تحديد النسل.. فتوى للرئيس وأخرى للشعب
 
 

في لقائه بالشباب بمحافظة أسوان نهاية يناير الماضي، سأل الرئيس عبد الفتاح منتقديه لعدم وفائه بوعد سابق بتحسن الأوضاع الاقتصادية خلال ستة أشهر: «يا ترى برضه كل اللي بطلبه منكم انتو بتعملوه يا مصريين؟ يعني لما آجي أقولكم من سنتين برقة وذوق عشان ما أزعلكمش.. أقولكم إن النمو السكاني بتاعنا أحد أهم العقابات الحقيقة في تقدمنا.. كل واحد بيقولك مش أنا.. هنحل المسألة بس مش أنا».

يشير الرئيس إلى كلمته في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة عام 2015 التي طالب خلالها المصريين بتحديد النسل بحد أقصى 3 أبناء للأسرة، مستفتيًا شيخ الأزهر، أحمد الطيب، الجالس أمامه بجوار البابا تواضروس، بطريرك الكرازة المرقسية: «أنا أقدر أطلب من اللي عنده طفل يستني 3 أو 4 سنين على ما يخلف التاني.. واللى عنده طفلين يستنى 6 أو 7 سنين كمان على بال ما يجيب 3 أطفال.. واللي عنده 3 أطفال ما يجيبش أطفال تاني.. عشان تبقى الأمة واقفة على رجليها ومتعلمة وقادرة.. حلال ولا حرام يا فضيلة الإمام». جاءت فتوى الطيب سريعة وواضحة: «حلال.. وحلال».

الرأي الفقهي للمؤسسة الدينية الإسلامية حول مفهوم «التحديد»، كما يفصح عنه العديد من الفتاوى الصادرة عن دار الإفتاء، واضح تمامًا في مخالفته لفتوى: «حلال.. وحلال».

رغم أن تواضروس الثاني لم يُفتِ خلال اللقاء نفسه برأي المسيحية في تحديد النسل، إلا أنه عبر عن موقفه في تصريحات تليفزيونية سابقة عقب استقباله وفد من الإعلاميين الأفارقة والعرب في عام 2016، قائلاً: «الوفد سألني عدد المصريين كام، قلت لهم 90 مليون، منهم 15 مليون قبطي داخل مصر، ومليون خارجها، واستغربوا وسألوني ليه العدد قليل كده، قلت لهم لأن الأسرة القبطية بتنظم النسل كويس، وغالبًا الأسرة القبطية بيكون فيها اتنين أو تلاتة بالكتير أوي».

بدعوته لتحديد النسل بـ 3 أطفال يواصل السيسي عزف نغمة الزيادة السكانية باعتبارها المتهم الأساسي في الأزمة الاقتصادية؛ تلك النغمة التي دأبت السلطة السياسية منذ عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك على ترديدها وتنظيم حملات إعلامية وبرامج صحية مكثفة سعيًا لنشرها على أوسع نطاق. كما يسير الرئيس في دعوته على درب سلفه بالاستعانة بالسلطة الدينية -الأزهر والكنيسة- التي طالما كان رأيها الشرعي ضد فكرة «التحديد» بينما تجيز عملية «تنظيم» النسل.

تنظيم/تحديد النسل دينيًا

لغويًا تأتي لفظة «تحديد» من «الحد»، ومعناها «حاجز بين شيئين أو أنهاه أو منعه»، أما معنى لفظة «تنظيم» هي «ترتيب الشيء وتدبيره ليأخذ طريقة معينة».

عبر مسؤولون بالمؤسسة الدينية الإسلامية عن تأييدهم لـ «تنظيم» النسل، كما قال وزير الأوقاف مختار جمعة، في ديسمبر الماضي، خلال اللقاء المشترك بين قيادات الوزارة والجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء للتوعية بمخاطر الانفجار السكاني، حيث أكد على ضرورة العمل على «تنظيم» العملية الإنجابية بما يحقق للطفل وللأسرة وللمجتمع الحياة الكريمة التي نتطلع إليها جميعًا، دون أن يتطرق إلى مفهوم «تحديد» النسل.

