Define your generation here. Generation What

احتجاجات الخبز: الطابونة برلمان الفقراء

لا أعرف بداية واضحة المعالم أنطلق منها في سرد الموضوع. قد تكون الكتابة عن هذا الأمر متأخرة بعض الشيء، لانقطاع زخمه، لكنه ببساطة مشوار يومي معتاد  واظبت على قضائه كل نهار تقريبًا لقرابة الـ15 عامًا، وبجميع التقلبات والتغيرات التي طرأت عليه من فترة لأخرى؛ مشوار الاصطفاف في طابور بشري للحصول على عدة أرغفة من الخبز.
«يا حتاكلوهم يا حتاكلوا بعضكو.» كانت هذه صرخة أطلقتها أمامي سيدة عجوز في الفرن نهار انطلاق الاحتجاجات، لعدم استطاعتها الحصول على الأرغفة الخاصة بها، لأنها لا تمتلك كارت الخبز أو «الورقة» – لمن لا يملكون بطاقات تموينية- لتوقف عملها منذ قرابة العام في الاسكندرية، أي أنها كانت ستشتري الرغيف الواحد بـ35 قرشًا، أي ثلاثة أرغفة بجنيه تقريبًا.

بعيدًا عن الإكليشيهات والأفكار «البراقة»، فتفاقم أزمة الخبز ليس وليد اللحظة، أو نتيجة قرار أهوج من وزير التموين الحالي- وهو نفسه وزير التضامن الاجتماعي سابقًا أيام مبارك. فمنذ بداية تطبيق البرنامج الزراعي/الغذائي للمعونة الأمريكية في مصر، بدأت الأزمة في بلاد القمح التاريخية، بما تلاها من تهريب الدقيق لمصلحة حيتان السوق، والغش في وزن الرغيف، وحتى قتل الناس بعضهم من أجل الرغيف، إلى بقية المصائب التي كانت تروى بين الناس بمناسبة تجمعهم في طابونة الخبز، ولعل أشهرها أن الدقيق المستخدم في المخابز كله «مستورد».

الغالبية الكاسحة من هذه الطبقة تعيش حياتها اليومية بمفهوم «القُدرة»، أي إن وجد شيء ما لسد رمق الجوع، فخير وبركة، وإن لم يوجد، فخير وبركة برضه!

هنالك قطاع واسع لا يمكن حصره من المصريين، يعتمد في غذائه اليومي وبشكل رئيسي على العيش بجانب الفول والفلافل – إن وُجدا- لوجبة واحدة أو اثنتين. ولست هنا بصدد إجراء دراسة إحصائية وتفصيلية عن نسب المواطنين الذين يصلهم الدعم والتموين في مقابل من لا يصلهم شيء، فلم أعتد على تصديق أية أرقام من جهات رسمية تتعلق بضحايا حادث ما أو نسبة المصريين القابعين تحت خط الفقر، ولا حتى على تصديق مؤشرات وتقارير الأمم المتحدة الإنمائية مثلًا. لأن واقع ما يعيشه الناس يوميًا يختلف كليًا عن الأرقام والدراسات «الرسمية»، بل يفوقها بمراحل.
وبحكم سكني ونشأتي وتنقلي المتكرر بين العديد من المناطق الشعبية، أكاد أجزم أن الغالبية الكاسحة من هذه الطبقة تعيش حياتها اليومية بمفهوم «القُدرة»، أي إن وجد شيء ما لسد رمق الجوع، فخير وبركة، وإن لم يوجد، فخير وبركة برضه!

الأصعب من كتابة هذا وسرده هو معايشة تلك الوقائع المادية اليومية. وبعيدًا عن المشاهد السينمائية عن الفقر التي غالبًا ما تحاول محاكاة هموم الناس بطرق عاطفية عدة لتصبيرهم عليها، فمفهوم «القُدرة» لا يتطابق مطلقًا مع صورة «الرضا بالمقسوم» النمطية التي تخدع الطبقة الحاكمة عمّا يشغل بال «الفقراء أوي»، الذين يعيشون خارج أسوار الكومباوندات، فالقدرة هي فتيل انفجار متوقع حدوثه في أية لحظة.
ورغم التسكين اللفظي المؤقت الذي حدث بعد الاحتجاجات الأخيرة، بهدف كبح الغضب المتراكم لدى الناس، فلم تظهر له أية نتائج بعد، فلا يزال أمر الرغيف بالنسبة لسكان «الطابونة» معلقًا على كف عفريت. حيث نظام الورقة الخاصة بالخبز، والتي تُعطى لمن ليس لديه بطاقة تموين، يختلف عن نظام الكارت الإلكتروني وعن الشراء الحر، وفقًا لمنظومة الخبز الجديدة التي ظهرت في مطلع عهد السيسي. فضلًا عن أن منظومة الخبز هذه بدأت في الإتيان بنتائج عكسية، فالشراء الحر مثلًا كان في البداية بضعف الثمن الأصلي للرغيف، أي أن العشرة أرغفة، بدلًا من العشرين، كانت بجنيه. ثم تضاعفت قيمة الرغيف الواحد في نطاق الشراء الحر تدريجيًا ليصبح اليوم الرغيفان أو الثلاثة، بحسب المخبز، بجنيه. وغالبية من يشترون بشكل «حر» هم عمال البناء وعمال اليومية المختلفون، وسائر الأسر التي لم يسعفها حظها في الحصول على الورقة التي لم تسلم أيضًا من تدهور منظومة الخبز «العبقرية» هذه، لاعتمادها بالأساس على عدد أفراد الأسرة.

