Define your generation here. Generation What
في رثاء ديريك والكوت: عدو الاستعارة.. لص الاستعارة
درويش يحاوره، وهوميروس يأخذ بيده إلى الكاريبي
 
 
 

تحتوي مجموعة «أثر الفراشة»، وهي آخر ما نشره محمود درويش في حياته، على قصيدة لم تثر اهتمامًا خاصًا لدى القراء، لكنها لافتة لكونها الوحيدة التي يصرح فيها درويش بإعجابه بالشاعر الكاريبي ديريك والكوت. تسرد القصيدة، التي تحمل اسم «في قرطبة»، لقاء جمع بين الشاعرين في المدينة الإسبانية أثناء مهرجان شعري دعي إليه عدد كبير من شعراء العالم. في وسط القصيدة، يشير درويش إلى والكوت باعتباره «أحد شعرائي المفضلين»، ثم يضيف:

بقينا معا ثلاثة أيام لم نتوقف

فيها عن الضحك والسخرية من الشعر والشعراء

الذين وصفهم بأنهم لصوص استعارات…

سألني: كم استعارة سرقتَ؟ فأخفقت في الجواب

قرأت هذه القصيدة حين صدر الكتاب عام 2008. أعجبت بتشبيه الشعراء بـ«اللصوص»، لكنني دهشت أكثر من هذا الشاعر الكاريبي الذي لم أكن قد سمعت به ولا قرأت له من قبل. كنت في نيويورك وقتها. بحثت عنه؛ شاعر حاصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1992، يكتب بالانجليزية، يُعد أسطورة في موطنه «سانت لوسيا»، وهي جزيرة تقع على الجزء الشرقي من البحر الكاريبي. مع هذا لم أقرأ لوالكوت مباشرة. كان ثمة حاجز هائل بيني وبين الشعر الانجليزي عامة، حاجز احتجت إلى قامة بحجم والكوت كي أجتازه.

رحل ديريك والكوت عن عالمنا قبل نحو أسبوعين، تاركًا وراءه كل شيء ولا شيء: مجرد لغة

مرّ عامان. في 2010 أخذت صفًا في جامعة كولومبيا، حيث كنت أحضّر للدكتوراه، حول الشعر اليوناني وأثره في الشعراء المعاصرين. نظرت في قائمة الكتب المقررة، وكان اسم «والكوت» قابعًا فيها. ابتسمت، وكأنه يغمز لي. «ها هو إذن»، قلت لنفسي.

بدأ الصف، وبدأ والكوت، وبدأ تاريخ شعري جديد في حياتي. بعد أكثر من  15 عامًا قضيتها في قراءة حصرية للشعر بالعربية، مع رفض شبه كامل لفتح القلب أمام أي شعر مكتوب بلغة أخرى، إلا إذا كان مترجمًا للعربية، جاء ديريك والكوت ليفتح النار أمام عيوني.

في كتابه الأعظم «أوميروس»، يعيد والكوت إنتاج ملحمتي «الإلياذة» و«الأوديسة» للشاعر الإغريقي هوميروس، لكنه ينقلهما هذه المرة إلى سياق وطنه «سانت لوسيا»، في سرد شعري متلاطم عن هذه الجزيرة وأحزانها والعبودية والاستعمار الذي رأته على يد الإنجليز والفرنسيين. ليس ثمة بطل في الكتاب/ القصيدة، الذي يقع في 325 صفحة، ولا سرد خطي متتابع، ولا فضاء مكاني محصور. البطل هو الشعر فقط، والموهبة الفذة التي يمتلكها والكوت تسمح له بمزج عجيب بين الأزمنة والأماكن والشخوص، فيصبح أبطال الأساطير اليونانية صيادين ومزارعين في سانت لوسيا، وتصبح هيلين الإغريقية خادمة في أحد المنازل في القرن العشرين.

التقط والكوت فكرة أساسية في موطنه «سانت لوسيا»، وهي أن موقعه الجغرافي الهام في البحر الكاريبي جعله محط تنافس بشع بين الاستعمارين البريطاني والفرنسي اللذين تناوبا على السيطرة على الجزيرة وأهلها لقرون ثلاثة، مطلقين عليها، لشدة أهميتها، لقب «هيلين الجزر الهندية».

