Define your generation here. Generation What
الفرز من المنبع.. أكشاك القمامة في مواجهة الزبالين
 
 
صورة: هبة عفيفي
 

اﻵن يمكنك بيع قمامتك، 10 جنيهات لكل كيلو من «الكانز»، جنيهان لكيلو الزجاج، جنيه واحد للكرتون، ثمانون قرشًا لورق الصحف والكتب، وعشرون قرشًا للبلاستيك الشفاف والمرن. الشرط اﻷساسي للحصول على المال مقابل القمامة هي أن تقوم بفصل كل هذه اﻷنواع بنفسك. بعدها تستطيع التوجه إلى أحد أكشاك شراء هذه المخلفات، حيث يتم وزنها ودفع المقابل حسب هذه اﻷسعار المعلنة.

الفكرة

بدأ المشروع باقتراح من نادية هنري وشيرين فراج، النائبتان عن دائرة مصر الجديدة بالبرلمان، برعاية حكومية من محافظة القاهرة، ويعمل اﻵن اثنان فقط من هذه اﻷكشاك، في انتظار تعميم التجربة على مستوى أكبر وافتتاح أكشاك أكثر.

في مقابلة مع «مدى مصر»، تقول نرمين طلعت، صاحبة أحد هذه اﻷكشاك، إن الحي قام بتشييد الكشك وإصدار التراخيص وتسليمه إليها جاهزًا بعد دفع ثمنه، ثم قامت نرمين بتجهيز الكشك بالموازين والمكابس واﻷثاث الضروري لبدء العمل.

تضيف نرمين أن الكشك يقوم بكبس المخلفات التي يشترونها من المواطنين، وتغليفها وبيعها مرة أخرى للتجار والمصانع التي تعمل في إعادة التدوير. وتوضح أن اﻷسعار التي يشترون بها القمامة من المواطنين تتغير بحسب أسعارها فيما أسمته «بورصة» بيع المخلفات، وهي اﻷسعار التي تشتري بها المصانع هذه المخلفات، وتتغير كل يوم.

يُعيد زبّالو القاهرة تدوير 80% من المخلفات التي يجمعونها دون مقابل، مصدر الدخل الوحيد لهم هو ما يجنونه من بيع هذه المخلفات لمصانع إعادة التدوير أو بعد إعادة تدويرها.

يرى سلمان زعفر، رئيس شركة BioEnergy Consult للاستشارات البيئية، أن المبادرة تستهدف بشكل أساسي تشجيع المواطنين على فصل مخلفاتهم في المنازل. «يهتم العديد من الناس في مصر بإعادة التدوير»، يقول زعفر، مضيفًا: «لكن نقص مراكز إعادة التدوير يشكّل عائقًا كبيرًا».

تأتي مبادرة أكشاك شراء القمامة كمحاولة جديدة لمواجهة أزمة لا تنتهي في مدينة القاهرة. تنتج العاصمة 15 ألف طن من المخلفات الصلبة كل يوم، بحسب تقديرات مختلفة، يُجمع منها بين 40-60%.

إلى جانب القطاع الحكومي الرسمي المتمثل في الهيئة العامة للنظافة والتجميل، يتولى القطاع غير الرسمي، ويتمثل بشكل أساسي في «الزبالين» البالغ عددهم 70 ألفًا بحسب أحد التقديرات، العبء اﻷكبر من عملية جمع المخلفات وإعادة تدويرها.

يتحرك الزبالون باستخدام عربات يجرونها بأنفسهم أو تجرها حيوانات أو دراجات نارية تجر صندوقًا، يتوقفون للبحث في أكوام القمامة الملقاة في الشوارع أو المكدسة في صناديق، يقومون بعملية فرز سريعة لاستخلاص ما يهمهم؛ كرتون وزجاج وعلب صفيح وبلاستيك.

تجمبع القمامة داخل أحد الأكشاك - صورة: هبة عفيفي

إلى جانب الزبالين، يتحرك آخرون في معظم شوارع المدينة، ينادون «روبابيكيا». يمكن استدعاء أحدهم إذا كنت تمتلك مخزونًا من اﻷوراق والكتب أو قطع اﻷثاث القديمة ليشتروها منك. يقومون بتقدير الكمية التي ترغب في بيعها، والتفاوض معك على سعرها.

يُعيد زبّالو القاهرة تدوير 80% من المخلفات التي يجمعونها دون مقابل، وهي نسبة تتجاوز ثلاث أضعاف نسب إعادة التدوير في المدن الكبيرة في البلدان المتطورة. مصدر الدخل الوحيد لهم هو ما يجنونه من بيع هذه المخلفات لمصانع إعادة التدوير أو بعد إعادة تدويرها.

يشترك الزبالون مع أكشاك شراء المخلفات في دورة حياة هذه المخلفات بعد الحصول عليها. الفارق اﻷساسي هو فصل الزبالة من المنبع في حالة اﻷكشاك قبل بيعها لهم.

يمكن تصور مدى فاعلية نشاط الزبّالين قياسًا بعمل الشركات المتخصصة. في عام 2003، قررت الحكومة المصرية السماح لثلاث شركات دولية وشركة أخرى محلية بالعمل في السوق المصري للمساهمة في حل أزمة القمامة المتراكمة وتجاوز المخاطر الصحية والبيئية التي تتسبب فيها عملية الجمع العشوائية.

يشرح مقال للباحثة البيئية، برناديت سيمبسون، النتائج التي تلت التعاقد مع هذه الشركات. توضح برناديت أنه «كان مطلوبًا من هذه الشركات إعادة تدوير 20% فقط مما يتم جمعه».

يقول نقيب الزبالين إن مشروع اﻷكشاك الجديدة محكوم عليه بالفشل.

يدفع المواطنون تكلفة جمع القمامة بواسطة هذه الشركات إجباريًا من خلال إضافتها على فواتير الكهرباء، ولا تشمل هذه التكلفة جمع القمامة من المنازل. توضح برناديت أنه «لم يكن هناك عدد كافٍ من صناديق القمامة في الشوارع لاستيعاب كل المخلفات، وسرعان ما امتلأت الشوارع بطوفان من القمامة».

أزمة الزبالين

في بداية دخول الشركات للساحة، تأثر مجتمع الزبالين بشدة، نتيجة تدمير دورة عملهم، بدءًا من جمع القمامة من المنازل، مرورًا بعملية الفرز والبيع لمصانع إعادة التدوير، أو القيام بالتدوير بأنفسهم. لكن بعد فترة قصيرة فشلت الشركات في تحمل المسؤولية. «عند نقطة ما، أدركت الشركات أنها في حاجة إلى الزبالين، وحاولت التعاقد معهم، لكنهم كانوا يحصلون على أجور ضعيفة، وفي النهاية فشل النظام الجديد»، بحسب برناديت.

يعتقد زعفر في أهمية منح دور رائد للقطاع غير الرسمي فيما يتعلق بجمع المخلفات وإعادة تدويرها في أي مبادرة لحل اﻷزمة. «لعب القطاع غير الرسمي دورًا كبيرًا في إدارة المخلفات في المدن»، يقول زعفر، «وسيكون من الصعب تجاهل أهميتهم في أي استراتيجية لإدارة المخلفات في المستقبل».

وفي محاولة لتجاوز اﻷزمة، قررت وزارة البيئة في أواخر 2013 بالتعاون مع نقابة الزبالين تسجيل شركات يمتلكها الزبالون تتولى مسؤولية التخلص من القمامة، بحسب تقرير لصحيفة الجارديان. ويبلغ عدد الشركات التي تم تسجيلها 44 شركة في أواخر 2013، يعمل بها ألف أسرة من اﻷسر العاملة في جمع القمامة.

لكن شحاتة المقدس، نقيب الزبالين، يقول إن عدد الشركات التي تم تسجيلها حتى اﻵن يفوق هذا العدد بكثير: «هناك 7250 شركة مقيدة في هيئة الاستثمار يمتلكها الزبالون، لكن المحافظ لا يمنحها التراخيص اللازمة للعمل».

«الحافز المادي لتشجيع المواطنين على فصل مخلفاتهم لبيعها للأكشاك، غير كافي بمفرده لحل أزمة القمامة»

يرى المقدس أن مشروع اﻷكشاك الجديدة محكوم عليه بالفشل لعدد من اﻷسباب: اﻷول هو أنه يستبعد الزبالون من منظومته، وهو ما سيتسبب في قطع أرزاق اﻵلاف منهم. السبب الثاني هو أن هذه اﻷكشاك تعمل في المخلفات الصلبة دون تصور لحل مشكلة المخلفات العضوية كمخلفات الطعام وغيرها.

وفي اعتراض على المشروع الجديد، قرر بعض الزبالين القيام بإضراب جزئي عن العمل مطلع اﻷسبوع الماضي. لكن رئيس هيئة النظافة والتجميل بالقاهرة رد بأنه «لا نية مطلقًا ﻹلغاء فكرة شراء القمامة من خلال أكشاك شراء وتجميع المخلفات الصلبة»، بحسب تصريحات نقلتها صحيفة الشروق.

ودعا المقدس لاجتماع جمعية عمومية غير عادية لأعضاء النقابة اليوم اﻷحد لمناقشة مشروع أكشاك القمامة، إلا أن الاجتماع «أُلغي أمنيًا»، بحسب المقدس.

يعتقد زعفر أن الحكومة المصرية تكرر نفس الخطأ الذي اقترفته حين سمحت للشركات الدولية بتولي مسؤولية جمع المخلفات وإعادة تدويرها في 2003، وذلك باستبعاد القطاع غير الرسمي منها، قائلاً: «حرمان قطاع إعادة التدوير غير الرسمي من سبل عيشهم ليست فكرة سديدة».

لكن مشاكل قطاع الزبالين غير الرسمي ليست هي المشكلة الوحيدة فيما يتعلق بأكشاك شراء المخلفات الصلبة. يعتمد المشروع بشكل أساسي على الحافز المادي لتشجيع المواطنين على فصل مخلفاتهم لبيعها للأكشاك، وهو ما يراه زعفر غير كافي بمفرده لتغيير سلوك المواطنين فيما يتعلق بطريقة التخلص من هذه المخلفات. «[إصدار] قوانين صارمة وتنفيذها بفعالية إلى جانب سلوك عام مسؤول هو مفتاح الحل»، يقول زعفر.

تتفق نرمين مع زعفر، وتعتبر أن الدافع المادي ليس موجودًا لدى الجميع، قائلة: «بعض الناس طلبوا منا توفير أكياس قمامة ملونة لفصل المخلفات فيها بديلًا عن الفلوس». وعلى الرغم من هذا، فإنها ترى أن تأثيرات العائد المادي على مستوى صغير قد يشكل مدخلًا لتغيير الثقافة الجماعية فيما يتعلق بالمخلفات وطرق التخلص منها.

اعلان
 
 
محمد حمامة