Define your generation here. Generation What

آلية النظام اللبناني في مصادرة الاعتراض قصيدة في حب «الشعب» غير المسيّس

منذ أسبوع تقريبًا، بدا مشهد الدولة آسر الوضوح في بيروت؛ تظاهرةٌ شعبيةٌ في الشارع تعترض على السياسة الضريبيّة، بالتزامن غير المقصود مع حفل تنصيب وريث آل جنبلاط في زعامة الجبل السياسيّة والطائفيّة. وقد جسّر المسافة بينهما ظهور رئيس الحكومة سعد الحريري في التنصيب ثم في التظاهرة، مثبّتًا الأول ومميّعًا الثانية.

كلّ ما في النهار دلّ على كيفية تكريس النظام اللبناني لاستمراريته واستيعابه الاعتراض الشعبيّ من دون المساس بنهجه. والنظام اللبنانيّ، رغم خصوصياته، لا يستورد تقنياته من المريخ.

الدولة والشعب «مسؤولان»

أُريد لتظاهرة ذاك الأحد في 19 الجاري، أن تكون جامعة ومركزية على قاعدة أنها «لا تنتمي إلى أحد»، لتتفادى الصراعات الداخليّة وتضمن الحشد الذي يمتلك مصداقية غير فئوية. حتى ولو دعت إليها أحزابٌ أو شارك فيها نوّاب، فهي «لا تنتمي» إلى حزبٍ أو عقيدة، طائفة أو فصيل. هي لـ«الشعب»، وبالتالي «صادقة»، تستحق القول والسماع من النظام وبقية الجالسين في بيوتهم.

وفي يوم الأحد ذاك، وهو يوم عطلةٍ يحلو فيه الخروج إلى شمس الساحات العامة، خرج الناس بألوانهم وطبقاتهم وأطفالهم وحيواناتهم الأليفة، يرفعون الأغاني والعلم اللبنانيّ بهيّ الألوان، ويعبّرون عن حنقهم في جوٍّ اعتراضي لا يخلو من كوميديا الشعارات وقبلات التلاقي. بعد ساعات من بدء تظاهرتهم، أطلّ عليهم رئيس الوزراء من سيارته بين مرافقيه، حيّاهم وتفهّمهم، وطلب من «الشعب» تشكيل لجنةٍ تفاوضه وتقترح الحلول بشأن الضرائب وتمويل الدولة. الدولة تسعى لتمويل سلسلة الرتب والرواتب الخاصة بموظفي القطاع العامّ من سلسلة ضرائب تفرضها على أهل هذا القطاع وعموم الناس، بدءًا من رفع «الضريبة على القيمة المضافة» إلى مروحةٍ غير معلنة رسميًا بعدد من الضرائب على المواد الاستهلاكية. في المقابل، يطالب المتظاهرون بسياسة ضريبية تستهدف أيضًا أصحاب الاحتكارات والمضاربات العقارية والكتل المالية الهائلة والمصارف. فالمصارف تقرض الدولة، وبالتالي تضع معها ولها السياسات المالية. نحن إذن في جوّ تصعب فيه المعلومة الصريحة، وتُستدعى إليه التخصصية الإداريّة، لا «حلول الشعب».

استقبل بعض الحشد رئيس الوزراء بالزجاجات الفارغة، فعاد إلى سيارته وخاطب المتظاهرين والمتظاهرات عبر «تويتر» مبديًا الرقّة، وطالبًا الحوار: شكّلوا لجنة.

بطرحه وبخبر عدم استقباله، صادر الحريري النقاش التالي للاعتصام والمطلب. صار النقاش: نشكّل لجنة تحاور الدولة أم لا؟ ممن تتكوّن اللجنة؟ ما هي المطالب؟ ما هي الحلول؟ أسئلةٌ تُطرح بصرف النظر عن مسؤوليتنا وكفاءاتنا. إذ أن المجلسين النيابي والوزاري هما الموكلان أساسًا بمهمتي التمثيل والإدارة، وما التظاهرة إلا اعتراض على كيفية أدائهما للمهمة. يستقبل النظام التظاهرات التي «تمثّل الشعب» و«غير المنتمية إلى طرف» بحب وصدرٍ رحبٍ، فقد بات كفؤًا في استيعابها عبر تحوير دورها: لم تعد تحاسِب، وإنما صارت محاسَبةً على سلوكها «الحضاري». لم تعد تطالِب، وإنما صارت مُطالَبةً بالخطة البديلة. لم تعد التظاهرة تعترض، وإنما صارت من حملة المسؤولية.