صار التذمر من تقييد الحصول على الرغيف أمرًا اعتياديًا نشاهده يوميًا في الطابونة

كما أنه بعد مرور الشهور الأولى من البدء في تنفيذ هذه المنظومة، تقلّصت حصة الورقة إلى الثلثين، بمعنى أنه لو تكونت أسرتك من ستة أفراد، فستحصل على حصة أربعة منهم فقط، وحصة الفرد خمسة أرغفة، فضلًا عن توقف بعض الأفران عن التعامل بالورقة، و«ولو مش عاجبك اشتري حر. دا اللي موجود!» حتى وصل الأمر منذ عام، وفي الإسكندرية تحديدًا، بما يشبه العرف السائد، لتوقف الغالبية الكاسحة من المخابز عن التعامل بالورقة نهائيًا.
كل ذلك جرى قبل اندلاع الاحتجاجات، لكن ما واقع الأمر اليوم بعد أقل من شهر عليها؟
للوهلة الأولى قد يظن البعض أن الأزمة انتهت، وأن أسباب اندلاع الاحتجاجات قد تلاشت، بمجرد إعادة التعامل بالورقة أو بعدم انتقاص الحصص المخصصة لها، كما تروج الدعاية الرسمية في برامج «التوك شو» عن «مصلحة المواطن» وغيره من الكلام الماسخ المعتاد، ولكن لا أدلة مادية حتى الآن تثبت نفاذ تلك الإجراءات، فالورقة – أو الدفتر لدى البعض الآن- منتقصة الحصة وموقوتة كذلك. منتقصة الحصة لأن من يمتلكها لا يحصل سوى على نصف الحصة المخصصة لأفراد الأسرة، وموقوتة لأنه لا يجري التعامل بها بعد التاسعة صباحًا، بحجة أن الكمية المخصصة خارج الكروت الإلكترونية تنتهي وقتذاك، ما تنتج عنه زيادة نسبة الشراء الحر يوميًا (رغيفان أو ثلاثة بجنيه). فضلًا عن بيروقراطية «فوت علينا بكرا» في تعشيم المواطنين من أصحاب الورقة بالحصول على الكارت الإلكتروني لاحقًا.
صار التذمر من هذا التقييد والتعجيز للحصول على الرغيف أمرًا اعتياديًا نشاهده يوميًا في الطابونة. ستجد مثلًا من يتحدث عن صندوق النقد الدولي كسبب للإفقار الحالي، أو من يضطر لإكمال حصته المنهوبة بالشراء الحر، للتحايل على الواقع من أجل الرغيف.
العيش و الوعي
«الناس مش واعية.»

«يعني هما اتحركوا عشان العيش مش عشان القمع؟»

«يا عم ده شعب مافيش منه رجا.»

تلك أمثلة على محاولة بعض المثقفين لقياس وعي الجماهير، وهي أمثلة لا تنبع من احتجاجات الخبز وحدها، فالنغمة مترددة وواسعة الصدى منذ بداية الثورة المضادة في 2013.

لا ينفي هذا بالتأكيد موجات القمع التي تنتهجها الطبقة الحاكمة، من الإفقار والتهميش، مرورًا بالإخفاء القسري والاعتقال، وصولًا للتصفية الجسدية، ولكن السؤال الأهم يبقى هنا: أي خطاب يجب توجيهه للجماهير؟ ما يفرض سؤالًا أخر: من المخطئ بالأساس؟
في مارس 2011، كنت مع عدد من الرفاق في العصافرة وشارع 45 «قبلي السكة» بالإسكندرية، في حملة للتصويت بـ«لا» على التعديلات الدستورية وقتها. كانت الناس حينها تتطلع لسماع «صوت الثورة»، ومستعدة للنقاش حول العديد من النقاط. لا أقصد هنا التباكي على أطلال سنوات مضت، ولا «فبركة حلول المشاكل قوام»، ولكنها فقط محاولة لفهم الأمر الواقع الحالي، في مقابل تصوير المشهد الجاري منذ 2013 وفق شعار «الناس زهقت من السياسة»، وأن عليهم تحمل عواقب تفويضهم.

