Define your generation here. Generation What

موسيقى الإسلاميين: ضرورة الغناء عند أعداء الغناء

هل يحتاج الأمر لبسط نظريات علم الجمال ولتتبع لتاريخ الفن في علاقته بالمجتمع، لمعرفة ما إذا كان الفن ضرورةً أم ترَفا؟

وقع في خبرتي الشخصية قريبًا أن صرح لي صديق باعتقاده أن الفن زائدة للبشرية ليس لها ما يوجبها، ويمكن استئصالها في يُسر. أحالَني هذا إلى الثنائية الكلاسيكية لضرورات الحياة من ناحية، ورفاهياتِها من الناحية الأخرى، وإلى هرَم الاحتياجات التقليديّ الذي توصّل إليه عالم النفس الراحل أبراهام ماسلو، وتقبع في قاعدته الحاجات الفسيولوجية، فيما تضمّ قمته الحاجة إلى الابتكار بما يفترضه من خَلق فني. صحيح أن الانتقادات الموجّهة إلى هذا النموذج الهرميّ كثيرة، لكنه يظل متمتعًا بقَبول عالمي.

في الحفل الوحيد الذي حضرته للإخوان المسلمين كان الجمهور الإخواني متفاعلاً مع مجموعة أغانٍ قدمتها الفرقة الموسيقية، ولم أسمع بها قبل ذلك. وكان الأمر بالنسبة لي أقربَ إلى اختراق جيتّو ثقافي مبهِر في تفاهمِه وحماسِه لفنّه البديل.

تخبرنا الملاحظة أن الإنسان، حتى مع اشتداد الفاقة وصعوبة ظروف العيش، يحاول إضافة لمسة فنية بسيطة إلى طعامه، كما قد تخطر بباله أغنية وقد لا يجد لها دفعًا فيغنيها وهو مُشرف على الموت.

أما ما هو أدلّ على ضرورة الفن، فهو أن تنشق جماعة ما على الأعراف المجتمعية الراسخة، فتكفّر المجتمع، وتعلن اعتقادها في حرمة الغناء والموسيقى وتحيط الفن بمحاذير لا حصر لها، ثم تقرر أن تتخذ لها نشيدًا/ أغنيةً تلخّص رؤيتها للعالَم ورسالتها في الحياة!

حينما نتداول مثلًا نشيد «صليل الصوارم» لتنظيم داعش، أو نستمع إلى أحد أناشيد جماعة الإخوان المسلمين، نصطدم بمفارقة أن ما يُقَدّم في هذه الحالة هو فن بالتأكيد. إنه ذلك المنجَز البشري الذي يعرفه الأفراد والمجتمعات دليلًا على الشعور بالحرية.

وتثير هذه المفارقة سؤالين، أولهما: ما أصل حكاية حرمة الغناء والموسيقى في الإسلام؟

تنطلق الحكاية من فهمٍ ما للآية السادسة من سورة «لقمان»: «ومن الناسِ من يشتري لهو الحديثِ ليُضِلَّ عن سبيلِ اللهِ بغيرِ علمٍ ويتخذَها هُزُوا، أولئك لهم عذابٌ مُهينٌ»، باعتبار لهو الحديثِ مرادفًا للغناء. وفي الحقيقةِ لا غبار على جعل الغناء مرادفًا للهو الحديث، فالفنّ بطبيعته لهو، وهو ما يعرَفُ إنسانية الإنسان بحسب كتاب «الإنسان اللاعب Homo Ludens» للمؤرخ وفيلسوف الحضارة الهولندي يوهان هايزِنجَه. لكنّ شرط التحريم في الآية – والذي يجري تجاهلُهُ باستمرار- هو نية الإضلال عن سبيل الله، وهو شرطٌ مقيِّدٌ يُطلَق الحُكم بالتحريم دائمًا بتجاهلِه!

ما الذي تمكننا معرفته من خلال رصد أغاني أعداء الغناء كظاهرة ثقافية؟

الركن الثاني في مسألة تحريم الموسيقى يستند إلى الحديث الشريف: «ليكوننَّ من أمتي قومٌ يستحلّون الحِرَ والحريرَ والخمر والمعازف» الوارد معلّقًا في صحيح البخاري، ولعلّ الحديث يقصدُ الصورةَ كلّها – كما يعلق الشيخ الغزالي – أي الحفل الذي يضم الإباحة الجنسية والخمر إلى جانب الموسيقى.

لن تقنع هاتان الحُجّتان السريعتان بالطبع معظم من يقولون بحرمة الغناء والموسيقى في الإسلام، لسببٍ يتعلّق بأن الناس عمومًا تعاني القصور الذاتي في مسألة الثقافة، ويمنعهم الكسل العقلي في المقام الأول من تغيير مساراتهم الفكرية، ولأنهما حجتان سريعتان لا يتسع المقام للزحف وراءهما!

أما السؤال الثاني، الذي تثيره المفارقة فهو: ما الذي تمكننا معرفته من خلال رصد أغاني أعداء الغناء كظاهرة ثقافية؟

«أعداء الغناء» يعتبر قطعًا تعميمًا متسرّعًا، ومشحونًا عاطفيًّا كذلك، إذا أردنا الإشارة إلى كل أطياف الإسلام السياسي، ولذا فسنحجزه للسلفية الجهادية ممثّلةً في داعش!

