Define your generation here. Generation What
مجاورة: كيف يصبح التراث موردًا، لا عبئًا
معماري ومؤرخ وحكّاء يدخلون مقام ولي من الأولياء...
 
 
 
جامع الإمام الشافعي
 

يتطلب الكشف عن طبقات القاهرة العديدة، على أقل القليل، مؤرخًا ومعماريًا وعالم آثار وحكَّاءً.

منذ عام 2011 تعمل جمعية الفكر العمراني «مجاورة» على تحقيق ذلك بالضبط، عن طريق إزالة الغبار واللامبالاة عن المواقع التراثية المُهمَلة وإعادة ربط الأهالي المقيمين بالآثار. هذا التركيز المتكافئ على الحرفة والعلم والمنفعة العامة وشعرية الترميم، بالإضافة إلى التوسع الطموح لمشروعاتها، هو ما يجعل «مجاورة» تجربة فريدة إلى هذا الحد.

المشي عبر شارع الخليفة إلى مكتب الجمعية ومركزها الاجتماعي أشبه ما يكون بالمشي عبر بُعدين متوازيين. تتساند البيوت القديمة المتداعية على المساجد والأضرحة الأقدم، التي تحمل أسماء ولاة وأولياء ماتوا منذ زمن بعيد. لكن هذه الآثار تموج بالحياة بالنسبة للأهالي المقيمين، حيث يذكرون باستمرار أسماء هؤلاء الموتى ويطلبون بركاتهم.

ميّ الإبراشي ذات السبعة والأربعين عامًا واحدة من الشركاء المؤسسين لـ«مجاورة»، درست الآثار والترميم وتاريخ الفن، ثم عملت كمعمارية وأستاذة جامعية قبل تأسيس «مجاورة» كمنظمة غير حكومية عام 2011 مع عشرة من زملائها – كان حوالي نصفهم من الطلاب. تتسم بسلوك هادئ وموزون يعكس سنوات قضتها في مهنة الترميم الصبورة. ورغم أن «مجاورة» اليوم لديها تقريبا طاقم عمل من عشرين فردًا بدوام كامل، إلا أن الفريق يظل شابًا بأغلبية ساحقة؛ معظم أفراده في العشرينيات من أعمارهم. مكتبهم ذو الحجرتين الصغيرتين والمشمستين في شارع الخليفة يضج بطاقة هادئة، بينما في الخارج تتعالى ضجة أشد، مختلفة.

إنها ظهيرة يوم السادس من مارس، ونحن في وسط أيام مولد السيدة نفيسة، واحدة من أولياء الله المحبوبات بشدة وحفيدة الحسن بن علي بن أبي طالب. غدا الشارع الهادئ عادةً ضاجًا بالحياة، وقد نُصبت فيه خيام مؤقتة للمريدين ومراجيح ملونة للأطفال. تبلغ الاحتفالات ذروتها الحقيقية بعد الغروب، أما الآن فهناك مجموعات صغيرة تنتظر دورها لأداء الصلاة في أحد المقامات العديدة التي تملأ الشارع.

هذه الأماكن هي أحد أسباب اختيار «مجاورة» لهذا الموقع، المتواري خلف قلعة القاهرة قبالة ميدان السيدة نفيسة، عند انتقال الجمعية من مكتبها في مصر الجديدة عام 2014. في عام 2012، كانوا قد قضوا ستة شهور يقيمون ورشًا ومناقشات مع سكان المنطقة حول الكيفية التي يرتبطون بها بالأماكن، في محاولة لاكتشاف السبب وراء عدم وجود الدافع للحفاظ على هذه الأماكن لدى الناس. «كنا فقط نجرب، محاولين أن نرى ما كانت تحتاجه المنطقة. » هكذا تقول ميّ الإبراشي، التي تصورت هذا في البداية كمشروع بحثي متوسط المدى. «لم نتخيل بالفعل أننا بعد خمس سنوات سنكون هنا لا نزال.»

