Define your generation here. Generation What

عايروك فقالوا: تذكرة المترو في مصر الأرخص عالميًا

بين الحين والآخر يطل علينا وزير نقل جديد أو إعلامي كبير ليخبرنا بأن سعر تذكرة المترو في مصر هو الأرخص في العالم، وأن الشركة مدينة بملايين الجنيهات، وأنه لا يمكن الإبقاء على هذا الوضع، وليس هناك تذكرة مترو أو أتوبيس في العالم بجنيه، وكأنه جنيهًا استرلينًيا مثلًا، هؤلاء ممن يرددون تبريرات واهية بأن لدينا أرخص تذكرة مترو، وأرخص تذاكر أتوبيسات نقل عام، وأن الأسعار غير عادلة، وكأن الأجور هي العادلة، ويعايروننا بما يسمونه دعمًا، يتغافلون عن العديد من حقائق.

أول هذه الحقائق وأكثرها إيلامًا للباحثين والمتخصصين، الذين لا ينخدعون بكلام وزير هنا ومسؤول هناك، هي أن من يطلقون هذه الصيحات لرفع أسعار التذاكر بدعوى ارتفاع التكلفة وأنها الأرخص عالميًا، أنهم يحولون سعر التذكرة للعملات العالمية الرئيسية في مخيلتهم، دون أن يخطر على بال أحدهم أن يقوم بتحويل الأجور في مصر لنفس هذه العملات، ليتغاضوا عن الحقيقة المرة المتمثلة في ارتفاع نسبة ما يشكله الإنفاق على المواصلات كنسبة من دخل المصريين مقارنة بالعالم.

بحسبة بسيطة، لنفترض أن مواطنًا في مصر يعمل بالحد الأدنى للأجور، الذي يعتبره البعض أحد أهم الإنجازات في مجال العدالة الاجتماعية، والذي أُقر بعد ثورة أو ثورتين كما يحلو لمبرري هذا المسعي لرفع الأسعار، وهو 1200 جنيه شهريًا، أقل من 70 دولارًا بسعر 17 جنيهًا للدولار؛ هذا المواطن سيذهب للعمل، بالإضافة لكل تحركاته الاجتماعية وغير الاجتماعية 30 مرة شهريًا ذهابًا وإيابًا مستخدمًا المترو فقط، ما يعني أنه سيدفع 60 جنيهًا مصريًا في المشوار، تمثل 5% من أجره الشهري، وعندما تتم مضاعفة قيمة التذكرة فإن هذه التكلفة ستشكل 10% على الأقل من دخل من يحصلون على الحد الأدنى للأجور.

لنفترض نفس الافتراض بنفس الشروط في عدة دول، ونرى إن كانت انتقالاتنا هي الأرخص.

في ألمانيا التي ينظر إليها البعض باعتبارها الحارس الأمين على الرأسمالية الأوروبية، يبلغ الحد الأدني للأجور المطبق فيها منذ 2015 وفقًا لقرار البرلمان الألماني في 3 يوليو 2014 هو 8.5 يورو لساعة العمل، أي أن الحد الأدنى للأجر الشهري لمن يعمل 8 ساعات يوميًا 2040 يور شهريًا. تختلف أسعار تعريفة تذاكر المواصلات العامة المحلية Verkehrsverbund، من مدينة لأخرى وضمن المدينة حسب تقسيم مناطق التعرفة، لكن يمكن الاسترشاد بسعر البطاقة المفتوحة لمدة شهر، التي تكلف عادة من 60 – 80 يورو، ويمكنك تحديد صلاحيتها من بعد الساعة التاسعة فتصبح أرخص بحوالي 25 يورو، وإذا افترضنا الحد الأقصى للتكلفة، 80 يورو شهريًا، فهي تمثل 3.9% من الأجر الشهري.

ماذا عن فرنسا؟ يبلغ الحد الأدنى للأجر هناك 10 يورو مقابل الساعة الواحدة، أي أن من يعمل لثماني ساعات يوميًا سوف يحصل على 2400 يورو، ويمكن للشخص سواء كان موظفًا أو سائحًا استعمال كارت المواصلات العامة Navigo للتنقل بين جميع مناطق وسط باريس وعلى أنواع الوسائل التالية: bus, Metro, RER, Ile-de-France (Transilien) trains، لمدة شهر بمقابل 73 يورو أي ما نسبته 3% من دخله الشهري.

سوف يسارع أصحاب التيار المبرر لرفع الأسعار في مصر للقول بأن هذه دول متقدمة ودول رفاهة، وسنذهب بنفس الافتراض نحو دول أوضاعها الاقتصادية شبيهة بأوضاعنا أو أكثر سوءًا.