كتبت الدكتورة رباب المهدي مقالاً بعنوان «تطبيع القمع» عن هذه الممارسة المنهجية التي تعتمدها الأنظمة في توريط «الشعب» بمسؤوليّة أفعالها، فنصبح مدافعين عن قرارات الحكومة كوننا ندافع عن تواطؤنا معها.

تشركنا الدولة بالمسؤولية، فننبري نجتمع. ويتمحور النقاش العام حول مدى قدرتنا على تحمل المسؤولية، ويصبح «إيجاد الحل» هو شرط الاعتراض. يتلاعب النظام بالحيز العام، ويبدي التفاؤل والحب بينما يقدّم المتظاهرين كحالمين، «متذمرين»، وعاجزين. نخسر مصداقيتنا كوننا لا نمتلك «الحل»، بينما يكسب النظام الجائزة الكبرى: تجريد الاعتراض عليه من المصداقية.

أنا بس رح أدفع ضريبة السفر لأني رايح ومش راجع

بذلك يسرقون منا فعل التظاهر. وأي ابن نظامٍ يخرج بالحب على تظاهرة تعترض عليه وتسميه فاسدًا، إنما يجرّدها من مصداقيتها، ليتفادى نقدها ويثبّت واقعه. وهذا ليس وليد نظرية المؤامرة، وإنما تحليلٌ لتراكمٍ يمتد من لبنان إلى مصر ومن سوريا إلى الأردن مرورًا بفلسطين، يحيّي نمطًا من التظاهر، «صادقًا» وغير مسيّس. فتبقى دائرة الحكم مقفلة على أهل النظام؛ التسيُّس يؤهل للإدارة، ولذلك يتوجّب اتهامه بالشرّ.

التظاهرة التي يفضّلها النظام

هذه الآلية الاستيعابية لا تندلع في مواجهة أي تظاهرة، وإنما هي آلية تعامل مع التظاهرة المحمودة، «غير المنتمية». التظاهرة التي دعا إليها «الحزب الشيوعي اللبناني» قبل يومٍ من التظاهرة المركزية، لم تلتقِ بأيٍّ من أقطاب السلطة، ولا استفادت من تغطيةٍ كتلك التي حصدها حشدنا المدني «غير المنتمي»، مع أنها كانت كبيرة واستقطبت الكثير من اليساريّين غير الحزبيّين.

يُنتقد «الشيوعي» راهنًا على خمولٍ ورجعيّةٍ في السنوات الماضية كما يُنتقد على موقفه الراهن من الثورة السورية. إلا أن موقعه من سبب التظاهر الراهن محوري: حزب شيوعي بفهم اقتصاديّ للدولة، سيّر تظاهرته من المصرف المركزي إلى مقر جمعية المصارف. هذه تظاهرة محدّدة الهدف والمطلب، فلم تلقَ أضواء البث المباشر، حتى أن تحجيمها يصبح مطلبًا بالنسبة إلى البعض. كما لم تلقَ مسؤولًا يطالبها بأجندة عمل، فأجندة «الشيوعي» في هذا السياق جاهزة. أهملها النظام، في ظلّ تصنيف صار رائجًا للتظاهرات بين سياسي (مغرض/ فئوي) ولا- سياسيّ (طاهر).