في الأصل، استهدفت جمعية الفكر العمراني الربط بين المعماريين والعمرانيين والأكاديميين عبر «مجاورة»، بمساحتها للعمل الجماعي ومكتبها في مصر القديمة. بعد ذلك، ومع بدء عملهم على مشروعات الترميم، أنشأوا مبادرة «الأثر لنا» عام 2012، لتجمع بين أعضاء «مجاورة» وهواة التراث والجهات الحكومية في شبكة عمل واسعة. وبما أن الصيانة والترميم بدآ يلعبان دورًا أكبر في أنشطتهم، فقد أغلقوا مكتب مصر الجديدة ونقلوا مساحتهم، التي يشير إليها الجيران بـ «العيادة» (وقد كانت كذلك فيما مضى)، ويشير إليها الشركاء الثقافيون بـ «مجاورة الخليفة»، هؤلاء الشركاء الذين يستخدمونها من أجل عقد ورش عمل للأطفال ومحاضرات وعروض أفلام.

تقول ميّ مازحة: «لدينا الكثير من الأسماء، وهو الأمر المرتبط بكيفية عملنا في سياق كالسياق المصري. لابد أن نعمل بشكل عضوي ونجد الشكل المناسب لكل موقف. » تشير كلمة مجاورة إلى «الجيرة» أو «القُرب»، وتستدعي القرب بين التراث وهؤلاء ممن يعيشون وسطه. لكنها تحمل كذلك قيم الإرشاد وتبادل المعرفة، بإشارتها إلى طلبة الأزهر الذين كانوا يُدعَون بـ«المجاورين» لأنهم كانوا يعيشون بجوار الجامع.

تقع مساحة «مجاورة» الثقافية الحالية في مسجد لم ينتهِ بناؤه منذ عشرينيات القرن العشرين بسقف غير مكتمل – وهو مثال توضيحي مادي ممتاز لنهجهم العضوي متعدد الطبقات. وعندما جاءت «مجاورة»، كان المكان مخزنًا مؤقتًا. قبل ذلك كان منشأة حكومية، وقبلها كان عيادة، وقبلها كان مسجدًا بُني على أساس مسجد أقدم. يقول رمضان السيد الذي يملك كشكًا ملاصقًا لمساحة «مجاورة»: «كان المكان مقلبًا للزبالة قبل مجيئهم. والآن أصبح مكانًا يمكن للأطفال استخدامه، وأي شخص يمكنه استخدامه. لقد قاموا فعلًا بعمل طيب.»

ضريح شجرة الدر

بجوار «مجاورة» مباشرة يقع ضريح شجرة الدر، أول حاكمة مسلمة أنثى لمصر، والتي رغم كونها شخصية أساسية في تاريخ الدولة المملوكية، فإن أكثر ما يجري تذكرها به هو نهايتها الدراماتيكية: فبعد أن قتلت زوجها، السلطان عز الدين أيبك، ضُربت حتى الموت بالقباقيب على يد خدم زوجة أيبك الأولى. بعيدًا عن هذه الدراما العائلية، يمتلك الضريح واحدة من أفضل لوحات الموزاييك حفظًا من ذلك العصر، وتُصور شجرة من الدر، في تأويل حرفي لاسم السلطانة، لكنها مخفية تحت طبقات من التراب منذ آخر ترميم لها، في وقت ما خلال ثمانينات القرن الماضي. أحد الملامح المميزة للمكان أيضا إفريز خشبي مزخرف بنقوش بالخط الكوفي رُفع من أثر قريب من العصر الفاطمي الأقدم. كان ترميم هذا الضريح أول مشروع لمبادرة «الأثر لنا» عندما انتقل فريق مجاورة إلى المكان.