الرأي الفقهي للمؤسسة الدينية الإسلامية حول مفهوم «التحديد»، كما يفصح عنه العديد من الفتاوى الصادرة عن دار الإفتاء، واضح تمامًا في مخالفته لفتوى: «حلال.. وحلال».

عقب تقارير إعلامية ادعت اقتراح وزيرة التضامن الاجتماعي، غادة والي، فرض عقوبات على كثرة الإنجاب، وهو ما نفته الوزيرة لاحقًا، أصدرت دار الإفتاء فتوى قالت فيها إن «الإسلام لم يفرض على كل مسلم أن ينجب عددًا معينًا من الأبناء، لكن حث عموم المسلمين على النكاح والتكاثر، لمن كان منهم مستطيعًا». وفي فتوى سابقة أكدت عدم جواز تحديد النسل «خوفًا من عدم الرزق… لأن الرزاق هو الله تعالى، ومن الذي يضمن إذا كان أولاده قليلين أن لا يموت ويتركهم أيتامًا». نفس المعنى أكدته فتوى أخرى ردًا على تساؤل حول إحدى وسائل تنظيم الحمل: «إن كان المقصود تحديد النسل خوفًا من الفقر فلا يجوز؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم) الإسراء/31، فالرازق هو الله».

تقول الدكتورة آمنة نصير، عضو مجلس النواب وأستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، لـ«مدى مصر»: «يجب التفريق بين لفظتي تنظيم النسل، وتحديد النسل، لأن التنظيم هو جزء أصيل من تفكير المسلم بمعنى أنه ينظم فترات الحمل، وعليه إعمال العقل في هذا التنظيم، ولكن لا نؤيد التحديد، وهو أن يتخذ الإنسان قرارًا مسبقًا بأنه لن يُنجب سوى عدد معين من الأطفال، ويتصرف على هذا الأساس منذ البداية بمنع الحمل».

أسقف سمالوط: «كل وسائل منع الحمل تُسبب إجهاض بنسب مختلفة»

من جانبها، تقول الدكتورة  أميمة أبو بكر، إحدى رائدات تيار النسوية الإسلامية في مصر وإحدى مؤسسات مركز «المرأة والذاكرة» المعني بدعم وتمكين النساء: «كسيدة يفترض أني من مرجعية إسلامية ليس لدي مشكلة دينية مع تحديد النسل، وأرى أن التحديد لا يتعارض مع الدين، وشخصياً اتبعت التحديد في حياتي».

وعن تعمد المؤسسات الدينية التفريق بين لفظتي تنظيم وتحديد، تقول أميمة: «التفرقة بين اللفظتين مصطنعة، لأن ما أفهمه من تنظيم هو ترك 3 سنوات بين كل طفل، وبالتالي فالسيدة التي تزوجت في سن 20 سنة تستطيع الإنجاب حتى سن الـ45، وبالتنظيم الذي يتحدثون عنه ستصل في النهاية إلى 6 أطفال، يعني إذا تحدثنا عن التنظيم لأول طفلين لازم هنوصل في النهاية إننا نتكلم عن التحديد، وإلا هتستمر عملية الإنجاب لحين انقطاع القدرة على الإنجاب».

لا يختلف موقف الكنيسة الأرثوذكسية كثيرًا عن الموقف الإسلامي الرسمي بخصوص تنظيم/تحديد النسل.

في المؤتمر المنعقد بمقر «المجلس القومي للسكان» في منتصف التسعينيات لتشجيع سياسات مبارك في تحديد النسل، قال البابا الراحل شنودة الثالث: «موقف المسيحية من تنظيم النسل ليس معاديًا، وإنما مؤيدة فنحن ننادي بتنظيم الأسرة في بلادنا في الوقت الحالي الذي زاد فيه عدد السكان بطريقة تمثل خطورة، وكل مشروع يوجد فيه خير دون وجود كسر لمشورة الله فهو مشروع يوافق عليه الدين».

أعربت الكثيرات لـ«مدى مصر» عن خوفهن من وسائل منع الحمل الطبية، ليس لسبب ديني فقط، وإنما لتسببها في أمراض مثل السرطان، كما يخبرهن البعض.

