Define your generation here. Generation What
فطوطة واغتيال السادات: حوار مع شريف العظمة عن التمهيد للڤيديو-آرت في مصر
 
 

دارت نقاشات مطولة بيني وبين الفنان شريف العظمة حول تطور ممارسات الڤيديو-آرت في مصر، منذ بداية ظهور المصطلح عام 1990، مع ورش عمل المؤسسة الثقافية السويسرية – بروهلفتيا، ذلك المصطلح الذي طالما واجه مطوروه العديد من الصعوبات التي أعاقت تطوره منذ بداية ظهوره داخل المشهد الفني محليًا؛ في أحد المرات تحدثنا عن صعوبات دراسة هذا النوع من الفنون في مصر لأسباب عدة، أهمها أن المراجع والكتب الخاصة بتأريخه وتحليله ونقده عادة تُكتب بغير العربية، في الوقت الذي تتجاهله مناهج كليات الفنون الحكومية، رغم محاولة خريجيها إظهار المصطلح للعلن وتطويره، هو الذي صنع حوله تاريخًا نهتم به الآن، ونهتم أيضًا بآليات تطويره وسط العديد من الإحباطات.

كانت البداية الفعلية لحديثنا في أبريل 2014، عندما شاركت بورشة «فيديو من الجحيم.. Videos from Hell» التي أقامها شريف العظمة في مساحة «جنكليز ستوديو» بالإسكندرية، حيث عرض الأخير بشكل سريع في محاضراته داخل الورشة لتاريخ حركات الفيديو في العالم، مرورًا بمجموعة من التصنيفات التي رأى أنها تصلح كمقدمة مكثفة لدراسة ذلك الفن، كما ناقشنا مواصفات جمهور قاعة العرض ومدى وعيه بالصورة المتحركة، وذاكرته التليفزيونية التي تجعله في بعض الأحيان أذكى من الفنان صانع الفيديو ذاته.

ربما أسس فيديو اغتيال السادات 1981، وفوازير فطوطة 1982، لشغف ساهم في ظهور فنانين ممارسين للفيديو-آرت

اعتبرت نقاشنا وقتها، عن طبيعة وخصوصية جمهور قاعة العرض وذاكرته ووعيه الجمعي، مدخلًا جيدًا مهَّد لحديثنا فيما بعد عن أمثلة تلفزيونية اعتقدنا أنها ربما أثّرت بشكل غير مباشر في تأسيس ذلك تاريخ تطور الڤيديو-آرت، حيث بدأنا بالبحث عن أصول بعض «الميول» التي تظهر في أعمال الفنانين من ممارسي الفيديو، إذ ربما نجد نقطة بداية.

اعتبرنا فيديو حادث اغتيال السادات 1981، وفوازير فطوطة 1982، حالتين صالحتين للدراسة، أي قد تكونا ساهمتا في اعتياد ذلك الجمهور علي خواص الصورة غير النمطية أو المعتادة، بل وأسستا أيضًا، ودون عمد، لشغف ساهم في ظهور معجبين جدد (فنانين ممارسين للفيديو-آرت) أفرزهم ما يدعى بـ«مجتمع المشهد التلفزيوني»، ذلك الشغف الذي لازَم ظهور الفيديو-آرت محليًا فيما بعد.

العلاقة بين التليفزيون والفيديو-آرت

قبل بث اغتيال السادات في حادثة المنصة على شاشة التليفزيون المصري 1981، كان السائد هو إدراك الجمهور للغة التلفزيونية محليًا، بوصفها «لغة منطقية مع سبق الإصرار والترصد»، لغة تقترب من لغة العامة، الملايين من النساء والرجال والأطفال، لتحمل المعلومة والخبر ببساطة واستسهال وتلفيق، وذلك من حيث تنميط اختيار زوايا الكاميرات، وثبات الكادرات في البرامج واللقاءات وخطابات الزعماء، لكي تصبح لغة متعارف عليها دوليًا، وتصنع «مجتمع المشهد التلفزيوني» بهدف إجبار المشاهدين والمشاهدات من قبل صُناع الفيديو على التركيز في المضمون والتفاعل معه عاطفيًا، وليس النظر في جماليات الصورة ذاتها، ومحاولة تفكيكها.

بُثّت اللغة التليفزيونية التقنية المعالجة داخل بيوت المشاهدين، وكان وقعها الرومانسي الممغنِط عليهم، بمثابة نَسْخٍ للشخصية المتحدثة على الشاشة داخل غرفهم الخاصة، كالبث التليفزيوني لخطابات الرئيس عبد الناصر مثلًا، الذي تماهى بالفعل معه أفراد الأسرة المصرية، وكأنهم يستضيفونه بالمنزل ليتحدث إليهم بالخصوص.

