو لجنة الطاقة في البرلمان المصري، السيد حجازي، قوله إن «التوقيع على الصيغة النهائية لعقد الضبعة النووي مع الشركة الروسية قد يكون في أول مايو المقبل»، وبحسب ما نقلته الوكالة عن حجازي، يستعد وفد برلماني مصري برئاسة رئيس لجنة الطاقة محمد السويدي لزيارة روسيا غدًا الاثنين، على أن يلتقي الوفد بممثلين عن شركة «روس أتوم» التي ستقوم بتنفيذ مشروع الضبعة النووي.

عقبة عودة السياحة

على الجانب اﻵخر، يبدو أن مسألة عودة السياحة الروسية إلى مصر، ورفع الحظر المفروض على الطيران المصري في الأجواء الروسية، تقف في طريق تطوير العلاقة بين البلدين.

إذ أكد مصدر حكومي مصري أن الجانب الروسي أرسل تقريرًا إلى الحكومة المصرية، قبل أسبوعين، قال فيه إنه لا يزال «متوجسًا إزاء كافة الإجراءات الأمنية في مطار القاهرة والمطارات الأخرى، ما يحول دون استئناف حركة السياحة».

كانت طائرة ركاب روسية قد سقطت أواخر أكتوبر من العام 2015، بعد 20 دقيقة من إقلاعها من مطار شرم الشيخ، ما أسفر عن مقتل 217 شخصًا كانوا على متنها باﻹضافة لأفراد طاقمها السبعة. وبينما استمرت مصر في إنكار أن يكون الحادث بسبب عمل إرهابي، أكد مدير هيئة  خدمات اﻷمن الروسية الفيدرالية أليكساندر بورتنيكوف أن قنبلة تزن كيلوجرامًا من مادة الـ TNT قد انفجرت على متن الطائرة.

بعد الحادث، أعلنت روسيا عن تعليق كافة رحلاتها الجوية إلى مصر، بينما قامت عدة خطوط طيران أخرى بتعليق رحلاتها فوق سيناء بشكل مؤقت، وهي الخطوات التي أثرت كثيرًا على السياحة في مصر.

وبعد ثلاثة أشهر من سقوط الطائرة، نقلت وكالة رويترز عن محافظ جنوب سيناء اللواء خالد فودة قوله إن خسائر مدينتي الغردقة وشرم الشيخ وصلت إلى ملياري جنيه شهريًا، وأن 40 فندقًا في شرم الشيخ أغلقت بعد انخفاض نسبة الإشغال إلى 18%، مضيفًا: «لن نستطيع تعويض نسب النقص هذه إلا بعد عودة السياحة الروسية والبريطانية التي كانت تساهم بنحو 35 ألف سائح أسبوعيًا قبل أزمة الطائرة الروسية».

كانت الرئاسة المصرية قد أصدرت بيانًا في نهاية ديسمبر الماضي قالت فيه إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أبلغ نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، هاتفيًا، أن رحلات الطيران الروسية لمصر ستستأنف في القريب العاجل.

من جانبه، أضاف المصدر الحكومي المصري، الذي تحفظ على ذكر اسمه، أن النقاط التي أثارها التقرير الروسي كُتبت بناءً على متابعة شرائط تسجيلات كاميرات المطار، والتي أوضحت (بحسب التقرير) انعدام كفاءة إجراءات التأمين المتعلقة باﻷطقم التي تعمل في الطائرات، وتلك التي تعمل على النظافة وإمدادات الطعام وباقي الخدمات الأرضية، حيث لا يخضع أفراد تلك الأطقم للتفتيش الواجب، ولا يلتزمون بارتداء زي موحد، يميزهم عن بعضهم البعض.

وشمل التقرير أيضا انتقادًا لإجراءات التأمين في المطارات، خاصة أنه لا يشمل المساحات خارج أسوار المطارات، ما أدى للشعور بالقلق حيال احتمالية استهداف المطارات من المناطق المتاخمة لها.

وعلى الرغم من ذلك، وبحسب دبلوماسي رفيع المستوي، شاركت بلاده في تقييم إجراءات الأمن في المطارات المصرية، خاصة تلك الواقعة في البحر الأحمر والتي تتوافد عليها معظم السياحة الروسية، فإن التقديرات الروسية تبدو مبالغ فيها بشكل كبير، فيما أشار إلى أن مطارات البحر الأحمر وسيناء، مؤمنة بصورة جيدة، وتم تقديم خدمات تأمين إضافية فيها، موضحًا أن «الحكومة المصرية أبدت مرونة وتفهمًا كبيرًا في التعاون في هذا المجال».

وأضاف الدبلوماسي الأوروبي أن هذا «التشدد الروسي» يبدو معبرًا عن «شئ غير مفهوم» تمر به العلاقات بين البلدين.

كما أشار إلى «وجود خلافات بين الجانبين المصري والروسي حول صياغة التقرير الأمني النهائي الخاص بحادث تفجير الطائرة».

واشتملت الاشتراطات الروسية، بحسب تقرير سابق لموقع روسيا اليوم، على نشر أجهزة البصمة البيومترية، بالإضافة إلى «نشر المراقبة بالفيديو حول محيط المطار ومحطات المسافرين الجوية وتنظيم مناطق خاصة للتفتيش قبل الصعود إلى الطائرة وتدابير السلامة مباشرة عند الخروج من البوابات للوصول إلى متن الطائرات»، كما طالبت السلطات الروسية بتأمين المنتجعات والمرافق السياحية بما يضمن سلامة السائحين.

وكانت وزارة الطيران المدني قد أعلنت عن زيارة مشابهة لوفد أمني بريطاني برئاسة روبرت بن والاس، وزير الأمن البريطاني، في منتصف يناير الماضي، تفقد خلالها الوفد الإجراءات الأمنية بمطار القاهرة الدولي. وطبقًا لبيان أصدرته الوزارة، فإن الطرفين بحثا عودة الرحلات البريطانية لمطار شرم الشيخ.

وأجرت الحكومة المصرية عددًا من الزيارات والمحاولات مع الجانب الروسي للتأكيد على أمان المطارات المصرية في محاولة استئناف رحلات الطيران إلى مصر، خصوصًا بعد الانهيار الذي تعرض له قطاع السياحة المصري منذ الحادث.

سوريا وليبيا

في الوقت نفسه، تتجاوز زوايا العلاقات بين البلدين الملفات الاقتصادية المباشرة لتصل إلى الرؤية المشتركة لقضايا المنطقة، كالموقف من المسألتين السورية والليبية. حيث علقت موسكو آمالها على سياسات السيسي، وبات هناك تعاونًا محددًا في قضايا عدة. مثل التعاون بينهما في المسألة السورية، والذي يوصف بالتعاون «المعلوماتي رفيع المستوى»، إلى جانب «التعاون اللوجستي» في الساحة الليبية.

وتعد المسألة الليبية واحدة من علامات الاستفهام الكبرى في العلاقات بين البلدين. يقول مصدر مصري مسؤول إن روسيا فتحت مسارًا للتعاون مع قائد الجيش الليبي خليفة حفتر، كان في البداية يضم مصر، ثم أُخذ بعيدًا ليقتصر المسار على الجانبين الروسي والليبي. وهو ما أثار حفيظة العسكريين المصريين المسؤولين عن الملف الليبي، والذين كانوا متحفظين بالفعل قبل ذلك بسبب تراجع روسيا عن إمداد مصر بنمط معين من أنظمة التسلح، بعد الاتفاق عليه بالفعل.

إلى ذلك، يحتاج تشخيص طبيعة العلاقة الروسية مع مصر، إلى النظر بصورة أكثر شمولية لما تمثله الدولة المصرية لدى موسكو. إذ يقول السفير المصري السابق في روسيا، علاء الحديدي، لـ«مدى مصر» إن «روسيا علقت آمالها على مصر عقب ثورة 30 يونيو لرغبتها في أن تعود مصر للعب دور إقليمي أكبر، استعادة لموقعها التقليدي الذي غاب لصالح قوى إقليمية أخرى. وكذلك مثّل الدور المصري حماية لأحد مصادر الخطر على الأمن القومي على روسيا، وهو إزاحة نظام الحكم ذو التوجهات الإسلامية الأصولية. ومن هنا، بدأت الرغبة الروسية في تعدي العلاقات للملفين التقليديين وهما السياحة والقمح، لتشمل ملفات أخرى تخدم مصالح الطرفين».

ويضيف السفير المصري الذي عمل كمتحدث رسمي باسم الحكومة المصرية سابقًا، أنه «على الرغم من رغبة الجانب الروسي في تطوير العلاقات بين البلدين، فإنه أدرك أيضًا عدم توافر الإرادة السياسية اللازمة لدى بعض القطاعات في الجانب المصري من أجل تعزيز وتدعيم العلاقات. وكان الجانب الروسي يرى في أي خطوة تقارب مصرية مجرد مناورة من القاهرة لتعزيز المركز التفاوضي للقاهرة إزاء واشنطن، وليس تعبيرًا عن رغبة صادقة أو حقيقية في تطوير العلاقات. وعزز هذا الاعتقاد لدي الجانب الروسي قيام الجانب المصري أكثر من مرة بمفاتحة الجانب الروسي في موضوع ما، ليكتشف الروس بعد ذلك أنهم قد تم استخدامهم كأوراق ضغط فقط مع الأمريكان.. أضف إلى ذلك أن رؤية روسيا لمصر ليست كرؤية الاتحاد السوفييتي، فالأولى قائمة على المصالح المشتركة، أما الثانية فقد توصف بالعلاقة الأيديولجية».

اعلان
 
 
أسمهان سليمان