الدولة، وعلى اختلاف وجوهها في التجربتين الأخيرتين (تظاهرات 2015 ضد الفساد في إدارة ملف النفايات، وتظاهرات الأسبوع السابق ضد السياسة الضريبية)، اعتُمدت هذه المقاربة في تصنيف التظاهرات: الفصل ما بين التظاهر والسياسة، وتفادي ربط الفعل بالفاعل (هنا: السياسة الاقتصاديّة بالمستفيدين منها). ويدور الحديث عن المتظاهرين، لا النظام. فيُحكى عن شغبٍ لا نرى امتداده فعلًا، لكنه يصبح الخبر ومحور النقاش: أيستحق رئيس الوزراء الضرب أم أنه تطاولٌ على فاعل خير؟ هل هو خطأ فريقه الاستشاري؟ هل نبلّغ عن «المندسين» بيننا؟ (المواطنون الشرفاء – فرع لبنان، نشروا صور ضاربي الزجاجات). أسئلةٌ وثنائياتٌ ضدّية تتسبب بتراجع المطلب الاقتصادي عن سدّة النقاش، بينما يأتي خبرٌ عاجلٌ في منتصف ليل التظاهرة ليحكي عن مواكب شعبيةٍ تجول المدن الشماليّة لتستنكر التعرّض لبطل الطائفة السنيّة سعد رفيق الحريري. وفي الصباح، يستيقظ المتظاهرات والمتظاهرون على نقاش حول اللجنة التمثيلية التي ستحاور الرئيس.

حماية سعد الحريري من الزجاجة الفارغة

نحن النظام والمعارضة معًا

على مستوى موازٍ ولكن غير مقصود، تزامنت تظاهرة الأحد 19 مارس مع عملية إعادة إنتاجٍ للنظام ضمن قواعده الداخلية. في صباح يوم العطلة، أحيا النائب والزعيم الدرزيّ وليد جنبلاط الذكرى الأربعين لاستشهاد والده الزعيم كمال جنبلاط، مكرِّسًا المناسبة لإعلان الوراثة أمام الحشد الشعبي، إذ «خلع كوفية الزعامة الجنبلاطية» على ابنه الشاب الوسيم تيمور.

التوريث ليس جديدًا على آل جنبلاط، ولا على الجبل الدرزي، ولا على المشهد السياسيّ اللبنانيّ، لكنه كثيرًا ما يجري في ظرف الوفاة. فلا نرى التوريث كما هو، محتفىً به، وإنما نرى جحافل الحزانى على رحيلٍ يبحثون عن تعويضٍ له في «استمرارية» لا يجسّدها إلا وريث بيولوجي، رئيس الحكومة سعد الحريري مثلًا. ومثله لكن قبله بعقود، ورث وليد جنبلاط نفسه عن والده الشهيد الزعامة والحزب. وللمفارقة المرحة، فالحزب الموروث هو «التقدمي الاشتراكي». وإدراكًا منه لمدى مرحها، ترى النائب وليد يمتاز بليونةٍ في الحركة بين الفكر والسياسة والطائفة والقضايا؛ خلع على ابنه «كوفية» تدل على النضال العربي الفلسطيني (أكبر من طائفة) ولم يخلع عليه العباءة التي تثبّت مشهدًا عشائريًا يتعفف عنه الزعيم الحداثوي، المثقف، والناظر إلى أبعد من حدود لبنان (دروز فلسطين وسوريا).

وليد يلبّس مروان الكوفية

وليد جنبلاط هو الأكثر رشاقةً بين ممارسي الثنائية في الأداء السياسي اللبناني الراهن؛ مثلاً، يجلس في مجلس النواب مصوّتًا للرئيس التوافقيّ ميشال عون، بينما هاتفه ينشر على «تويتر» رسومًا لتنصيب يوليوس قيصر تسخر من الحدث والرئيس معًا. وفي امتدادٍ لهذه الثنائيّة في النظام الحاكم، نزل سعد الحريري من الجبل، بعدما أدّى دور راعي التوريث، إلى التظاهرة في ساحة رياض الصلح (بين السرايا الحكومية والبرلمان) ليضع حكومته في خدمة المتظاهرين.

هذا الأسلوب لم يبدأ في يوم الأحد ذاك، وإنما بات شبه مكرّسٍ في مشهد التظاهر اللبناني. يخرجون قبلنا ليؤكدوا أنهم منا ومعنا، وأن العهد هو عهد مكافحة الفساد. فيصير الفساد كالفقر في الخطاب الريعي، مصيبةً ابتلتنا بها الآلهة أو عدوى تصاب بها المجتمعات، لا مسؤولية في إحداثها لنظامٍ أو سياسة، والرغبة في القضاء عليه عامّةٌ وبديهية ومحقة كـ«الشعب».

الثنائية هي ممارسةٌ استيعابيّة لها تاريخٌ في الحرب الأهلية، وعلى الأرجح سابقٌ لها، فقد كان جنبلاط نفسه ونبيه برّي (رئيس مجلس النواب الحالي) يؤكدان في الجريدة حرصهما على «حقن دماء شعبنا» بينما ميليشياتهما على الأرض تسيل «دماء شعبنا».

من هو «الشعب»؟

التظاهرات التي عبرت الطوائف وتلاقت في ساحة الدولة هي تظاهرات خرجت بنفسية إيجابية، ولكن أيضًا بارانويّة (لها أسبابها)، إذ تخشى الحزبية أكثر مما تخشى الطائفية، وتخشى العقائدية بقدر ما ترفض الفساد. ولذلك، هي التظاهرات شبه الوحيدة التي يُتوجه إليها بصفتها «الشعب». ووصف «الشعب» يدلّ في هذا الخطاب على كيانٍ بنّاء، متناغم، غير سياسي وغير منظم.

إلى جانبها، وفي الأسبوع ذاته، علت صيحات مطلبية يقع همّها في الحيّز العام، كسرقة الأملاك البحرية لتشييد منتجعات خاصة، وحقوق المرأة اللبنانية في الطلاق والحضانة كما بالجنسية.

في ذاك الأسبوع المجيد، بدت الساحات مليئة بالمطالب، بينما النظام مليء بنفسه

يلجأ النظام إلى تجاهل هذه القضايا، ولما يعلو صوتها، يدينها بفئويةٍ ما. فهي تظاهرات تستهدف موقعًا يؤلم النظام، كخصخصة موارد الدولة لرجال أعمال النظام، واستملاك الحيّز العام بلا قلق ولا مقابل ولا بديل، واستتباب السلطات على قاعدة الذكورية في الحكم، فيصير المنتجع فرص عملٍ، والجنسية اللبنانية مطمعًا، والمرأة قاصرة.

من هنا، يمكن للمرء أن يقرأ التظاهرات بعين النظام على النحو التالي:

  • تظاهرات شريرة هي التظاهرات «الفئوية». إن كانت حزبية، سيستَهدفها بأداء حزبها في قضايا عامّة ينقسم الناس حولها. وإن كانت غير حزبية، يستهدفها بعدم شمولية نظرة أصحابها وصاحباتها وهوسهم بقضاياهم «الفئوية».
  • تظاهرات طيبة وطاهرة، هي التظاهرات التي يودّ النظام أن يتوجّه إليها، ويضع يده بيدها لبناء الوطن، كأن الناس فريق والدولة فريق. هذه التظاهرات يسهل تشتيتها بإخجالها بزيارة مفاجئة، وتحميلها مسؤولية الحلول، وعزل «غير الراغبين بالحوار» فيها.

في ذاك الأسبوع المجيد، بدت الساحات مليئة بالمطالب، بينما النظام مليء بنفسه؛ الاحتفال بتنصيب زعيم يرث أباه، يقف فيه رئيس وزراء كدليلٍ دامغٍ على جدوى التوريث وثبات الحكم. وبعد الاطمئنان على الأمن الداخليّ للنظام، ينزل الرئيس إلى الشارع ليحتفل مع المعترضين. يبدد جمعهم بالتصنيف بين طاهرٍ وشريرٍ، ويبدد مطلبهم بجعلهم شركاء في الإدارة: أنتم «شركاء في مكافحة الفساد»، والدولة تطمح لـ«استعادة الثقة».

هل يمكن للحكم الفاسد أن يطمح إلى أكثر من ذلك؟ إنها يوميات النظام السعيد في بلادٍ أغلبية سكّانها ليست سعيدة.

اعلان