جمال الوطن إذن، وسحره، كانا سببين أساسيين في استعماره، تمامًا كما كان جمال «هيلين» الإغريقية سببًا في نشوء حرب طروادة التي سردها هوميروس في ملاحمه. وحتى بعد استقلال جزيرة سانت لوسيا بعيد منتصف القرن العشرين، فقد ظلت مطمعًا للشركات والمصالح الأمريكية. في مقطع في «أوميروس» يبدي والكوت ضجره من ازدحام شواطئ الجزيرة بالأمريكان الذين كانوا «وباء/ أسوأ من الحشرات/ التي كانت تنتمي للمكان على الأقل».

هذه المقابلة بين «هيلين» اليونانية و«هيلين/سانت لوسيا» هي أحد مفاتيح هذه الملحمة الشعرية المعقدة. يبدو والكوت في الملحمة متشائمًا، ساخرًا من انحدار الإنسان وانحطاط تعامله مع أخيه الإنسان في مرحلة الاستعمار وما بعدها. في مقطع مدهش في القصيدة، ينصب مشهدًا فانتازيًا يعود فيه هوميروس الإغريقي إلى القرن العشرين. يراه والكوت. يتحادثان عن هيلين والحب والحرب. ثم يسأله هوميروس إن كان البشر لا يزالون يتقاتلون ويشعلون الحروب، فيجيب والكوت بالإيجاب، لكنه يعقب: «لا نتحارب على الجمال، ولا بسبب امرأة».

والكوت يبدو في ملحمته ضجرًا، ليس فقط من الحروب الحديثة وبؤسها، ولكن من الشعر أصلًا وقيمته وأهميته

المفارقة أن حرب طروادة التي قدمت للعالم ملحمتي «الالياذة» و«الاوديسة» كانت بسبب امرأة كما تقول الأسطورة. كانت حربًا بلا شك، لكنها، على الأقل، حرب في سبيل الجمال، حرب من أجل الحب، خلافًا للحروب الاستعمارية الحديثة البشعة.

فضلا عن هذا فإن والكوت يبدو في ملحمته ضجرًا، ليس فقط من الحروب الحديثة وبؤسها، ولكن من الشعر أصلًا وقيمته وأهميته. يتساءل كثيرًا في نصه حول السر الذي يجعل الإنسان لا يفهم الأشياء إلا عبر الاستعارات والتشبيهات، التي قد تشكل حاجبًا حقيقيًا يحول بينه وبين حقيقة الشيء أمامه. لم لا تُفهم الأشياء كما هي، دون إضافات لغوية؟ هنا تحضر هيلين مجددًا، التي قد تكون المرأة اليونانية أو وطن الشاعر نفسه، ليتساءل عنها والكوت:

لم لا نرى «هيلين» كما تراها الشمس

من غير أية ظلال هومرية

متى سنسكن الضوء الكامن وراء الاستعارة؟

الاستعارة سبب من أسباب شقاء الإنسان. لو رأى الناس في هيلين امرأة عادية، كما هي، لما قامت حرب طروادة، لكنهم بدأوا يصفونها ويؤسطرون جمالها. بدأوا يتدخلون، لغةً، في تشويه الطبيعة الهيلينية، جسدًا، لتكون النتيجة حربًا ضروسًا. وسانت لوسيا، وطن والكوت، تتمنى ربما لو بقيت مكانًا أجرد لا يدخل معجم الاستعارات الجغرافية ليصبح «أهم» و«أجمل» و«أروع» الجزر، لأن النتيجة هي المطامع الاستعمارية. وفلسطين، مثلًا، تحولت من مجرد مكان يقيم فيه أهله، إلى«أرض ميعاد» أسطورية عبر لغة استعارية صاغتها الحركة الصهيونية لتشرعِن استعمارها واحتلالها للمكان وطرد أهله.

المفارقة هنا، بالطبع، أن الشاعر يعبر عن ضجره من الاستعارة والشعر، وذلك عبر الاستعارة والشعر نفسهما، ليجعلنا نتساءل معه إن كانت ثمة وسيلة أو مهرب من الشعر. هو، بالضبط، يفر من الشعر إلى الشعر.

والشعراء، الذين هم لصوص الاستعارات كما سبق ورأينا في حواره مع  درويش، هم أكثر الناس شغفًا بتحويل «العادي» إلى استعارة. وهنا يدخل والكوت مستوى آخر من التأمل في العلاقة بين الشاعر ووطنه. لم يزدهر الشعر كما ازدهر في أوقات الحروب، فالشاعر يجد في الحروب فرصة أكيدة لتفتح موهبته.  يأخذ هوميروس بيد والكوت، ويقول له إن حرب طروادة، بالنسبة له على الأقل، ليست حربًا، بل مجرد «ذريعة لكتابة ملحمة». يموت من يموت، ويجلس الشاعر في برجه واصفًا، مستعيرًا، مشبّهًا. ما يهم هوميروس هو أن حرب طروادة مكّنته من كتابة أحد أعظم النصوص الشعرية في التاريخ.