من داخل ضريح شجرة الدر

أمام «مجاورة» في الشارع يقع مقام السيدة رقية، ويُعتقد أنها الحفيدة الكبرى للنبي محمد، ويحوي أكبر محراب من الجص في مصر. هذه الكوة المقوسة ذات النقوش الهندسية رُمّمت وأعيد افتتاحها بواسطة مبادرة «الأثر لنا» في يناير 2016. بجوار هذا المقام تقع قبة الجعفري، الذي يُعتقد أنه من نسل جعفر الصادق، ويعتبره الشيعة الإمام السادس، وقبة السيدة عاتكة، التي يُعتقد أنها إما عمة الرسول أو زوجة محمد بن أبي بكر. وقد جرى تمويل هذا الترميم عن طريق صندوق سفراء الولايات المتحدة للحفاظ على الثقافة.

تخبرني ميّ أن «مجاورة» تقارب التراث «بطريقة مختلفة كليًا» عن مشاريع الترميم القادمة من أعلى إلى أسفل والتي تُصلح واجهات المبنى، ثم تجمع أشياءها وترحل. تقول ميّ: «هذه المباني مهمة بالطبع، لكن لا يمكن النظر إليها بمعزل عن كل شيء آخر يحدث في المنطقة المحيطة.»

أُطلق على شارع الخليفة تاريخيًا «المشاهد»، أي: الرؤى، بسبب العدد الكبير من الأضرحة فيه، والتي أقيم كل منها احتفالًا بذكرى ظهور الشخصية المقدسة لمؤسس المقام في رؤية ما. تحظى هذه الأماكن بالتبجيل رغم حقيقة أن أيًا من الشخصيات التي تحيي ذكراها ليست مدفونة فعليًا هناك. تتمازج تواريخ هذه الأماكن لتخلق نسيجًا منقوشًا من الحكايات، تأمل «مجاورة» أن يستمر في إبقائها حية في عقول السكان الحاليين.

يقول أحمد طارق، وهو مهندس معماري في الرابعة والعشرين من عمره يعمل مع «مجاورة» ومبادرة «الأثر لنا»: «هدفنا الأساسي هو أن نجعل الناس يبدأون في النظر إلى التراث كمورد وليس كعبء. » بعد فترة قصيرة من العمل في شركة هندسة معمارية التحق طارق بالفريق منذ حوالي عامين، بعد الانتقال إلى شارع الخليفة. وهو يقود دراجته عبر طريقه اليومي للعمل الذي يستغرق ثلاثين دقيقة من منزله في المعادي، سالكًا الطرق الخلفية عبر جبَّانة هائلة، حيث تعمل «مجاورة» كذلك على مشروع ترميم ضخم.

يصف طارق كيف يرى الأهالي المباني التراثية، غير ذات الأهمية الدينية، كعبء – بمعنى أنها تشغل مساحة من الأرض كان يمكن أن تُستخدم بطريقة أخرى، لكنها في حد ذاتها مبان متهالكة لدرجة تجعلها غير ذات نفع لأي شخص. ومثل مكان «مجاورة» نفسه قبل التجديد، غالبًا ما تتحول هذه المباني إلى مقالب قمامة وتُترك لتتعفن. أحد الأسباب الرئيسية لنجاح رؤية «مجاورة» هو ربط المنفعة الشخصية للأهالي بالحفاظ على التراث، والاعتقاد بأنه حتى تكون الآثار في حالة جيدة، يجب أن يعيش الناس، الساكنين وسطها، في ظروف جيدة. ومن هنا يأتي منهج «مجاورة» بشقيه: الترميم والتنمية المجتمعية.

في عام 2014، بدأت «مجاورة» مدرسة صيفية لما بين عشرين إلى ثلاثين طفلًا من المنطقة، لتعليمهم مبادئ القراءة والكتابة والحساب الأساسية، أحيانا عن طريق دمج المصطلحات والمفاهيم التراثية. مثلًا، يوضح كتاب «مجاورة» المصور للأبجدية الإنجليزية «حرف A كما في Arch (قوس أو قنطرة) »، و«حرف D كما في Dome (قبة)».