أي أن علاقة المشاهدين بمحتوى البث التليفزيوني وقتها كانت تبدو سريالية أو ميتافيزيقية، تقوم على الاعتقاد في التَجَلَّي، على غرار «ظهور» العذراء أمام الكنيسة القبطية بحي الزيتون بالقاهرة 1968، ما رأى فيه آلاف المتجمعين لمشاهدتها «وجودًا»  عابرًا للزمان والمكان، حتى أن أحد حضور هذا التجمع، حكى عنها قائلًا: «نظرت الأم المقدسة إلى زحام الجموع مبتسمة وكانت ترتدي فستانًا أزرق فوقه روب أحمر».

اغتيال السادات يبدأ مسيرة التفكك

ولكن نتيجة للفوضى المصاحبة لمشهد اغتيال السادات، فقد تخلخلت وتفككت تلك اللغة التلفزيونية الرسمية المسلَّم بها. فقد جرى الإعداد لتصوير العرض وفق ديكوباج (سيناريو التقطيع الفني/ سيناريو التصوير) مكتوبٍ ومجدوَلٍ ومعلومة بدايته ونهايته، بناء على العرض المتفق عليه، عسكريًا وتلفزيونيًا؛ كان هناك مصور يرصد المنصة، وآخر يرصد حركة المدفعية المارة على الطريق أمام المنصة والدراجات النارية من حولها، ومصور ثالث يرصد طائرات الفانتوم المحلقة في الجو.

وعندما فاجأ الجنود من مرتكبي الحادث المصورين بخروجهم عن العرض والسيناريو المتفق عليه، بإطلاقهم النار على المنصة حيث يجلس السادات، اختل ترتيب مراسم الاحتفال كما اختلت مراسم اللغة التليفزيونية، وتبعها، بمجرد خروج كل مصور عن ديكوباجه لتتبع الحادث بأجهزة الكاميرات، تفككت ميكانيكية تلك اللغة الرسمية، فلأول مرة يعايش جمهور التليفزيون وجهة نظر المصور من الناحية التفاعلية البدنية مع جهاز الكاميرا، مع القرار العاطفي للأخير بأن تلتحم الكاميرا بذراعه، لتتحول لعضو ممتد من جسده، فالكاميرا كانت مجرد وسيلة للتعبير عن انفعالاته الداخلية، وهنا محور حديثنا، ما جعل الصورة المبثوثة ترجمة مباشرة لخوف وعصبية شخص مجهول، هو المصور، أمام المشاهِد والمشاهِدة، ما أشار إليهما بدوره أن الصورة التلفزيونية ليست مجرد وحي رائع، أو ظاهرة بلا تفسير، وإنما هي ناتجة عن تلاعب بشري بحت.

يقرر المصور أن تلتحم الكاميرا بذراعه، لتتحول لعضو ممتد من جسده

تفاعل المشاهد المصري مع هذه اللغة الجديدة، وأصبح قادرًا على تحليل منهجية العمل بها لدى تصوير أي حدث لاحق، بمعنى أنه استطاع فك رموز تلك اللغة التليفزيونية علميًا، فأصبح الوحي بالنسبة له مجرد صورة وسيط منبعها مركز البث، مثل الصوت الآدمي الأخنف للأراجوز في المولد، فالمشاهد هنا مقتنع بأن هناك شخصًا يتحدث بدلًا من الدمية، وله الحق في اختيار إنكار الخدعة أو تصديقها.

وبشكل متناقض، فقد رأى الجمهور فيما بعد، على الأقل في عقله الباطن، أن البث التليفزيوني امتدادٌ لبدن إنساني، كما أن بإمكانه التعبير عن الوعي الداخلي للشخص حامل الكاميرا.

الفيديو كمرآة نرجسية للمشاهد

«فطوطة» قزم يرتدي بذلة خضراء وحذاء أصفر كبيرًا، وجسّد شخصيته الممثل الكوميدي سمير غانم من خلال فوازير رمضان، التي حملت نفس الاسم وعرضت في شهر رمضان عام 1982.

عند عرض هذا البرنامج على شاشة التلفزيون أثار فضول المشاهدين حول حقيقة القزم، كما كثرت الأسئلة عما إذا كانت شخصية حقيقية أم أن سمير سمير غانم كان هو من جسّدها، وإذا كان سمير غانم هو فطوطة فكيف جرى تنفيذ الشخصية؟ وظلت هذه الأسئلة بداخل الكثير من أبناء الجيل المعاصر لفطوطة.

في «فوازير فطوطة» تجاوز الأمر المنطق، بل وتنافى معه، حيث تحول القرين من أسطورة ذهنية تحتمل التأويل إلى رمز مرئي قابل للقياس

مسبقًا، كانت التقنية المعروفة حالياً بالـ«كروما» قد استُخدمت بطرق أكثر بدائية في صناعة السينما خلال النصف الأول من القرن المنصرم، ولكن بهدف إيجاد حلول أكثر منطقية لمشكلة ظهور الشبيه أو الأخ التوأم، مثلما حدث مع الممثل نجيب الريحاني في فيلم «سي عمر» والممثل إسماعيل يس في فيلم «إسماعيل يس في الطيران»…إلخ.

