Define your generation here. Generation What
معركة الكتاب في زمن الأزمة الاقتصادية: مُزور رخيص أم أصلي غالي؟
 
 

ذات يوم من أيام معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام ترك الناشرون الرسميون منافذ البيع واتجهوا نحو منافذ باعة «سور الأزبكية». اتهم الناشرون الباعة بسرقة مطبوعاتهم وتزويرها، وسرعان ما تحول الشجار اللفظي إلى تشابك بالأيدي.

يحارب الناشرون في مصر قرصنة الكتب على مدار السنوات الماضية. وطرحت تلك الحرب أسئلة حول التحديات الاقتصادية التي تواجه صناعة النشر، وانتهاكات حقوق الملكية الفكرية. ورغم نجاحها في الحد من تزوير الكتب باللغة العربية، إلا أن دور النشر لم تحقق نفس النجاح مع تزوير الكتب باللغة الإنجليزية.

«اللي يزّور كتاب بالعربي له حقوق مؤلف هنا في الأزبكية، يستاهل اللي يجرى له»، هكذا يعتقد حسام السعيد، صاحب متجر لبيع الكتب المستعملة في سوق الأزبكية. ولكن بالنسبة للكتب باللغة الإنجليزية، كان له رأي مختلف.

لم يتمكن باعة سور الأزبكية من بيع النسخ المزورة من الكتب العربية في معرض الكتاب هذا العام بسبب الحملة التي شنتها شرطة المصنفات الفنية عليهم، في حين لم تتأثر حركة بيع الكتب الإنجليزية المزورة.

يعتقد السعيد أن حقوق الملكية الفكرية لا يجب أن تنطبق على الكتب الإنجليزية في مصر، لأن أسعارها الباهظة تحرم الطلاب من الحصول عليها. وأشار إلى ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ عقب انخفاض قيمة الجنيه المصري إلى النصف بسبب تعويم الجنيه في نوفمبر الماضي.

قرصنة الكتب أمر شائع في مصر، ولكن شرطة المصنفات الفنية صادرت العديد من الكتب العربية المزورة، في حين غضت الطرف عن تزوير الكتب الإنجليزية، بحسب السعيد الذي أضاف أن السلطات تداهم السوق عادة عند تقدم الناشرين ببلاغ.

وأوضح السعيد لـ«مدى مصر» أن متاجر بيع الكتب في سور الأزبكية هي الحلقة الأخيرة في سلسلة بيع الكتب، وأن تزوير الكتب يتم في مطابع  في حلوان بالقاهرة، ودار السلام بالإسكندرية. وتقوم بعض المطابع المرخصة بالتزوير، إذ تحتفظ بنسخة مطبوعة لاستخدامها في طبع نسخ مزورة.

تعويم الجنيه يشعل المعركة

تعرض متاجر الكتب في سور الأزبكية النسخة المزورة من الأعمال الأدبية الإنجليزية بأسعار تتراوح من 20 إلى 30 جنيهًا، في حين تُباع النسخة الأصلية من نفس الرواية أو الكتاب في متاجر بيع الكتب الكبيرة بأسعار تتجاوز 100 جنيه.

ويؤكد شريف عبد الفتاح، شقيق ومساعد صاحب متجر للكتب في سور الأزبكية، على أن كل المطبوعات الجديدة المعروضة للبيع في سور الأزبكية هي نسخ حصلوا عليها من موزعين يطلبونها من المطابع.

ويقول خالد المصري، بائع آخر في سور الأزبكية، إن الباعة لم يتمكنوا من بيع النسخ المزورة من الكتب العربية في معرض الكتاب هذا العام بسبب الحملة التي شنتها شرطة المصنفات الفنية عليهم، في حين لم تتأثر حركة بيع الكتب الإنجليزية المزورة.

وكانت جولة واحدة في أروقة معرض الكتاب الأخير كفيلة بالكشف عن بيع أحدث إصدارات الكتب باللغة الإنجليزية في سور الأزبكية، ووجود عشرات النسخ المغلفة بأغلفة جديدة، وكأنها جاءت للتو من المطبعة.

