Define your generation here. Generation What

الشعبوية في عالم مختلف

رغم شعور القوى التقدمية في أنحاء العالم المختلفة بالانزعاج من الصحوة الجديدة للأفكار العنصرية والانعزالية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية، إلا أن أغلب المفكرين والسياسيين الديمقراطيين يعتقدون أنها صحوة مؤقتة، وأن التاريخ لن يدور دورة كاملة إلى الوراء، لتتكرر مآسي النصف الأول من القرن العشرين مع النازية والفاشية وعموم الديكتاتوريات القومية اليمينية.

يسري هذا الرأي أيضًا على نزعة الإحياء الاستعماري التي تتردد تعبيراتها أحيانًا في خطاب الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب، وحليفته المفضلة رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي.

وفي النقطة الأخيرة بالذات، يكفي أن نتذكر أن ستينيات القرن الماضي شهدت ظاهرة مماثلة، كان يطلق عليها في حينها اسم «الاستعمار الجديد»، وكان المقصود محاولة القوى الاستعمارية لاستعادة هيمنتها على دول العالم الثالث حديثة الاستقلال، واستعادة استغلالها لموارد هذه الدول بأدوات جديدة، ليس من بينها الاحتلال العسكري والحكم المباشر أو فرض الحماية، وإنما عن طريق الانقلابات العسكرية التي تطيح بالقيادات المناهضة للاستعمار والساعية إلى إنهاء الاستغلال الأجنبي لثروات بلادها، فتوضع على رأس السلطة قيادات بديلة عميلة لدول الاستعمار القديمة، أو عن طريق توجيه شروط التبادل التجاري الدولي ضد خطط التنمية الاقتصادية في تلك الدول حديثة الاستقلال.

يكفي أن نتذكر أن الاستعمار الجديد لم يلبث هو الآخر أن لقي مصيره الفاشل المحتوم، حتى وإن كان قد أحرز بعض الانتصارات المؤقتة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وأسيا، وكانت الهزيمة العسكرية والسياسية الأمريكية في حرب فيتنام، ورضوخ واشنطن لحقائق التاريخ والواقع بالاعتراف بجمهورية الصين الشعبية، هما نقطتا التحول الأكبر، اللتين أفضتا إلى انهيار كل الخطط الاستعمارية الجديدة، فاكتمل تحرر أمريكا اللاتينية، وبدأت تحولها الديمقراطي ومسيرتها التنموية، وكذلك ظهرت النمور الآسيوية، التي بدأت هي الأخرى مسيرة التحول الديمقراطي، وسرعان ما لحقت بها الصين نفسها بإصلاحات إقتصادية جسورة، وإصلاحات سياسية محدودة، ثم الهند، فكثير من دول إفريقيا جنوب الصحراء.

كل ذلك حدث لسبب جوهري، وهو أن الأجيال الجديدة من شعوب العالم الثالث التي استهدفها الاستعمار الجديد، كانت قد اختلفت من حيث الوعي والبنى الاجتماعية، عن الأجيال السابقة من هذه الشعوب نفسها حين خضعت للاستعمار القديم، إذ أن هذا الاستعمار القديم ذاته أنتج نقيضه وفقًا لقوانين الجدلية الاجتماعية، وتمثل هذا النقيض في مفهوم «الوطنية» بمكوناته السياسية والاقتصادية والثقافية، ولا جدال في أن ما دخل في ركاب هذا الاستعمار من نظم حديثة في التعليم والإدارة والتصنيع، ساهم في صنع تلك التغييرات التي هزمت الاستعمار الجديد، كما سبق لها أن طردت الاستعمار القديم. كما يمكن الجزم بيقين أن النزعة الاستعمارية المتجددة لدى ترامب وماي ستبوء هي الأخرى بالفشل الذريع (راجع مقالنا في «مدى مصر» بعنوان «إحياء الاستعمار في عقيدة ترامب وتريزا ماي»).

وإذا عدنا إلى النقطة الأولى التي بدأنا بها هذا المقال، وهي أن الشعبوية الجديدة في الغرب الصناعي ليست إلا ظاهرة مؤقتة أو عابرة، وأن التاريخ لن يعود إلى النصف الأول من القرن العشرين، فإن أسباب اليقين بهذه الرؤية، تماثل الأسباب التي أدت إلى سقوط «الاستعمار الجديد»، والتي ستؤدي لفشل النزعة الاستعمارية المتجددة لدى الحكومتين الحاليتين في الولايات المتحدة وبريطانيا، أي أنها أسباب منبثقة من تغير وعي الأجيال والبنى الاجتماعية، مقارنة بما كان سائدًا في أوروبا حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.