مجرد وصم الناس بانعدام «الوعي» هو تصرف ينم عن انعدام وعي من يصدر منه هذا الحكم

في الأعوام الفائتة كنت أرى أن النقد الذاتي للمارسات السابقة هو السبيل الأمثل لبناء خطاب جماهيري حقيقي ولاستعادة كسب مصداقية الجماهير، وأن الانهزامية هي أخطر سلاح غير مباشر تستفيد منه الثورة المضادة.
مجرد وصم الناس بانعدام «الوعي» هو تصرف ينم عن انعدام وعي من يصدر منه هذا الحكم في الحقيقة. لنأخذ أغاني المهرجانات في الاسكندرية كمثال على وعي الناس الحقيقي دون تزييف أو تجميل، فقد تسمع فيها جملًا مثلًا: «الغالي فيها رخص، والرخيص بالمليارات»، «اللي قالوا علينا حيخافوا، باعونا واشتروا في السلطة»، «سرقت جنيه امسكْ حرامي، سرقت أرنب تبقى وزير»،  أو حتى كلامًا عن مجزرتي بورسعيد والدفاع الجوي. قد تسمع هذه الأغاني أينما كنت في «قبلي السكة» خلف شريط قطار أبي قير.

ومثال آخر هم من شاركوا في ثورة يناير 2011 ثم فوّضوا السيسي لاحقًا في 2013 بمواجهة الإرهاب، وذلك لغياب البديل الحقيقي للأخير، ولاستسلامهم المؤقت لآلة الدولة الدعائية وقتها. هذا النموذج الشائع كان متواجدًا بكثرة في احتجاجات الخبز، وصار اليوم، نتيجة لتضرره المباشر من سياسات إفقار وقمع الثورة المضادة، مدركًا لنهجها. وحتى التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير كان مثار سخط وغضب في كلام الغالبية من الناس في المناطق الشعبية.
ماذا بعد السخط والتذمر؟
الأمر أبسط من أية تعقيدات، فالشروط الموضوعية للانتفاضة صارت مختمرة في ذهن الجماهير، بالتوازي مع إدراك ووعي تام بماهية عدوها الطبقي الرئيسي؛ طبقة المليارديرات، بأدواتها السياسية من رئاسة وحكومة وبرلمان وإعلام، إلخ.

الناس لم يجدوا أحدًا يخاطبهم بأية وسيلة كانت، كما لم يعد لديهم صبر للحديث عن مادة دستورية كذا أو قانون كيت، بينما حياتهم قد وصلت للهاوية. بالتالي أصبح كلٌ من السوق والمواصلات والطابونة برلماناتهم الخاصة

وعليه، فلا يصح أبدًا أن يكون تحرك الناس بسبب الخبز مدعاة للسخرية. غاية الأمر هو أن الناس لم يجدوا أحدًا يخاطبهم بأية وسيلة كانت، كما لم يعد لديهم صبر للحديث عن مادة دستورية كذا أو قانون كيت، بينما حياتهم قد وصلت للهاوية. بالتالي أصبح كلٌ من السوق والمواصلات والطابونة برلماناتهم الخاصة.
ولكي تقوم الشروط الموضوعية بتحقيق الوجود المادي للانتفاضة ضد طبقة المليارديرات وأركان الثورة المضادة، يلزم التخلي عن الانهزامية والتفاؤل الساذج.

فقط النقد الذاتي والوقائع المادية اليومية الملموسة ستحل الأزمة المستمرة من 2011 حول الخطاب «الثوري» الموجه للجماهير، لتنظيم صفوفها من أجل الرغيف، مرورًا بالإفقار والفوارق الطبقية، وانتهاء بالقضايا المصيرية كـ«التبعية» و«التطبيع».
الشارع الذي يغلي كالجمر اليوم ويعيش يومه بالقُدرة، لا يمكن قياس تحركه واستنباط النظريات حوله. وللتذكير فقط، فلماذا اندلعت انتفاضة يناير 1977 التي كادت تطيح بالسادات؟

الغيث لن يأتي دون أن تتجمع غيومه.
حطموا الأصنام فلن تبقى القيود أبد الدهر.

اعلان
 
 
محمود الشريف