وتابع البابا الرحل: «الدين يترك موضوع تنظيم الأسرة للحرية الشخصية، يعني لا يجبر الناس على ولادة البنين ولا يمنعهم إذا كان هذا في صالحهم ومقدورهم ومسؤوليتهم، وكما يقول صديقي  الدكتور [محمد] محجوب [وزير الأوقاف وقتها] إنه لا يوجد نص في القرآن يمنع تنظيم الأسرة، كذلك لا يوجد نص في الإنجيل يمنع تنظيم الأسرة، نحن متفقون في هذه النقطة، وسعيد إننا نكون رأي واحد أمام المجتمع وأمام الوطن، فما ننادي به من جهة المسيحية هو ما ينادي من جهة الإسلام، ومن جهة العلم وجهة الفكر وجهة السياسة ومصلحة البلد».

لكن للأنبا فنتيوس، أسقف سمالوط، رأي مختلف أورده في كتابه الصادر حديثًا تحت عنوان «المرأة في المسيحية»، حيث يرى أن وسائل منع الحمل جميعها تسبب الإجهاض الذي تحاربه الكنيسة، ويُفضل اتباع الوسائل الطبيعية، إلا أنه يعود ويقول: «مما سبق تبين أن كل وسائل منع الحمل تُسبب إجهاض بنسب مختلفة. ولكن نظرًا للاحتياج الضروري لاستخدام هذه الوسائل اجتماعيًا واقتصاديًا، وتجنبًا لإثارة بلبلة وشكوك وشعور بالذنب لدى من يستخدمون هذه الوسائل من الشعب المسيحي الحريص على أبديته، خاصة في عدم وجود بديل كفء لهذه الوسائل المتاحة حتى الآن، على الكنيسة أن تسمح باستخدام هذه الوسائل مؤقتًا بمبدأ الرحمة فوق العدل لحين وجود بديل كفء لها لا يسبب إجهاضًا».

وأعربت الكثيرات لـ«مدى مصر» عن خوفهن من وسائل منع الحمل الطبية، ليس لسبب ديني فقط، وإنما لتسببها في أمراض مثل السرطان، كما يخبرهن البعض. ويقول الدكتور محمد نبيه الغريب، أستاذ أمراض النساء بكلية الطب جامعة طنطا، لـ«مدى مصر» إن «حبوب منع الحمل بالطبع تسبب أمراض على المدى الطويل وبعد سن معين أيضًا».

وأرجعت منظمة الصحة العالمية عزوف شريحة كبيرة من سكان البلدان النامية، تصل إلى 222 مليون من الأزواج، عن استخدام وسائل منع الحمل رغم رغبتهم في تحديد النسل، إلى عدة أسباب منها معارضة استخدام موانع الحمل لأسباب ثقافية أو دينية، أو الخوف من الآثار الجانبية، التي أوضحتها المنظمة في جدول تفصيلي، لم يكن من بينها التسبب في السرطان أو الإجهاض، مشيرة إلى أن الوسائل الطبيعية هي الأقل أمانًا.

سطوة الفتوى

تروي كريستين مجدي لـ«مدى مصر» تجربتها مع فكرة تنظيم النسل، قائلة: «زرت دكتور نساء [مسلم] أول مرة في حياتي بعد الجواز ومع أمي عشان هي كانت عايزة تطمن امتي هخلف. قلت للدكتور إني محتاجة أستخدم وسائل منع حمل السنة الأولى، فقال لي حرام أعمل كده وده ضد إرادة ربنا، وطبعًا ماما انبسطت من كلامه، ونصحني أخلف عيال من الأول، ورفض يديني أدوية، وأنا خفت أجرب من نفسي أي دوا».

نصيحة طبيب كريستين تلقتها أخريات أكدن لـ«مدى مصر» أنهن اضطررن لتغيير أطبائهن أكثر من مرة بسبب نصائح مشابهة تتحدث عن تجريم الدين لمنع الإنجاب، وخاصة في السنوات الأولى للزواج، وإصرار الأطباء على إلقاء «محاضرات أخلاقية» عليهن، مما ألقى بأعباء نفسية وضغوط على بعضهن، بالإضافة إلى الضغوط الأسرية التي دفعتهن للإنجاب.