كانت روافد الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية، وامتداداتهما في أسبانيا والمجر وصولًا إلى اليابان، هي أولًا المد القومي الكاسح الذي أطلقه تحقق الوحدتين الإيطالية والألمانية، رغم الصعوبات الجمة التي يلمسها قارئ أحداث تلك الحقبة، وثانيًا، التحدي الشيوعي الأممي للفكرة القومية، وكان هذا التحدي هائلًا هو الآخر بدوره في تلك الحقبة من التاريخ، خاصة مع تفشي الفقر والبطالة في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى وبسببها، لا سيما في ألمانيا وإيطاليا، وثالثًا، التنافس على التوسع الاستعماري والهيمنة بين الدول الكبرى في أوروبا وقتذاك، والتنافس الأمريكي الياباني المماثل على النفوذ والهيمنة في الشرق الأقصى.

وفي الوقت الذي كانت فيه هذه الروافد الثلاثة للفاشية والنازية وامتداداتهما كاسحة كما سبق القول، فإن أجهزة المناعة ثم المقاومة المجتمعية كانت ضعيفة للغاية، إذ لم تكن التقاليد والمؤسسات الديمقراطية قد ترسخت مثلما هو الحال الآن، بل كانت هذه التقاليد مزعزعة في كل أوروبا تقريبًا عدا بريطانيا، ففي فرنسا لم يكن قد مضى وقت طويل على سقوط إمبراطورية نابليون الثالث، وكانت ألمانيا تحت الحكم القيصري، وكذلك إيطاليا كانت تحت حكم ملكي يميني، فيما كانت الامبراطورية النمساوية لا تزال تفرض سيطرتها الأوتوقراطية على معظم دول الوسط الأوروبية، وفي البلقان، في حين كانت القيصرية الروسية تضرب أسوأ الأمثلة في القمع والاستبداد، كانت الامبراطورية العثمانية قريبًا منها مستعصية على الحداثة.

لم يكن هناك في تلك الحقبة من التاريخ بالطبع ما يمكن أن يسمى بـ«المجتمع المدني»، كقوة مشاركة في الحياة السياسية في الدول الديمقراطية، عكس الحادث حاليًا، وكذلك لم تكن وسائل الاحتجاج السلمي والعصيان المدني قد ابتُكرت وتبلورت، ولم تكن هناك وسيلة للتغيير السياسي سوى الحروب والثورات الدامية.

 ويرتبط بذلك أن «الرأي العام» كقوة رئيسية، تسهم في صنع نجاح أو فشل الحكومات والسياسات، لم يكن له وجود أو اعتبار في الزمن الذي نتحدث عنه. ويقود الحديث عن قوة الرأي العام في الوقت الحالي تلقائيًا إلى الحديث عن الثورة الاعلامية، وثورة الاتصالات، وأثرهما الفوري في نقل المعلومات وتكوين الآراء، وصولًا إلى الحشد والاصطفاف.

ومن أوجه الاختلاف الأخرى بين العصر الذي تمكنت فيه الشعبوية القديمة، وبين العصر الحالي الذي تطل فيه الشعبوية برأسها من جديد، انتشار التعليم العام في العالم كله، وليس في العالم المتقدم فحسب، ودخول الجامعات ومراكز البحث الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ساحة العمل العام، وقيام ونجاح دولة الرفاه الاجتماعي، بما قضى نهائيًا على الفاقة والمجاعات التي كانت تجتاح طبقات وأقاليم بأكملها، فضلًا عن رسوخ وتجذر التنظيمات النقابية والعمالية والمهنية.

لكن صورة العالم المعاصر، والتي تختلف جذريًا عن صورته في نهايات القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، لا تكتمل إلا إذا أضيف إليها استتباب فكرة القانون والتنظيم الدوليين ومؤسساتهما، ورغم التحفظات التي تعلو نبرتها أحيانًا لدى الانعزاليين الأمريكيين على الأمم المتحدة ووكالاتها، فإن هذه التحفظات لا تصل إلى حد الرغبة في تقويض هذا الانجاز الرائع للبشرية، بل إن القوى الديمقراطية المؤمنة بهذا التنظيم داخل أمريكا نفسها متجذرة وفاعلة.

قبل ذلك كله وبعده، تأتي خبرة الماضي لتؤكد اليقين بأن الشعبوية الجديدة مجرد ظاهرة عابرة، أو هي تنفيسة غضب من أخطاء بعينها، أو كما أفضّل أن أسميها «آخر انعطافة يمينية حادة»، قبل إعادة اكتشاف فضائل الاعتدال والديمقراطية والوحدة الإنسانية، إذ تؤكد خبرة ذلك الماضي، الذي لا يبعد كثيرًا في الزمان، أن الشعبوية القديمة لم تجلب لشعوبها ولبقية شعوب العالم سوى البؤس والدمار وهلاك الحرث والنسل.

هذه التطورات والخبرات التي تصنع الاختلاف بين عالم اليوم وعالم النصف الأول من القرن العشرين، هي ما تجعل الشعبوية الجديدة بمثابة نبتة تحاول النمو في غير تربتها، ودون ظروف مناخية ملائمة.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد