Define your generation here. Generation What

ما فعله «القيصر»: شؤون -تبدو غنائية- صغيرة

المحلة الكبرى، مصر، 1947

كانت المرة اﻷولى التي أفتح فيها أدراج تلك التسريحة التي طالما أثارت فضولي،كنت، ﻷول مرة، وحيدًا في شقة القاهرة، وكانت محاولات السلوى تحركني وأنا أفتش في غرفة نوم أبي وأمي عن ذكرى ما تؤنسني بعد رحيلهما، وبين ما وجدت من أوراق شخصية وكتابات بخط أبي المميز وخطابات تبادلها مع أفراد من العائلة، توقفت أمام عدد من اﻷوراق التي ميزها غلافها الملون وعليه اسم نزار قباني، وكلمة «حبيبتي»، مكتوبة بخط يدوي، وبالخط نفسه كان في الداخل بضع قصائد.

نزار قباني

كان عمري وقتها 18 عامًا، أعرف نزار بقدر ما، اقتنيت له في السابق ثلاثة دواوين، أحدها كان في طبعته اﻷولى -وجدته مهملًا وبلا غلاف في مكتبة صديق، فأخذته منه- وكان أقربها لقلبي.

كنت أقرأ دواوينه خلسة، وسط شعور دائم بالملاحقة، وأخفيها باقتدار يليق بـ «النهود» و«الحلمات» التي تحويها، والتي كانت، بلا جدال، لتثير، إن اكتشف أحد امتلاكي لها، أزمات كنت في غنى عنها.

مع هذه الخبرة السابقة، كان لاكتشاف وجود ديوان صغير لنزار بين أوراق والدي وقع مثير في نفسي، كنت أبدأ مرحلة جديدة في علاقتي بأبي، محاولًا التعرف عليه أكثر بعد عامين من رحيله، ولحاق أمي به في تلك السنة.

بين قصائد ديوان أبي استوقفتني «شؤون صغيرة».. كانت أرق من احتمالي، قصيدة على لسان امرأة تذوب حبًا في صمت، وتبني جدران حياتها على صُدف وتفاصيل عفوية تجمعها بـ «صديقها»، وتحترق وحيدة وهي تتذكر لمساته وأفعاله، وتفتقده، وتبكي. وما أشبهني بها في ذلك الوقت، غير أني كنت رجلًا لا يملك التصريح بأنه يذوب، ويفتقد، ويتذكر، ويحترق.. ويبكي، أو هكذا كان يجب أن أكون.

بعد هذا الاكتشاف، ظللت لسنوات أتمنى لو كنت عرفت أبي أكثر، أو حتى توقعت رحيله، وظللت متعلقًا بأشيائه الصغرى التي اكتشفتها في بيتنا، وظللت أيضًا، ضمن أحلامي المستحيلة، أحلم أن تغني نجاة الصغيرة، التي ورثت حبها عن أمي، شؤون صغيرة، ومن غيرها أقدر على التعبير عن احتراق الأنثى وضعفها الرائع وخفتها المذهلة، واحتياجها واشتياقها لرجل تحبه!

 

الموصل، العراق، 1975

كان أبي يحتفظ في سيارتنا، التي أنهت حياته، بشرائط المصحف كاملًا بصوت الشريم والسديس، ومعها شريط ﻷم كلثوم وآخر لعبد الحليم. وكنت أذاكر في الابتدائي بمصاحبة صوت أم كلثوم المنبعث من شريط «أغدًا ألقاك»، وكان أول شريط أشتريه لنفسي، 1994، هو «كلام الناس» لجورج وسوف، وبين الست والسلطان سمعت كل ما يمكن تصوره من مطربين ومغنيين، وتعلقت بعدد منهم، غير أن مساحة خاصة في نفسي حُُجزت لكاظم الساهر بمجرد تعرفي عليه.

غلاف ألبوم حبيبتي والمطر

بدأت أسمع كاظم قبل أن يتحول لـ «تريند»، وقبل حفلات التليفزيون والدباديب و«باحبك يا كاظييم». شدتني مواويله وأنغامه العراقية، ولغته المختلفة عن السائد، غير أن تعلقي به زاد خلال فترة «التريندينج»، حين اشترى أخي، أحمد، شريط «حبيبتي والمطر»، 1999، الذي تخلى فيه كاظم عن شَعره المميز المرتفع، وقصه قصيرًا إلى اﻷمام، وهي القَصَّة التي اشتهرت وقتها باسم cesar، أو القيصر.. وسأبقى لسنين مقتنعًا أن تسميته بهذا الاسم أتت من تلك القَصَّة، التي أصبحت منذ ذلك الوقت، ولسنوات، قَصَّة شعري المفضلة.

صاحبني غناء كاظم في فترة حرجة من حياتي، وكان خير رفيق في مرحلة المطبات النفسية والعاطفية لمراهق رحل والداه، يحب الشعر ويحاول كتابته، مفضلًا إياه بالفصحي، ويجيد الوقوع في الغرام، مفضلًا الاختيارات الخاطئة.

أعتقد أني كنت طفلًا، ثم شابًا، غريبًا بعض الشيء في نظر المحيطين بي؛ أقرأ كل ما كتبه يوسف السباعي وأنا في الإعدادية، وأحفظ قصائد طويلة لنزار قباني أقتبس منها وأنا في الثانوية، وأسمع كاظم الساهر وأنا في الجامعة.

أصدر كاظم الساهر أول ألبوماته «شجرة الزيتون» عام 1984، وغنى أول قصيدة لنزار قباني بعدها بعشر سنوات، وكانت «إني خيرتك فاختاري» التي صدرت في ألبومه السابع «سلامتك من الآه».

لم تكن الكآبة وحدها هي الرابط بيني وبين كاظم، كان لصوته دور مهم، وﻷلحانه اﻵتية من مكان أبعد من إرهاصات حميد الشاعري دور، ولكلمات أغانيه المنقسمة في أغلبها بين الخليجي -المفهوم- والفصحي التي أحبها دور. غير أن نزار قباني كان نقطة وصل أكثر تعقيدًا بيننا، كان شاعري المفضل بالفصحى، وكنت أشعر بتميز وأنا أسمع من كاظم قصيدة نزارية أحفظ أبياتها جيدًا، وأجد مساحة للحديث عن اﻷبيات التي تجنبها كاظم حين تحولت القصيدة إلى أغنية، مستشعرًا إشارات تمرد صغيرة في مجرد اللجوء لقصيدة بها ما يراه البعض، في ذلك الوقت، «أباحة»، وإعادة إحيائها وتعريف الناس عليها.

 

القاهرة، مصر، 2016

منذ «حبيبتي والمطر»، 1999، أصبح شريط كاظم الساهر على رأس قائمة مشترياتي بمجرد صدوره، وهو ما لم يتكرر سوى مع محمد منير -الذي كان وما عادش وراح.

استمر هذا الحال مرورًا بـ «الحب المستحيل»، 2000، و«أبحث عنكِ»، 2001، و«قصة حبيبين»، 2002، و«حافية القدمين»، 2003، و«إلى تلميذة»، 2004، و«انتهى المشوار»، 2005، وانتهاءً بـ «يوميات رجل مهزوم»، 2007.

بعد هذا الشريط لم أعد متابعًا بالشغف نفسه، ربما لتقدمي في العمر، وزيادة الارتباط بالعمل، وربما لطغيان الإنترنت على حياتنا، ووجود اﻷغنيات واﻷلبومات، لم تعد شرائط، بسهولة فائقة.

أصدر كاظم ثلاثة ألبومات لم ألتفت لها: «صور»، 2008، و«الرسم بالكلمات»، 2011، و«لا تزيديه لوعة»، 2011. وإن بقت علاقتنا قائمة؛ أستعيد سماع أغانيه القديمة، وأجده اختيارًا مثاليًا لرحلات السفر الطويلة في السيارة، خاصة وأن زوجتي تحب «القيصر»، وهو ما يوجد مساحة مشتركة ترحمها من اختياراتي الغنائية الغرائبية اﻷخرى.

في سبتمبر 2016، وبعد توقف خمس سنوات، أصدر كاظم ألبومه اﻷحدث «من كتاب الحب»، والذي عرفت عنه حين صادفتني أغنية «عيد العشاق»، التي أصدر فيديو لها في أغسطس، وانتظرته حين عرفت أن أغانيه كلها ستكون من قصائد لنزار قباني.. ويعود الماضي يعود.

ارتباك.. هذا هو انطباعي اﻷول حين سمعت أغاني اﻷلبوم الإحدى عشر؛ هذه قصائد أعرفها، أو باﻷحرى، هذه أغاني حلوة بُنيت على أطلال قصائد أعرفها.