يخبرني طارق الآن أنهم بدأوا كذلك برامج لأطفال أكبر، في عمر 14 و15 عامًا، كما نظموا جولات للمدارس الخاصة كطريقة لمواصلة أنشطتهم التنموية الأخرى. تقول ميّ: «من المهم أن يفهم الأطفال أن تكوينهم مرتبط بتكوين الشارع، أن المحلات والمقاهي هي أشياء تمثل جزءًا من تراثهم، وأن القصص التي تُحكى هي جزء منه أيضًا. لو فهموا ذلك، فسيعتنون على الأرجح بكل هذا.»

في العام الماضي عملت «مجاورة» مع محافظة القاهرة على تحويل قطعة أرض مهجورة كانت تُستخدم كمقلب قمامة إلى ملعب لكرة قدم. وبعكس التصورات الرومانتيكية لتنمية المناطق الشعبية، وجدت ميّ أن العمل مع الجهات الحكومية قد منح مبادرة «الأثر لنا» الشرعية التي افتقدوها عندما انتقلوا في البداية إلى المنطقة. في الفراغ السياسي الذي أعقب الحراك الثوري في عام 2011، اضطرت ميّ وزملاؤها بمحض الصدفة إلى لعب دور الوسطاء بين سكان الخليفة والحكومة. تقول ميّ: «اكتشفنا أن لدينا الآن دورًا كصوت للمجتمع، وهو الشيء الذي لم نكن نطمح إليه على الإطلاق.»

شارع الخليفة، الذي يقع على ارتفاع أقل من المناطق المحيطة، يعاني مشكلة صرف مياه مزمنة. تتسرب المياه إلى أساسات المباني التاريخية، فتنخرها، وتزيد من نسبة الرطوبة. يشكو سكان الطوابق الأدنى من البرد والسعال والروماتيزم والبعوض. في إحدى زياراتي، وقبل أيام قليلة من مولد السيدة رقية، حدث طفح مفاجئ في مقامها جرَّد الجدران من طبقة جص. المشكلة المنتشرة على الأرجح هي مزيج من تسرب المياه الجوفية والمواسير السيئة، لكن لا أحد يعرف بالفعل.

مع كون التراث هو مهمتها الرئيسية، قامت «مجاورة» بالضغط على الجهات الحكومية للتعامل مع هذه المشكلة. وقد أصدرت وزارة الإسكان حاليًا تكليفًا بإجراء دراسة عن مشاكل الماء في المنطقة، كما تقر وزارة الآثار ومحافظة القاهرة بأهمية الموضوع، وهو ما تعتبره «مجاورة» نجاحًا معقولًا.

ورغم أن «مجاورة» كانت شريكًا لوزارة الآثار في مشروعات عديدة، فالأمر يتطلب توازنًا دقيقًا. تقول مي الإبراشي: «نحاول ألا نكون عوامل مساعدة تسمح للحكومة بألا تقوم بعملها. » مضيفة مع ذلك أنه لا يمكن إنجاز تأثير حقيقي دون تعاون جميع الأطراف المهتمة. تضيف: «نحن مجرد منظمة أهلية صغيرة ذات موارد محدودة. لكننا لو نجحنا في دفع الحكومة إلى الاتجاه الذي نريده، فسيحدث التأثير ها هنا.»

الترميم عمل بطيء مُضنٍ. يتضح هذا في مشروع من المتوقع أن يمتد لأربع إلى خمس سنوات، بدأته مؤخًرا مبادرة «الأثر لنا» في منطقة مختلفة: امتداد الجبَّانات الذي يحده الأوتوستراد من جانب وطريق صلاح سالم من الجانب الآخر، والمعروف باسم «القرافة الصغرى» في جنوبي القاهرة. هنا – مثلما هو الحال في الخليفة – يتعايش الموتى والأحياء، رغم أن الموتى يفوقون الأحياء عددًا بشكل كبير. القرافة ليست مأهولة بكثافة، لكنها كانت مسكونة باستمرار منذ زمن يعود إلى القرن التاسع مثلًا، أولا بالقائمين عليها «التُربيَّة»، ثم بهؤلاء الباحثين عن العلم في المدارس الدينية الكثيرة بالمنطقة، وفيما بعد بالمهاجرين الجدد إلى المدينة، والمريدين الصوفيين، ومن لا يملكون ببساطة مكانًا آخر يذهبون إليه.