في فنزويلا، وصل الحد الأدنى للأجر في 2017، 40 ألف و683 بوليفار فنزويلي شهريًا، بخلاف ما يحصل عليه الفنزويليون من كوبونات طعام تتجاوز قيمتها هذا المبلغ، وإذا علمنا أن سعر تذكرة المترو الصالحة لجميع الخطوط الأربعة في الاتجاهين ليوم واحد في مترو كاراكاس هو 8 بوليفار فنزويلي، فإن المواطن الفنزويلي يدفع 240 بوليفارًا فنزويليًا في الشهر مقابل ركوب المترو، تمثل 0.6% من دخله الشهري.

في الهند، نهاية أغسطس 2016، تم اعتماد حدًا أدني للأجر اليومي 350 روبية/يوم، أي بمعدل 10 آلاف و500 روبية شهريًا. تبدأ قيمة شحن كارت المواصلات من 100 روبية، وبعضها تبدأ قيمته شحن أو إعاد شحن كروتها من 200 روبيه، وتحتسب قيمة التذكرة وفقًا للمسافة وعدد المحطات، وحوالي 70% من ركاب مترو دلهي يستعملون كروت المواصلات الذكية، فإذا افترضنا أن المواطن بنفس الشروط السابقة يقوم بشحن هذا الكارت بقيمة 250 روبية فإنه يدفع 2.4% من دخله الشهري كتكلفة انتقالات داخل دلهي.

الحقيقة الثانية تتعلق بالكفاءة، والمقصود هنا كفاءة إدارات هذه الشبكات وقدرتها على منافسة القطاع الخاص في توفير وسائل نقل آدمية للمواطنين، إن صح منطق المنافسة في الاقتراب من الحق في التنقل بحرية وآدمية وكرامة، وليس منطق الخدمات العامة الذي تطبقه أعتى الدول الرأسمالية دون أن تُعاير مواطنيها بدعم هذه المواصلات أو تتحايل عليهم لرفع أسعارها بدعوى أنها تخسر.

ومن بين معايير عدم الكفاءة في مصر عدم وجود خريطة مناطقية للمواصلات العامة؛ بمعني أننا لا يمكننا أن نحدد ما إذا كانت وسائل النقل العام وأماكن مواقف المواصلات الجماعية الخاصة تكمل بعضها أم أنها تنافسية أم أن لاعلاقة بينها على الإطلاق، وهذا يرتبط بغياب أية معلومات حول عدد من يتنقلون داخل المدينة الواحدة للوصول إلى أشغالهم اليومية، سواء كانوا موظفي قطاع خاص أو عام، ومن ثم صعوبة -إذا استبعدنا عدم الإرادة- الوصول لماهية السعر العادل للتذكرة.

ذات يوم تساءل أحد ركاب أتوبيسات «صنع في الإمارات»، وهي منحة إماراتية عبارة عن 600 حافلة نقل عام، لماذا ندفع تذاكر وهذه الأتوبيسات منحة مجانية من الإمارات؟ لم يستطع المحصل إجابته. لبرهة فكرت في منطقية جزء من سؤاله؛ فبما أن هذه الباصات منحة فإن ما يجب أن يدفعه المواطن هو تكلفة أجر السائق والصيانة والوقود والمحصل، والتي بالتأكيد أقل من 2 جنيه سعر التذكرة. ونفس المنطق يمكن تطبيقه على عمليات تطوير بعض خطوط المترو التي تتم بمنحة يابانية، فهل يتاجر هؤلاء بالمنح ويعايروننا بدعم هو غير موجود؟

ليصارحنا هؤلاء، ولو مرة واحدة دون مراوغة، بأن هذه معركة تتعلق بالانحيازات والمشروطيات، وليس لها علاقة بحسابات التكلفة والعائد وبرامج الإفساد الهيكلي التي يزعمون أنها لم تُفرض عليهم، وأن السلطة الحاكمة هنا لا تدخر جهدًا في تدمير ما تبقى من دولة سواء بقصد أو بدون قصد، وهي أيضًا ليست متعلقة بعقلانية أو رشادة اقتصادية، حيث أن الطلب على المواصلات غير مرن، وأن أي ارتفاع في أسعار المواصلات العامة قد يؤدي تلقائيًا لمضاعفة تكلفة الانتقال عبر الميكروباصات، وزيادة الطلب عليها مع ما بها من مشكلات، وأن هذا يرتبط بزيادة الطلب على الوقود المطلوب لتسيير هذه الميكرو باصات وأتوبيسات التعاونيات، التي لا تختلف كثيرًا عنها في الأسعار. وإن كانت القصة هي الدعم فإن الزيادة في الأسعار قد لا تغطي تكلفة دعم الوقود، الذي سوف تتطلبه زيادة الطلب على وسائل الانتقالات الخاصة، وما يترتب عليها من حوادث وازدحامات، فهل هذه هي الرشادة والعقلانية؟

اعلان