Define your generation here. Generation What
كيف فازت «ذات الحذائين» بالبريميرليج
 
 

ربما كان إعلان مانشيستر يونايتد عن تولي مورينيو تدريب فريقه هو أعظم خبر تلقته الصحافة الإنجليزية في العقد الأخير؛ ليس لأن جوزيه سيخلف فيرجسون كما أراد دائمًا، وليس لأنه عاد بعد إقالته من تشيلسي في أسوأ موسم شهدته مسيرته، ولكن لأن فصلًا جديدًا من مسلسل «توم وجيري» صار على وشك البدء في إنجلترا، والثنائي الذي لم تسعه إسبانيا بأكملها، صار مرغمًا على التعايش في حدود مانشيستر.

ولكن لسبب ما لم يكن هذا مثيرًا لأي منهما؛ بيب تحدث عن المجيء لإنجلترا من أجل التعلم واكتساب الخبرات، وجوزيه قال إنه سيحاول التركيز على فريقه، لأن التشتت في معارك جانبية مع الأول قد يمنح اللقب لثالث، لأنه على عكس الأمور في إسبانيا، فإن إنجلترا تمتلك أكثر من ثنائية واحدة لبطولة مسلسلها.

إجابات مملة للغاية لم تمنح إنجلترا ما أرادت، وبدا وكأن فيلم «توم وجيري» المنتظر قد انتهى قبل أن يبدأ، فلم يملك الإنجليز إلا الانتظار حتى بداية الموسم، واستغلال أقرب مواجهة لإعادة تشغيله من جديد.

عالم ديزني

لم يدقق الكثيرون في عبارات مورينيو، لأنهم يعلمون أنه لن يكتفي أبدًا بالتركيز على فريقه كما يقول، ولأنهم كانوا ينتظرون المزيد من الشراسة؛ أن يثبت مورينيو لبيب أن إنجلترا ليست إسبانيا ولن تكون، وأن من كان «جيري» هناك لن يكون كذلك هنا.

«جيري».. أهلًا بك في البريميرليج

بالطبع لم يحدث شيئًا من هذا؛ خلد جوزيه للنوم مبكرًا، مكتفيًا بلكز فريقه القديم ومدربه الجديد كلما لاحت فرصة، وخلع بيب قلوب الإنجليز في البداية، ثم أطاحت به سلسلة من الأخطاء الكارثية المتتالية، وكأن الثنائي احتفظ بكل شيء كما هو باستثناء أهم ما ميزهما دائمًا؛ القدرة على المنافسة.

المهم أن ابتعاد «توم وجيري» عن المشهد بعد أن توقع لهم الجميع احتلاله، وغياب كلوب المفاجىء وفينجر المتوقع، مهد كل شيء لظهور بطل جديد في كونتي، ولكنه بطل يأتي من خلفية محافظة، تقيدها الشخصية التكتيكية لبلاده، والتي بدت الحل الأنسب لاستكمال مسيرة تشيلسي مورينيو، باعتباره فريق دفاعي يلعب في حدود «امكانياته»، وتخليه عن الباص لا يعني إلا الهزيمة بسداسية في كل مباراة.

وكما لم يدقق الكثيرون في عبارات مورينيو، كان أكثر منهم لا يعلمون عن كونتي إلا مسيرته كلاعب، لأن إنجلترا لم تعد تشاهد الدوري الإيطالي مثلما كانت تشاهده في الثمانينيات، ولأن الإنجليز الذين لا يطيقون مشاهدة «توم وجيري» في مسلسلهم الذي لا ينتهي، لم يكونوا ليفكروا حتى في مشاهدة آخر يسيطر عليه «جيري» منفردًا بالطول والعرض كالكالتشيو، باختصار؛ لم يكن الإنجليز يروا من كونتي سوى قدميه.