قبة جامع الإمام الشافعي

وسط القرافة يلوح مسجد وضريح الإمام الشافعي، وهو واحد من الأئمة الأربعة الكبار الذين يرجع إليهم الفضل في وضع الكثير من قواعد الشريعة الإسلامية، ممهدًا الطريق للمدرسة الشافعية في التفكير داخل الفقه الإسلامي. وتعمل مبادرة «الأثر لنا» على ترميم الضريح منذ ستة أشهر، بفريق يزيد على أربعين مرممًا وعاملًا ومهندسًا ممن يعملون بشكل يومي.

محمد الشافعي (وهو لا يمت بصلة للإمام!) مهندس معماري بيئي عذب الحديث يعمل مع «مجاورة»، وهو مدير موقع في مشروع الإمام الشافعي. في يوم زيارتي للموقع كان من السهل أن يخطئ المرء ويظن الشاب ذا الـ29 عامًا عالم آثار؛ كان غائصًا حتى وسطه في خندق مستطيل حُفر في مدخل الضريح بعد إزالة الأرضية الموزاييك للترميم، ويتناقش حول ما إذا كان يمكن للبناء المدفون الذي صادفوه أن يكون سُلمًا قديمًا أم مقبرة مجاورة. يقول: «نظل نكشف طبقات من المبنى ونحن نعمل. ولسنا متأكدين أبدًا مما سنجده. »

يخبرني الشافعي أنهم يتوقعون أن يستمروا في العمل لسنتين أخريين في المرحلة الأولى من هذا المشروع الممول منAFCP  (صندوق السفراء الأمريكيين للحفاظ على الثقافة)، تلك المرحلة التي تتوجه نحو أمور إنشائية عاجلة، وكذلك تتتبع وتوثق كل جزء من باطن القبة المزخرف بكثافة، حتى قبل أن يتمكنوا من البدء في العمل الحقيقي. شيّد هذه القبة السلطان الكامل في عام 1211 تعظيمًا للإمام الشافعي (الذي كان قد دُفن في هذه البقعة منذ حوالي 400 عام قبل ذاك) وكمدفن لأم السلطان الكامل، الملكة شمسة. حاليًا، السلطان الكامل نفسه، وكذلك المفتي والعالم الإسلامي ابن عبد الحكم، مدفونان هناك أيضًا.

من داخل جامع الإمام الشافعي

هذه أكبر قبة خشبية في مصر. وعندما تنظر إلى وضعها الحالي، يمكنك تمييز الطبقات المتراكمة مع توالي قدوم الولاة وذهابهم، مجددين ومغيرين في هيكلها. وتتضمن أبرز ملامحها الأصلية الإفريز المزخرف السفلي، الذي يصور نقشًا نباتيًا بألوان خضراء وحمراء وزرقاء أخاذة، والإفريز العلوي بنقوش الخط العربي التي تصف تأسيس القبة. تُظهر السجلات أن القبة جُددت أكثر من ست مرات، وفي كل مرة كان الحاكم الذي يقوم بالتجديد يترك نقشًا ذهبيًا على باطن القبة ليشهد على مساهمته. وقد أضيفت عوارض خشبية خضراء بارزة خلال العصر المملوكي لتُعلَّق عليها القناديل. وهناك مسجد ملاصق أقيم في أوائل القرن التاسع عشر، وفيما بعد وُصل بالضريح عن طريق ممر يجمعهما.