في الحفل الوحيد الذي حضرته للإخوان المسلمين عام 2011 في نقابة الأطباء، كان الجمهور الإخواني متفاعلاً مع مجموعة أغانٍ قدمتها الفرقة الموسيقية، ولم أسمع بها قبل ذلك. كان الأمر بالنسبة لي أقربَ إلى اختراق جيتّو ثقافي مبهِر تمامًا في تفاهمِه وحماسِه لفنّه البديل. هنا توجد الآلات الموسيقية مصاحبةً للغناء، ولذا يصف السلفيون الإخوان بـ«المُبتَدِعَة».

أغنية ختام الحفل كانت أكثر ما جذب الجمهور للاشتراك الجماعي في الغناء. كانت «لبَّيكَ إسلامَ البطولةِ كلُّنا يَفدي الحِمَى»، وكانت بحسب الظاهر في ذلك الحفل أقربَ إلى نشيد (وطني/ أُممي) للجماعة، فالكلُّ قام من مكانه ليشارك في الغناء واقفًا.

تبدأ الكلمات في بعض نسخ النشيد من مشهد فتاةٍ تسأل أباها أن يصف لها بلادها، فيما يشبه بكائيةً من عرب الشتات على ضياع فلسطين، ثم ينطلق النشيد بعد ذلك في إعلان الاستعداد لخوض القتال من أجل الإسلام. جاءت الكلمات عروضيًّا في مجزوء البحر الكامل بتفعيلته المتكررة «مُتَفاعِلُن متفاعلن»، وهو من الأبحر الصافية التي تلائم لدرجةٍ ما الخطابية والتقريرية الواضحتين في هذه الكلمات. أما مقام الأغنية من بدايتها إلى نهايتها، فهو «الكُرد» دون أي تنويعات مقامية أخرى، وهو مقام شجي مشحون بالحنين، لا نجده مثلًا في أناشيد السلام الوطني، إلا حين نتحدث عن النشيد الوطني غير الرسمي لفلسطين «موطني» الذي ظلّ على مكانته منذ كتبه إبراهيم طوقان ولحّنه محمد فليفل عام 1930، إلى أن استبدل به نشيد «فدائي» عام 1972.

جاء الحنين بالطبع تيمة أساسية للنشيدين الحالمَين بالعودة إلى وطنٍ ما. لكن لا يمكن إغفال الدموية الطافحة في نشيد الإخوان المسلمين في جُمَل مثل «لبّيكَ فاجعل من جماجمِنا لعزِّكَ سُلّما/ لبيك إن عطشَ اللِّوا سكب الشبابُ له الدِّما».

هل يمكننا أن نتصور «صليل الصوارم» سلامًا وطنيًّا في سيناريو كابوسي تصعد فيه داعش إلى السلطة؟

هذا البيتان صادران عن تصوّرٍ للوظيفة الأساسية للمسلم باعتباره مقاتلاً، وللإسلام باعتباره حالةً دائمةً من القتال. الأغنية مشحونة باستنفار للقتال يندر أن نجد له مثيلاً في غيرها، ويعضده تكريس تقسيم الناس إلى معسكرَي الحق والباطل «هذي الجموعُ غدًا سيُجمَعُ شملُها في دولةِ/ ولسوف تنهضُ كي تحطِّمَ باطلاً في جولةِ» في حُلمٍ بالتمكين القرآنيّ المنتظَر كما يفهمه جيتّو الإخوان الثقافي.

أما الطرف الأكثر دمويةً في حركات الإسلام السياسي «داعش»، فلا يقلّ تصوره عن الغناء تطرفًا عن ممارساته في الحياة العربية. كان نشيد «صليل الصوارم» مفاجئًا للجمهور العربي لحظة ظهوره، ثم سرعان ما انتهكه المصريون سخريةً بوسائل مختلفة على يوتيوب ومواقع التواصل الاجتماعي.

هل يمكننا أن نتصور «صليل الصوارم» سلامًا وطنيًّا في سيناريو كابوسي تصعد فيه داعش إلى السلطة ويستتبّ لها الأمر؟!

ينضح النشيد في الحقيقة بتجلّيات مفهوم «الولاء والبراء»، كما يفهمه التيار السلفي الجهادي، من أول عنوانه الذي يجنح إلى شكلٍ من أشكال التسلّف اللغوي باختيار مفردتي «الصليل» و«الصوارم» بديلاً عن «الرنين» و«السيوف» مثَلا. ففضلًا عمّا يبدو من خروج مفردة «الصوارم» من تراث الشِّعر العربي القديم، فهي تقدّم الجانب الوظيفي من السيوف باعتبارها آلاتٍ لقطع الرءوس («صرم» أي «قطع»)، وهو ما يكرّس دموية أصيلة في رؤية أصحاب النشيد لأنفسهم وللعالَم.