لكن في «فوازير فطوطة» تجاوز الأمر المنطق، بل وتنافى معه، حيث تحول القرين من أسطورة ذهنية تحتمل التأويل إلى رمز مرئي قابل للقياس، وأصبح الإبهار في صناعة الصورة التلفزيونية أكثر ارتباطًا بجودة الأفكار وإمكانيات دمج أزمنة وبيئات وعناصر مختلفة في نفس المشهد التلفزيوني. أي أنه بعد إدراك المشاهدين والمشاهدات لأن اللغة التليفزيونية وسيطٌ معالِجٌ لتسجيل وجود زماني ومكاني بقواعدهما الطبيعية والفيزيائية، حيث الزمن يخضع لتسلسل خطي، والمكان يخضع لقوانين الجاذبية، والمنظور يتوافر بكافة معطياته، أتى البرنامج التلفزيوني كاسرًا للقواعد التقليدية، ومتيحًا فصل أي جسم عن بيئته المنطقية ووضعه في بيئة أخرى مختلفة الزمان والمكان، حيث بدت عند المشاهد بوادر اقتناع بحقيقة وجود شخصية بالفعل تدعى «فطوطة»، ونبع ذلك من انتحال فطوطة الأنا البديلة لشخصية حقيقية بالفعل، هي «سمورة»، فقد ذكر سمير غانم في حوار تلفزيوني أنه عانى من استحواذ شخصية فطوطة على إعجاب واعتراف من المشاهدين أكثر مما حازهما سمورة نفسه.

أما عن تمسكه وارتباطه الشديد بمرحلة الطفولة العفوية، كما عرّفهما سيجموند فرويد، في كتابه «الأنا والهو»، بـ«الارتداد» أو «الانتكاسة» Regression، فإن فطوطة، الشخصية البالغة العالقة بالطفولة، هي من يمكنها اتخاذ القرارات، الواقعية أو غير الواقعية، ويتبعها سمورة الذي هو شخص بالغ. أي أن فطوطة هنا، وبشكل لا إرادي، هو تجسيد لشخصيتين منفصلتين في كيان واحد، وينعكس ذلك على  الجمهور عن طريق  تكوين «أنا بديلة وطفولية» في العقل الباطن، كأنها انعكاس للمشاهد أو المشاهدة في المرآة، أنا مصرَّح لها بكسر قواعد الرسميات الاجتماعية، وتحويل الواقع إلى مسرح، فيصبح فطوطة وسيطًا يستهلكه المشاهد الفعلي للتليفزيون لتحقيق دوافعه الحيوانية التي تحتوي على مواد نفسية مكبوتة في عقله الباطن، ما ساهم في صُنع متنفس نفسي للجمهور، فقد أصبح التلفزيون آلة تأخذ المشاهد للخيال.

مما سبق يتبين لنا، أولًا، أن فيديو اغتيال السادات يُعد بداية تعرف الجمهور المصري على تقنيات اللغة التلفزيونية، وإدراكه أن تلك اللغة مصنوعة بتقنيات بشرية وليست ميتافيزيقية، كما كان ربما يخيل من قبل، كما أتاح تعايُش الجمهور مع البث التلفزيوني فرصة لأن يدركوا فيما بعد مجال تعبير الكاميرا عن وجهة نظر شخصية وجودية نابعة من قوة داخلية وذهنية، لا تعتمد كليًا على لغة التليفزيون القائمة على أساليب الرصد والتوثيق المتعارف عليها رسميًا، كآليات البروباجاندا في صناعة وتقديم خطابات الرؤساء على شاشة التليفزيون مثلًا.

كما يتبين ثانيًا أن هذه اللغة التلفزيونية قد تتفكك وتُستغل ميكانيكية سردها (عمليًا ونظريًا)، لبناء مناطق جديدة يتعامل المشاهدين معها من خلال تفاعلها مع دوافعهم الخفية. فقد كانت برامج الفوازير والفانتازيا قناةً لذلك، حيث كانت تُستخدم بغرض الترفيه عن المشاهدين والمشاهدات، لكنها في الواقع كسرت لغة الرسميات الاجتماعية المأخوذة عن شاشة التلفزيون، من خلال صدفة تفنيد العملية التفكيكية لتلك اللغة المتعارف عليها مسبقًا والتدخل الدلالي المتعمد داخل اللغة الرسمية التليفزيونية.

_________________

كُتب هذا النص، بعنوان «فيديو من الجحيم»، من خلال مشروع «محاولون.. MHWLN»،  كمقطع من بحث عن تاريخ الفيديو- آرت في مصر.

اعلان