في محل الخزف

بالطبع لم تخبرهم قدما كونتي الكثير عن مسيرته التدريبية، وأجبرتهم تقاليد بلاده العريقة على التغافل عما أظهره في اليورو، فلم يستمع أي منهم لتصريحه بعد مباراة إسبانيا عن إيطاليا التي «أثبت هو أنها ليست كاتيناتشو فقط»، أو حتى إعجاب تشافي بالمزيج الجديد بين «برشلونة والأتليتي»، وتجاهلوا حقيقة أنه واجه الإسبان بسلاحهم المفضل؛ الضغط العالي. واكتفوا باللقطة الأخيرة التي أحرز فيها هدف الفوز من مرتدة، والتركيز على تحركات وحدته الدفاعية المتماسكة أمام بلجيكا وألمانيا، لسبب بسيط هو أنهم لم يريدوا التعرف على الرجل من الأصل، بل تأكيد انطباعهم المسبق عنه، فالإنجليز مولعون بالتنميط والقوالب سابقة التعريف، ودوريهم مليئ بالتحف التي جاوزها الزمن، ولكنهم يعاملونها بكثير من التقدير، فقط لأنها نجحت في البقاء لمدة كافية.

لذا كان حلول كونتي على إنجلترا أشبه بالمثل الأمريكي الشهير عن الثور الهائج الذي دخل إلى محل الخزف، وتكسرت العديد من التحف على رأس صاحب المحل، بما فيها التحف الجديدة اللامعة التي كان يتأهب لوضعها في النافذة الرئيسية.

إن لم تكن تتحمل كل هذا الإجلال لتحف عفا عليها الزمن، اكسرها، وستدفع الثمن في الحالتين

إيطالي لا يلعب الكاتيناتشو، إيطالي يفوز بالبريميرليج في موسمه الأول، إيطالي أثبت لـ «جيري» أن الاحتفاظ بدفاع صلب في البريميرليج ليس مستحيلًا، وأثبت لـ «توم» أن الاحتفاظ بدفاع صلب في البريميرليج ليس كل شيء كذلك، ولم ينس أن يقدم لإبراموفيتش الكرة المثيرة التي يريدها بين هذا وذاك، بخطة جديدة وبواقعية شديدة كذلك؛ نفس الواقعية التي اختطفها سلفه رهينة للدفاع وكأنها لا تعني شيئًا غيره؛ الأمر الذي لم يبتلعه الروسي أبدًا، لأنه رأى أن ما يزيد على مليار باوند من الإنفاق على الفريق لا يجعل من الكرة الهجومية المتوازنة خيالًا، وبالطبع لم يكن عاقل ليلومه.

المزيد من «جيري»

وسط كل ذلك، كانت أهم تحفة حطمها كونتي هي إناء الكاتيناتشو الضيق الذي حشر الطليان أنفسهم فيه لعقود، رافضين أي تعديل أو تغيير، حتى أصبح الدفاع غاية في حد ذاته، وصارت الأهداف تسجل كمبرر للتراجع والعودة للحالة الدفاعية، لا كمحفز لتسجيل المزيد منها وقتل المباراة.

وهو ما أدى للمخاض التكتيكي الحالي الذي تمر به إيطاليا، والذي خرج منه كونتي نفسه، قبل أن يعقبه مونتيلّا وحتى ألّيجري بدرجة أكثر تحفظًا، ويتجلى في صورته المُثلى مع ساري، وكأن الكاتنياتشو ينقرض تدريجيًا من منشأه، لأن الثور الهائج قد مر من هنا، وتحف إنجلترا لم تكن الوحيدة التي تكسرت.

بالطبع لا يعني ذلك أن كونتي ورفاقه قد نبذوا الدفاع كفكرة، ولكنه لم يعد هو الفكرة ببساطة، والنتيجة أن تشيلسي أصبح أكثر متصدري الدوريات الخمس الكبرى احتفاظًا بشباك نظيفة، وأكثرهم جمعًا للنقاط مقارنة بعدد المباريات حتى اللحظة، ولا يفوقه إلا يوفنتوس لسخرية القدر.