هذا إلى جانب الانحياز لحرف «الصاد» المعروف في أدبيات التجويد القرآني كحرف صفير مُفخَّم، وتخبرنا التجربة أنّ كثيرين من العرب المعاصرين – لا سيّما في مصر – لا ينطقونه النطق السليم. هكذا يترسخ ولاء المُنشِد لجماعة الصارمين، كما يترسخ براؤه من الناعمين المخنثين الذين لا ينطقون الصاد كما يجب!

يستمر هذا عبر أبيات النشيد المصوغة في البحر المتقارب «فعولُنْ فعولُنْ»، حيث ينقسم الناس بين «طغاة» و«بغاة» و«عُداة» وبين «أُباة» و«كُماة» و«هُداة»، في وضوحٍ يغري بالتساؤل عن مصدر هذا اليقين الذي لا يتزعزع بصحة موقف المُنشِد وخطأ من لا يوافقونه.

نحن هنا أمام موسيقى شجية وحزينة، يصاحبها إنشاد يستدفئ بالدم، ويستعذب «كاتمِ صوتٍ جميلٌ صداه»

اللافت هنا هو مقام النشيد، «البياتي»، وهو مقام يوحي عادةً بالدفء والألفة، ومن مقامات ثلاثة أرباع التون المميزة للموسيقى الشرقية، ومن الغريب استخدامه لإنشاد كلماتٍ على هذا القدر من الدموية. نحن هنا أمام موسيقى شجية وحزينة، يصاحبها إنشاد يستدفئ بالدم، ويستعذب «كاتمِ صوتٍ جميلٌ صداه»!

ربما يكون نشيد «استميتوا هَبُوا الجحيمَ اضطرامَه» المنسوب إلى جبهة النصرة بالشام واحدًا من أفضل هذه الأناشيد فنيًّا، حيث امتزج الحنين إلى فردوسٍ إسلامي مفقود بمشاعر الفخر بالوطن «الشام» كما في: «لم تكُ الشامُ غير قِبلةِ صبرٍ/ أمَّها الدهرُ غاضبًا في شهامة»، فصحيحٌ أن هناك ركاكةً بيّنةً في تعبير «غاضبًا في شهامة»، إلا أنّ الإحالة المحتملة إلى تاريخ أولى القِبلتين الإسلاميتين بالشام وصبر نبي الإسلام عليها في «لم تكُ الشامُ غير قِبلةِ صبرٍ»، تضفي عمقًا ما على النشيد. جاءت الأبيات في البحر الخفيف، وهو بحر مركَّب «فاعلاتُنْ مُتَفعِلُن فعِلاتُن» يغري طول أشطره بالاسترسال في السرد واستقصاء المعنى. أما مقام النشيد فكان النهاوند الكُردي الموافق للسلّم الصغير الغربي بلونه الحزين، وقد كان مناسبًا لطبيعة الكلمات، كما لعبت التآلفات الهارمونية (الكوردات) المعزوفة على طول النشيد دورًا في إثراء نسيجه.

أما نشيد «قادة القاعدة» المصوغ في بحر الرَّمَل «فاعلاتُنْ فاعلاتُنْ»، والمغنَّى في مقام الكرد مع تعريجاتٍ إلى مقام الحجاز، فهو مليء بالأخطاء النحوية على غرار نصب خبر إنّ في بيت «إنّ أنصار الشريعة/ في الجزيرة صامدينا»، فضلًا عن السقطات العَروضية كذلك، وهو واحدٌ من أفقر الأناشيد وأوفرها حظًّا من الضحالة على مستوى الصورة. لكنه يمتاز بذكر شيوخ تنظيم القاعدة بالاسم، ابتداءً من أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، ومتابعة الأحداث الجارية في اليمن تحديدًا.

وأخيرًا تأتي أنشودة «غرباء»، في بحر الرَّمَل ومقام النهاوند، «غرباءٌ وارتضيناها شعارًا في الحياة» نموذجًا ملخِّصًا لرؤية المنتمين إلى التيارات الجهادية لأنفسهم، ولا يسَع المرء معها إلا تذكُّر نشيد «الأمل.. هاتِكْفاه»، وهو السلام الوطني الإسرائيلي، أحد السلامات الوطنية المعدودة عالميًّا المعزوفة في النهاوند/ السلّم الصغير بإيحاءاته الحزينة، حيث قد تتماس كل من رؤيتي الإسلاميين والصهاينة بشدة في الشعور العميق بالغربة.

لا أدري في النهاية إذا كان هناك متسَع من الفرصة لتلاقينا، كمتذوقين للموسيقى، مع من سميناهم ابتداءً بـ«أعداء الغناء»، على أرضية مشتركة من المشاعر يتنصلون منها على المستوى النظري، ولا يملكون منها فكاكًا على مستوى الممارسة، وهل هناك متسَعٌ لهم من التفكير في العودة إلى الحوار مع من سمّوهم بـ«الكفار»، وقرروا إزاحتهم من فردوسهم الخالص الذي يحلمون به. أعرف أنها أمنية مستحيلة التحقق بالطبع، لكني لا أملك إلا تمنيها.

اعلان
 
 
محمد سالم عبادة