«الدور الأكبر يقع على عاتق المؤسسات الدينية كالجامع والكنيسة، لأنهما الأكثر وصولاً للناس خاصة في المناطق البعيدة التي لا يعنى أهلها بالإعلام»

«رغم ظروف جوزي المادية الصعبة خاصة بعد الثورة، إلا أنه متدين جدًا وأصر أننا ما نستخدمش وسائل منع حمل لأن شيخ الجامع قاله حرام، ونسيب الرزق على ربنا وإلا هيتجوز عليا، وبعد ما خلفنا عيال كتير، والبيت اتزحم والعيشة بقت صعبة، طلقني وراح اتجوز واحدة أصغر مني ومش بيسأل على العيال ولا بيصرف عليهم»، تقول منى (اسم مستعار) لـ«مدى مصر».

وعن توجيه نصائح دينية للمريضات يقول أستاذ أمراض النساء بكلية الطب جامعة طنطا: «بالطبع أتعرض لسؤال بعض النساء عن مدى سماح الدين أو تحريمه لوسائل منع الحمل، وجوابي لهم هو أن ما تم تحريمه في الدين هو عمليات ربط المبايض والتعقيم إلا لو لغرض طبي ضروري».

تجربة كوثر الخولي، مديرة مركز نون لقضايا المرأة والتنمية، في العمل النساء الفقيرات في قرى ونجوع مصر تكشف أن «مشكلة الفئات المهمشة والفقيرة وغير المتعلمة أن الموضوع الديني عندهم أساسي، يعني أي معلومة علمية أو اجتماعية إذا لم يسمعوا رأي الدين فيها، يكون صعب أو مستحيل تغييرها، وإذا تحدث مسؤول حكومي أو خبير علمي أو طبي معهم، لا يسمعون إلا في حضور رجل دين، ويجب أن يفتي رجل الدين في الموضوع»، تقول كوثر لـ«مدى مصر».

وتضيف: «أجرينا تدريبات للشيوخ والقساوسة في الدلتا وصعيد مصر بخصوص موضوعات مثل الختان أو تعليم الإناث أو حتى خروج المرأة للعمل، لأن رجال الدين يلعبون دورًا مهمًا في التغيير، ومعظم المؤسسات ذات الخلفية العلمانية منها، اكتشفت مع الوقت أنه بدون مشاركة رجال الدين في أنشطتهم في هذه المناطق سيكون مجهودًا ضائعًا، وبالتالي اتجهوا أولا لتنمية رجال الدين لإشراكهم فيما بعد في التنمية».

تتفق الدكتورة أميمة مع رؤية كوثر، قائلة: «رغم رفضنا لهذا المنهج، لكننا كمنظمات توعوية للأسف مضطرين لذلك، وحتى يتغير المجتمع، بعد 20 سنة أو أكتر، أي نشاط خاص بالتنمية سنستخدم فيه الأدلة الدينية لدعمه» إلى جانب الضغط من خلال منظمات المجتمع المدني والبرلمان والمؤسسات والقوانين الوضعية.

لكن عضوة البرلمان، آمنة نصير، ترى ضرورة عدم تحميل البرلمان بما يفوق سلطاته، على حد قولها، موضحة أن تشجيع تنظيم النسل دور المؤسسات الدينية، وتقول: «الدور الأكبر يقع على عاتق المؤسسات الدينية كالجامع والكنيسة، لأنهما الأكثر وصولاً للناس خاصة في المناطق البعيدة التي لا يعنى أهلها بالإعلام، فتكون الخطبة أو العظة هي وسيلتهم للمعرفة».

يُشبه الدكتور عمرو حسن، أستاذ واستشاري النساء والولادة في القصر العيني، تحريم أو إباحة المؤسسات الدينية لتنظيم النسل بالموقف من قضية الختان، «حتى لو الأزهر ظاهريًا يحرم الختان، إلا أن المشكلة في ما يحدث في الجوامع والزوايا التي لا تخضع لإشراف ويصعد على منابرها من يحلل ويحرم وفق أهوائه، يقول حسن، مضيفًا: «بالتالي أي موقف للمؤسسات الدينية حتى لو كويس جدًا بيكون موجه للإعلام فقط».