ماذا عن «سانت لوسيا» إذن وعلاقتها بابنها الأسطوري، ديريك والكوت؟ يقدم الشاعر، على استحياء، في ملحمته الحديثة هذه، نوعًا من النقد الذاتي لما يفعله هو ذاته بوطنه، عبر تحويله إلى نصوص استعارية تبدع في وصف جراح الوطن وحروبه واستعماره، في نص شعري أخاذ سيفوز بسببه بجائزة نوبل والعديد غيرها.

يحكي والكوت عن روائح نساء سانت لوسيا وشعورهن وتنهيداتهنّ وحفيف ملابسهن وتعرجات أجسادهن وهن يدهنّها بالطيب والزيت، في مشاهد مجنونة تذكر بعوالم كبير آخر هو جابرييل جارثيا ماركيز

متى ستنتهي الاستعارة؟

لن تنتهي الاستعارة حتمًا، ولن ينتهي شغفي بوالكوت، منذ قرأت ملحمته هذه في الصف الدراسي الذي أشرت إليه. ستتغير علاقتي باللغة الانجليزية وشعرها إلى الأبد على يد شاعر غير إنجليزي في الأصل، شاعر تمكّن من الإنجليزية، لأن وطنه كان ببساطة مستعمرة إنجليزية. أتذكر أنني في بعض المحاضرات كنت أرمي الكتاب من يدي على الطاولة من شدة الطرب لمقاطع والكوت الشعرية، أمام دهشة زملائي والأستاذ المحاضر. بدا والكوت مثل وحش لغة، يتلاعب بها ويقلّبها كيفما يشاء، وستتحول مقاطعه تلك إلى محفوظات شعرية أرددها، كما أردد قصائد المعلقات والمتنبي ومحمود درويش. أخيرًا، قلت لنفسي، بدأ الشعر الإنجليزي ينطق لي.

في قصيدة درويش التي بدأت بها، يحضر الشعر، كما تحضر المرأة. يخبرنا درويش عن والكوت:

وسألني: إذا أعجبت بامرأة فهل تتقدم

منها؟ قلت: على قدر جمالها تكون جرأتي…

وأنتَ؟ قال: أما أنا، فإذا أعجبتني امرأة

جاءت هي إليّ

الافتتان بالمرأة وجسدها يخترق جميع أجزاء «أوميروس»، بتشبيهات من الشاعر نفسه، وهو الضجر من التشبيه والاستعارة. ينتمي والكوت لوطن جرى تأنيثه عبر تشبيهه بـ«هيلين» لشدة جماله وأهميته، ووالكوت نفسه سيؤنث الأماكن ويقيم علاقات عجيبة بين المرأة وأشياء الوطن، من زوارق وقوراب وضفاف. «رائحة المرأة تفوق رائحة مكتبات العالم» كما يصرّح في النص. يحكي والكوت عن روائح نساء سانت لوسيا وشعورهن وتنهيداتهنّ وحفيف ملابسهن وتعرجات أجسادهن وهن يدهنّها بالطيب والزيت، في مشاهد مجنونة تذكر بعوالم كبير آخر هو جابرييل جارثيا ماركيز في رواياته (والغريب أنهما يشبهان بعضهما جسديًا إلى حد ما). لكن في لحظات الاندهاش القصوى بالمرأة، يعترف والكوت بتفوق الجمال حتى على قدرة الشعر على وصفه، لتصاب اللغة ذاتها «بالشلل في جميع مجازاتها».

رحل ديريك والكوت عن عالمنا قبل نحو أسبوعين، تاركًا وراءه كل شيء ولا شيء: مجرد لغة. لكنها اللغة الكفيلة بأن تعشقها حد الكراهية. لم يقرأ والكوت الشعر العربي مطلقًا، كما ذكر هو لمحمود درويش، لكننا قرأناه، بلغته الانجليزية التي أجبرت شعراء أمريكا وبريطانيا ونقادها على الانحناء. لم يترجَم الكثير لوالكوت إلى العربية مع الأسف، ولا أدري إن كان بالإمكان ترجمة ملحمته «أوميروس» أصلًا، لشدة تعقيدها وإحالاتها واستعاراتها.

بعد اكتشاف والكوت، إذن، يصبح هناك سببان لتعلم اللغة الانجليزية وإتقانها؛ أنها اللغة الأولى في العالم، وأنها لغة «ديريك والكوت».

اعلان