ويؤكد نائب رئيس اتحاد الناشرين في مصر، أحمد بدير، أن تزوير الكتب العربية تراجع مؤخرًا. ويوفر الاتحاد مظلة تجمع الناشرين وتمثلهم في النزاعات القانونية. ويقول بدير: «عملنا مؤخرًا على نحو وثيق مع السلطات المعنية»، ولكن هذا التعاون جاء بعد فترة من التدخل المحدود من جانب السلطات في السنوات التي أعقبت ثورة يناير 2011.

وأشار بدير إلى أن السلطات لا تتحرك إلا بعد تقدم الشركة أو المؤلف الذي تعرضت حقوقه للانتهاك ببلاغ رسمي، طبقًا لقانون حقوق الطبع والنشر الصادر في يونيو 2002.

في أفضل الأحوال، حقق الناشرون هذا العام نفس العائد الذي حققوه العام الماضي، ولكن بتكلفة كبيرة، لانخفاض حجم المبيعات وانخفاض الأرباح.

ويرى الاتحاد أن هذا ليس كافيًا، وهو يعمل على إعداد لائحة لحماية حقوق الطبع والنشر، تهدف إلى فرض عقوبات أكثر قسوة ضد مُنتهكي هذه الحقوق. «الخلل الجوهري في القانون الحالي يتمثل في أن الحبس اختياري، إذ يمكن للقاضي اختيار الحبس أو الغرامة، ويختار القاضي الغرامة غالبًا»، يقول بدير.

وبموجب القانون الحالي، يُعاقب كل من انتهك حقوق الملكية الفكرية بالحبس لمدة شهر على الأقل، وقد يدفع غرامة تتراوح من خمسة إلى عشرة آلاف جنيه كذلك، أو يُحبس بدلًا من دفع الغرامة. ويقضي القانون كذلك بمصادرة البضائع المخالفة. 

ورغم ذلك، يؤكد السعيد أن السلطات تداهم باعة الكتب، في حين لا تقترب من المطابع، كما تتساهل السلطات مع تزوير وبيع كتب إنجليزية لها حقوق طبع ونشر، ونادرًا ما يتقدم الناشرون الأجانب ببلاغات. ويُعتبر الأمر خيارًا اقتصاديًا، يقوم على العرض والطلب.

2017 Cairo Book Fair

أدى النقص الحاد في العملة الصعبة، والذي استمر لعدة شهور، إلى ارتفاع سعر الدولار في السوق السوداء في أواخر 2016، نتيجة زيادة طلب المستوردين عليه. وبالتالي، لجأ البنك المركزي إلى تحرير سعر صرف الجنيه في 3 نوفمبر 2016.

ونجم عن القرار انخفاض قيمة الجنيه إلى النصف في يوم واحد، وزيادة أسعار البضائع المستوردة. وأسهم القرار كذلك في تسارع ارتفاع معدل التضخم السنوي، والذي تجاوز 30% في فبراير، ما أثر على القوة الشرائية للمستهلكين.

ومع معاناة كافة القطاعات العاملة في الاقتصاد الفعلي نتيجة مواجهة تبعات ارتفاع التكاليف وانخفاض الطلب، ركّز قطاع النشر غير الرسمي جهوده لتلبية طلب الشرائح القادرة على الشراء؛ وتحديدًا الكتب الإنجليزية. وفي سبيل ذلك، توقفوا عن استيراد كتب إنجليزية مزورة من الخارج، وقرروا طباعتها في مصر.

رغم انخفاض أرباح الناشرين، إلا أن افتتاح العديد من متاجر الكتب في السنوات القليلة الماضية منح بعض الأمل لقطاع النشر، الذي شهد كذلك دخول العديد من الشركات الصغيرة الجديدة.