ويرى حسن أن الثقافة الجنسية في المناهج التعليمية هي الحل على المدى الطويل، وأي حديث عن حلول لمواجهة الزيادة السكانية في مصر دون التطرق لتطوير التعليم وتزويده بمناهج تتحدث عن جسد الإنسان وكل ما له صلة به من رعاية طبية ونفسية، فلا جدوى من أي قوانين حتى لو تم فرضها بالقوة على المواطنين، «الإنسان لا بد أن يقتنع أن ما يفعله من إنجاب أقل يضمن له حياة أفضل صحيًا ونفسيًا واجتماعيًا، فأسرة صغيرة تساوي حياة أفضل»، يقول حسن.

الدين والسياسة

رغم أن شيخ الأزهر قدم فتواه للرئيس حول قضية تحديد النسل في تناقض مع فتاوى رسمية أخرى في مناسبة عامة وأمام كاميرات التليفزيون، إلا أنه رفض تقديمها له في قضية أخرى، هي قضية الطلاق الشفهي، ما رآه البعض نفاد صبر من مؤسسة الأزهر إزاء إصرار الرئاسة على انتزاع فتاوى على الهواء دون تنسيق سابق.

كان فبراير الماضي قد شهد توترًا بين مؤسسة الرئاسة والأزهر على خلفية الجدل الذي أثاره السيسي حول قضية الطلاق الشفهي أثناء كلمته بمناسبة عيد الشرطة في 25 يناير الماضي بحضور شيخ الأزهر، حين قال: «يعني ما نطلعش قانون يقول لا يتم الطلاق إلا أمام المأذون عشان يدي فرصة للناس إنها تراجع نفسها؟ وما يبقاش بكلمة يقولها [الزوج] كده؟ ولا إيه يا فضيلة الإمام؟ تعبتني يا فضيلة الإمام».

«شيخ الأزهر أو أي رجل دين يجتهد في التفسير، وما يحاول السيسي عمله هو أنه يطلب منهم تغيير رأيهم»

اكتفى الطيب هذه المرة بضحكة، ولم يفُتِ. جاءت الفتوى بعد أيام من هيئة كبار العلماء بالأزهر، التي أصدرت بيانًا فند طلب الرئيس، وطالب الدولة بتحمل مسؤوليتها للقضاء على ظاهرة انتشار الطلاق.

وبعد أيام من صدور بيان هيئة كبار العلماء، قال محمد أبو حامد، النائب البرلماني وعضو ائتلاف «دعم مصر» الموالي للدولة، إنه بصدد إعداد مشروع قانون يضع حق تعيين هيئة العلماء في يد رئيس الجمهورية بدلًا من شيخ الأزهر، ويحدد ولاية الأخير بثماني سنوات فقط.

يقول عمرو عزت، مسؤول ملف حرية الدين والمعتقد بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية: «المشكلة ليست في موقف الأزهر أو الإفتاء أو أي مؤسسة دينية في هذا الموضوع، لكن في محاولة الدولة تحويل رأي هذه المؤسسات لمرجع قانوني تشريعي، لأن النظام السياسي متمسك بمرجعية الأزهر، ثم يعود بعد ذلك للشكوى منه».

ويشرح لـ«مدى مصر»: «شيخ الأزهر أو أي رجل دين يجتهد في التفسير، وما يحاول السيسي عمله هو أنه يطلب منهم تغيير رأيهم، وفي هذا الأسلوب إهانة للرئاسة وللأزهر والمؤسسات الدينية في الوقت نفسه، والمشهد كله فيه ابتذال».

«هذا لا ينفي أن رجال الدين والمؤسسات الدينية يقبلون تغيير مواقفهم لصالح الأنظمة، لكن السيسي للأسف يتبع أسلوب عنجهي ربما أثار غضبهم، يفتح الكلام في هذه القضايا خلال حواراته العلنية، لكن لو هناك اتفاق مسبق، أعتقد أنه لن يكون هناك خلاف بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسات الدينية، مثلما كان الوضع أيام مبارك»، يقول عزت.

ويضيف عزت: «للأسف المادة الثانية من الدستور وقانون الأزهر فتحا الباب لتدخل المؤسسات الدينية في التشريع، رغم أن هناك سلطات منتخبة من الشعب دورها سن القوانين والبت فيها، لأن الدولة لكل المواطنين، وبالتالي ليس مقبولًا أن الدولة تقول إن الأزهر مرجعية لعموم المسلمين لكي تضع القوانين على هذا الأساس وتعمم ذلك على كل المواطنين، الذين بينهم مسيحيون وغير دينيين، حتى المسلمين أنفسهم منهم شيعة وسنة ومنهم من يريد دولة مدنية ليس لها علاقة بالدين».

تنص المادة الثانية من الدستور علي أن «الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع».

«النخبة السياسية الحاكمة الآن محافظة، وبالتالي تتأثر بالمؤسسة الدينية، أو بالأدق لها مرجع ديني تتبعه حتى لو من مشاهير مشايخ الفضائيات»

ويرى عزت أن «الدولة إذا أرادت اتخاذ قرارات جادة ستفعل، لكن في مجمل دوافع السيسي ليس لديه ميل ديمقراطي، ومجال استخدام الدين في السلطة يعطيه مساحة أكبر للتحكم في شؤون أكبر شريحة في المجتمع، وبالتالي وجود المواد التي تزيد دور السلطة الدينية مثالي بالنسبة له، لكن تصرفه على هذا الأساس وبعنجهية تجاه رجال الدين ربما أثار غضبهم، لأن في الأساس كل الذين وصلوا لمناصبهم القيادية في المؤسسات الدينية يفترض أنهم مرضي عنهم وليس لهم أي ميول معارضة».

على الجانب الآخر، تبدو علاقة الكنيسة بالسلطة السياسية مختلفة كما يقول اسحق إبراهيم، مسؤول ملف حرية الدين والمعتقد في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية: «تختلف طبيعة الملفات التي تضغط فيها الدولة على المؤسسات الدينية مثل الأزهر والكنيسة، على سبيل المثال الرئيس يستطيع التحدث الضغط على الأزهر في ملفات الأحوال الشخصية زي الطلاق أو تحديد النسل، لكن الرئيس يشعر أن الضغط على الكنيسة في هذه الملفات لا تمثل له أهمية، لأن معدل الإنجاب عند المسيحيين أقل لأسباب مختلفة، وبالتالي ليس مهمًا الضغط على الكنيسة للحديث في هذا الملف، لكنه يضغط بشدة على الكنيسة في ملفات سياسية، مثل حقوق الأقباط أو الحشد لتأييد زيارات الرئيس في الخارج».

يرى إبراهيم أن  النخبة السياسية الحاكمة الآن «محافظة»، وبالتالي تتأثر بالمؤسسة الدينية، «أو بالأدق لها مرجع ديني تتبعه حتى لو من مشاهير مشايخ الفضائيات، وحتى شخصية الرئيس محافظة، وبالتالي السيسي نفسه مؤمن بالتنظيم وليس التحديد، وإلا كان وجه حديثه مطالبًا بسن قانون مثل الطلاق الشفهي وليس مجرد رأي يرجحه في حديث عابر».

ويضيف: «لو افترضنا أن الرئيس لديه القوة للضغط على الأزهر لفرض قانون ينص بتحديد النسل، الناس نفسها سترفضه ولن تلتزم، لأن الناس ستفكر في رأي الدين أولًا، كما أن الثقافة المصرية متجذر فيها فكرة العزوة، على الأقل في المناطق الريفية والمهمشة».

تتفق الدكتورة أميمة أبو بكر مع رأي إبراهيم الأخير: «لا يجب تجاهل واقع مجتمعنا؛ فالدين أساسي في قرارات غالبيته، وبالتالي العلاقة بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة الدينية علاقة تبادلية، والاتنين يستفيدوا من بعض»، مشيرة إلى أن «أي حديث عن قوانين تخص ظواهر اجتماعية لن يتقبلها الرأي العام إلا بالدخول من سكة دينية، كما فعل مبارك مثلًا في قانون الخلع ودعوات تحديد النسل؛ فتح حوار مجتمعي شاركت فيه منظمات مجتمع مدني وطبعًا المؤسسة الدينية».

اعلان
 
 
كارولين كامل