الغريب أن «توم» لم يكن إيطاليًا أبدًا، مع ذلك تطوع بحشر نفسه في إناء الكاتيناتشو

المهم أن إنجلترا التي كانت تتعامل مع مسلسل «توم وجيري» باستخفاف واضح، وترى نفسها أنضج من أن تُختطف لصالح ثنائية إسبانيا الطفولية، مرددة أنها الأكثر تنافسية دائمًا، صار عليها الاستماع لاسطوانات «جنة كرة القدم»، التي أرسلت واحد من مدربيها ليحول إنجلترا بأكملها لبلد الـ «جيري» الواحد، ودوريها لنسخة من دوري بلاده، وكلها اسطوانات تكره إنجلترا الاستماع إليها، لأنها تعني أن هناك ما يستحق المشاهدة خارج حدودها.

عودة توم

المشكلة في هذا المسلسل أن مورينيو كان يعاني من أزمة هوية واضحة؛ صراع نفسي بين الظروف التي أجبرته أن يكون «توم» رغمًا عنه، وبين رغبته الشخصية في احتلال مقعد المخرج المفضل له؛ الرجل الذي يحرك الجميع بألاعيبه النفسية وتصريحاته المستفزة، الرجل القادر على إحراج أعتى خصومه بالكلمات حتى لو كان يعيش أسوأ فترة في مسيرته التدريبية على الإطلاق.

ربما لأن جوزيه لم يقتنع أبدًا بالدور، وربما لأن العالم قد أساء فهمه من البداية؛ معتبرًا استمتاعه ببداية الحلقة المعتادة حيث يفتعل «توم» المعركة، كدليل على رضاه عن النتيجة النهائية التي نادرًا ما تتغير.

والحقيقة أن الرجل كان محقًا في ذلك؛ فالتاريخ شاهد على لحظاته الحاسمة أمام «جيري» حينما نجح في مخالفة النهاية المتوقعة، وبطريقته الخاصة جدًا كذلك، ولكن لسببٍ ما لم يعتبرها الإعلام أكثر من استثناءات تثبت القاعدة، ربما لأنه مولع بالتنميط بدوره، خاصة أن الثنائية كانت جاهزة بالفعل تغريه باستخدامها دون تعديل، أو لأن الإعلام كان دومًا المخرج الحقيقي رغمًا عن جوزيه نفسه، كون ديزني لم تنتج مسلسلًا بعنوان «مورينيو وبيب» بعد.

وبطريقته الخاصة جدًا كذلك

المهم أن من تجاهلوا تصريحات مورينيو كانوا محقين مرة أخرى، ولم يكن هناك أنسب من مشهد الـ «جيري» الواحد الذي صنعه كونتي ليستفز الـ «توم» الصغير بداخل جوزيه، ويخرجه من مقعده المفضل رغمًا عنه، بعد أن تلقى عدة صفعات لم يتلقاها أقل أبطال المسلسل شأنًا، ناهيك عمن يظن نفسه المخرج.

كانت الأولى من هيدنيك؛ الرجل الذي تسلم من جوزيه فريقه المفضل وهو قريب من مراكز الهبوط، ليقوده لحظيًا لأطول سلسلة لا هزيمة في الموسم، منهيًا في المركز العاشر ومؤكدًا ظنون جوزيه عن تعرضه للخيانة من قبل لاعبيه، لسبب بسيط جدًا هو أنه لم يغير الخطة ولا التشكيل، بل اتبّع كتالوج مورينيو حتى أدق تفاصيله التكتيكية، باختصار؛ احتفظ الرجل بكل حجر في مكانه باستثناء حجر وحيد هو مورينيو نفسه.

كومبارس

بالطبع كان ذلك قبل أن يعصف كونتي بكل ما تبقى من تشيلسي مورينيو؛ كونتي يفوز، كونتي يعلم كيف يدافع، كونتي يلعب الكرة كالكبار، والمستفز أنه يسجل أهدافًا أكثر من جوزيه، وتتلقى شباكه أقل منه كذلك، الأهم من كل ذلك أن الإيطالي لا يظن نفسه المخرج ولا يحاول التحكم في المشهد، ولا يستمتع بالتحرش بـ «جيري» سواء كان ذلك في بداية الحلقة أو آخرها.

حتى فينجر؛ الفأر الصغير الذي كان جوزيه ينتشي بإحالة حياته إلى جحيم، لمجرد كونه ابن عم «جيري» أو مرتبط به بقرابة ما، لم يشكل اغراءً لكونتي الذي اكتفى بتأدية دوره بجد واجتهاد، بل وأشاد بالثنائي في تحدي سافر لعَقد من العداوة بذل فيه جوزيه كل رخيص وغالي.

«نيبلز» ابن عم «جيري» .. وفي رواية أخرى أرسين فينجر

الجميع يحب البطل الذي لا يتعامل معهم على أنه كذلك، خاصة إذا كانت علاقته بالكومبارس على ما يرام، الجميع باستثناء مورينيو؛ الذي لم يعد يجلس خلف لوحة التحكم، ووجد السيناريو الجديد يجبره على كراهية البطل الجديد، وكراهية نسخته من البلوز، وكراهية حقيقة أن كل شيء أصبح مثاليًا بمجرد غيابه، بعد أن كان يجهز نصائحه الشامتة للإيطالي عقب فشله المتوقع في موسمه الإنجليزي الأول.

أسوأ ما في كل ذلك أن كونتي ذكّر مورينيو ببداياته، ربما دون أن يدرك، حينما كان البرتغالي يقدم صورة شبيهة بنفس الكرة الكهربائية السريعة المباشرة في قمة فعاليتها، ويفوز بالبريميرليج بهزيمتين فقط و15 هدفًا في شباكه وعدد قياسي من النقاط يمتلك الايطالي فرصة لتحطيمه، وربما لأنه وضعه في خانة الفأر الصغير الذي كان ينتشي بإحالة حياته إلى جحيم؛ نفس الفأر الذي يطلق التصريحات عن مدى دفاعية متصدر الجدول، بينما أقصى أمانيه هي الوصول لمقعد مؤهل لأوروبا.

ولكن حتى تلك التصريحات لم تُثر رغبة لدى الايطالي ليكون جزءًا من المسلسل، وكانت ردوده منطقية وهادئة على غير ما أراده جوزيه، لأن الجميع قد سأم التكرار بما فيهم جماهير البلوز نفسها، فجأة لم تعد الألاعيب النفسية مثيرة كما كانت منذ عدة أشهر، وأصبح المكان الأمثل لقصف الجباه هو مشاحنات المشجعين على فيسبوك لا مؤتمرات المدربين الصحفية، وكأن البطل الجديد أغراهم بخيانة القديم مرة أخيرة، وصار جوزيه هو الشخص الوحيد المستعد لإنتاج جزء ثاني وثالث من نفس المسلسل مهما بلغت رداءته، وحتى لو كان جمهوره الدائم قد غادر القاعة.

مفاجأة؟

وسط كل هذه الفوضى، فقط شخصية واحدة مهمة لم تنل الضوء الكافي؛ شخصية واحدة لم نر منها إلا قدميها، وعوملت بنمطية لا تستحقها، ولم تكن لعبة القط والفأر التي تثير جنون المشاهدين تعنيها، هي ذات الحذائين أو Mrs. Two Shoes؛ سيدة المنزل السمراء البدينة التي أُقحمت في السياق فقط لتهذب «توم» بين حين وآخر، وتم تهميشها لصالح ثنائيته مع «جيري» لأنها لم تقنع أحدًا بجدارتها بالبطولة، رغم كونها أهم الشخصيات تأثيرًا في الأحداث، لأن حضورها في أي مشهد كان يعني توقف الحرب بين الثنائي، ولو بشكل مؤقت على الأقل.

اعلان