«كانت نسخ الكتب الإنجليزية تستورد من دول مثل الهند، ولكن الاستيراد أصبح مكلفًا، وتوقف الجميع عن الاستيراد الآن»، يقول المصري، وطبقًا للسعيد: «تُطبع الكتب الإنجليزية في مصر منذ أكثر من ثلاث سنوات، ولكن طباعتها تزايدت على نحو ملحوظ العام الجاري، نتيجة انخفاض قيمة الجنيه وارتفاع أسعار السلع المستوردة».

ويعاني الناشرون الرسميون من أزمة انخفاض قيمة الجنيه التي أدت إلى ارتفاع تكلفة استيراد الورق؛ المكون الرئيسي في تكاليف إصدار الكتب، مع الأخذ في الاعتبار أن الكتب لا تُعتبر سلعة أساسية، وبالتالي «كان عليهم استيعاب الزيادة الكبيرة في الأسعار، لأن أحدًا لن يشتري منهم إن ضاعفوا أسعارهم كما فعل الناشرين العرب»، يقول بدير.

واستطرد بدير: «في أفضل الأحوال، حقق الناشرون هذا العام نفس العائد الذي حققوه العام الماضي»، ولكن بتكلفة كبيرة، لانخفاض حجم المبيعات وانخفاض الأرباح.

وبعيدًا عن المعاناة في السوق المحلي، يمكن للناشرين المصريين والعرب تحقيق أرباح في السوق الصاعدة في دول الخليج. وطبقًا لتقرير صحيفة إيكنومست البريطانية في يونيو الماضي، تزايد طلب الطبقة المتوسطة والمغتربين في الخليج على المطبوعات العربية. وتضررت تكاليف ومبيعات الناشرين المصريين داخليًا بسبب انخفاض قيمة الجنيه، ولكنهم حققوا أرباحًا من المبيعات في الخارج نظرًا لارتفاع قيمة الدولار مقارنة بالجنيه.

بدائل

ويقول بدير إن محاولة تجنب المصدر الرئيسي لارتفاع أسعار الطباعة، خاصة أسعار الورق المستورد، دفعت سوق الكتب إلى التوجه نحو الكتب المسموعة والكتب الإلكترونية. ويضيف أن الكتب المسموعة تمثل سوقًا جديدة وشهدت دفقًا ملحوظًا من الاستثمارات.

«هناك مشروع فودافون، (كُتبي)، وهناك مشروع أكبر وأكثر نجاحًا وهو (كتب جوجل). ويساهم كل الناشرين المصريين في المشروعين، في محاولة منهم للوصول إلى القراء في مصر والبلدان الأخرى بطرق لا تحتاج إلى الورق».

يبيع «كُتبي» و«كتب جوجل» الكتب الإلكترونية بأسعار زهيدة نسبيًا مقارنة بالكتب الورقية التي ينتجها ناشرون مثل مؤسسة الشروق، والدار المصرية اللبنانية، وصفصافة. ولكن أسعارها مرتفعة مقارنة بأسعار الكتب في سور الأزبكية، ومع فارق كبير في أسعار الكتب الإنجليزية المزورة. وعلى سبيل المثال، تُباع رواية هاربر لي «أن تقتل طائر المحاكي» في «كتب جوجل بأكثر» من 200 جنيه مصري، في حين تُباع في سور الأزبكية بـ 25 جنيهًا فقط.

ورغم انخفاض أرباح الناشرين، إلا أن افتتاح العديد من متاجر الكتب في السنوات القليلة الماضية منح بعض الأمل لقطاع النشر، الذي شهد كذلك دخول العديد من الشركات الصغيرة الجديدة.

وعلى عكس الناشرين الكبار، وفر الناشرون الجُدد مثل «لمحة» و«رؤية» بدائل لمتاجر الكتب في سوق الأزبكية، عن طريق بيع مطبوعاتهم بخصم يصل إلى 50%، كما صرّح بائع الكتب في سور الأزبكية رامي المصري لـ«مدى مصر».

ترجمة: نصر عبد الرحمن

اعلان