أرضية جامع الإمام الشافعي

ورغم أن ضريح الإمام الشافعي قد يكون الأشهر، إلا أن المنطقة تحتوي على عشرات القباب الأخرى والمقامات والمقابر التي تحتاج بشدة للترميم. «نركز على استخدام ضريح الإمام الشافعي كنقطة انطلاق نحو شيء أكبر قد يدفع بالمزيد من التحرك نحو الآثار الأخرى. » هكذا  تقول مي الإبراشي، التي عملت فيما مضى على ترميم مدفن وسبيل رضوان أغا الرزاز الملاصق للقبة، من عام 2008 إلى عام 2011، كجزء من مبادرة مستقلة، هي مشروع إنقاذ القرافة. وتضيف: «سيتطلب الأمر جهدًا مركزًا وتفكيرًا حقيقيًا في كيفية إتاحة هذه الأماكن أمام الزوار.»

رغم أن مبادرة «الأثر لنا» قد أغلقت الضريح أمام الزوار خلال التجديد، إلا أن القائمين عليها لا يملكون أي خطط تتعلق بتعقيم المزار، عبر تحويله إلى نقطة جذب سياحية ثقافية. فالمزار يستقبل عشرات الزوار يوميًا، ومئات منهم في المناسبات الدينية الهامة. يتزاحم الناس حول القبر الأجوف ويقذفون العملات المعدنية والورقية داخله، ومعها وريقات فيها أدعية مكتوبة على عجل. وبينما عُلّقت هذه الأنشطة مؤقتًا، تأمل مبادرة «الأثر لنا» في الحفاظ على دور الضريح في المجتمع هنا، كرمز للمنطقة يربط السكان بتاريخ متعدد الطبقات، يُعَدون هم أنفسهم استمرارًا له.

باب في جامع الإمام الشافعي

من خلال عمل «مجاورة» في الخليفة، تقول مي الإبراشي أنهم أدركوا أن العائق الأكبر أمام المشاريع الناجحة هو نقص الثقة. مشاريع التجديد نصف المنتهية وموجات الباحثين الذين يدرسون المنطقة ثم يرحلون راكمت شعورًا بعدم الثقة بين الأهالي. قالت مي: «تعلمنا أن أسوأ ما يمكننا فعله هو أن نختفي. للكلمات حياتها الخاصة. بمجرد أن تبدأي في الحديث مع الأهالي عن كيف يمكن لحياتهم أن تكون أفضل، تصبح لديك مسؤولية. فقد أيقظتِ خيالات وطموحات، ولا يمكنك الرحيل هكذا ببساطة.»

ونحن جالستان في مساحة «مجاورة» بالخليفة، ذلك المسجد نصف المنتهي، تخبرني ميّ أن فريق «مجاورة» قد حضر جلسات مع أحد الحكائين، في محاولة لمعرفة كيف يحكون، ليس فقط قصة الشارع، بل أيضا قصة وجودهم هم أنفسهم في الخليفة، وعملهم كجمعية. وبعد ثلاث جلسات من المناقشات والذكريات، تأجلت الخطة نتيجة لانشغال أعضاء «مجاورة» في مشروعات أخرى. تخبرني مي التي تبدو غير متعجلة أنه مشروع يحتفظون به وينتوون العودة إليه. لابد أن أتصالح مع فكرة أنه لا داعي للتعجل، فمثلما هو الحال مع أعمال الصيانة والترميم، تستغرق القصص الجيدة وقتًا طويلًا، ربما عقوًدا أو قرونًا، لتكشف عن أسرارها. تقول ميّ وهي تبتسم: «إنها قصة معقدة للغاية، لكن أغلب ما نفعله يتعلق بالقصص التي تُحكى. لأن ذلك جزء لا يتجزأ من ماهية التراث، وهذا هو ما يُبقي تلك الصلة حية.»

جميع الصور التقطها: روجيه أنيس

_____________

ترجمة: عبد الرحيم يوسف

اعلان
 
 
لارا الجبالي