أعدت البحث عن القصائد اﻷصلية، وزاد الارتباك حين طالعتها وأنا أسمع الأغاني.

دمشق، سوريا، 1923

«القصيدة تعرضت لكثير من الشغل.. ها اللعب اللي انتو لعبتوه بالقصيدة له دوافع موسيقية، وأنا احترمت رغباتكم. لكن أنا أخشى إن القصيدة عم تخسر من التشكيل اﻷولي، من بنيتها اﻷولية، القصيدة هي الدفقة اﻷولى دائمًا، اللحن، ككل عمل صناعي يأتي عليها في اﻵخر، ﻷي سبب، أنا كنت ضد التغيير، لكن ما قدرت أمام رغباتكم»، يقول نزار قباني مخاطبًا عبد الحليم حافظ حول «قارئة الفنجان»، والتغييرات التي طالت نسختها اﻷصلية.

«أفاجئك بعمل انت ما تتوقع إن أحد راح يلحنه، اللي هو «لم يبق سوانا في المطعم»، يقول كاظم مخاطبًا نزار الذي يرد: «بس دي لهجة لبنانية شوي»، فيستدرك كاظم: «لو نقدر.. انت قُلت إنه بيروت، فينا نقول بغداد؟»، فيستعيد نزار السؤال للحظة قبل أن يجيب: «معلوم». لتصدر بعد سنوات أغنية «مع بغدادية»، المأخوذة عن قصيدة «مع بيروتية».

هكذا عرفت أن نزار قباني قَبِل التغيير في قصائده، على اﻷقل في حالات بعينها، وباستبدال كلمات بأخرى، خاصة تلك التي تحمل ملمحًا جنسيًا أو عقائدي. غير أن حجم التغييرات، بالحذف والإضافة وإعادة الترتيب، في اﻷلبوم اﻷخير كان أكبر من احتمالي.

في بعض اﻷغنيات أنتج تغيير الكلمات ملامح سذاجة واضحة، مثلما حدث في أغنية «كوني امرأة خطرة»، وهي إعادة إنتاج لقصيدة «كوني امرأة – الشجرة»، فتحويل «كوني السحر.. وكوني السحرة»، إلى «كوني القوة.. كوني النمرة» هو أمر غير مستساغ، وتحويل «كوني الوجع الرائع إني.. أصبح ربًا إذ أتوجع» إلى «أنزف حبًا إذ أتوجع»، هو أمر ساذج، و«كوني امرأة يا سيدتي تطحن في نهديها الشهبا»، إلى «تلهب في عينيا الشهبا» هو أمر مفرط السطحية والمباشرة. فضلًا عن أن الاكتفاء بما اختار كاظم تلحينه من القصيدة أضاع جزءًا فارقًا من فكرتها الأصلية، التي طلب فيها نزار من سيدته أن تتحرك/ تتغير/ تفعل، كي: «أتأكد حين أضمك أنك لستِ بقايا شجرة»، «لا يروى يومًا عني أن حبيبة قلبي شجرة»، «لا يروى يومًا عنى أنى كنت أضاجع.. شجرة»، وأخفى ملامح برود الحبيبة وتخشبها.

هذا التغيير، المخل من وجهة نظري، لا يحدث للمرة اﻷولى على يد كاظم، فقد عشت سنينًا أشعر بوخز في صدري حين أسمع «ممنوعة أنتِ»، من فرط تأثري بضعف الحبيب على سريره اﻷبيض، وأتناسى أن القصيدة اﻷصلية كانت تنتهي بانتصار معنوي مغرق في اﻷمل حين يقول نزار: «وصية الطبيب لي: أن لا أقول الشعر عامًا كاملًا، ولا أرى عينيك عامًا كاملًا، ولا أرى تحولات البحر في العين البنفسجية، الله.. كم تضحكني الوصية».

غنى كاظم الساهر 40 أغنية من كلمات نزار قباني، كلها من تلحينه، عدا أغنية «غرناطة» التي لحنها طلال. فيما لحّن الساهر أكثر من أغنية بكلمات نزار لمطربين آخرين، مثل ماجدة الرومي: «طوق الياسمين»، و«وعدتك»، ولطيفة: «العاشقين»، و«تلومني الدنيا»، وغادة رجب: «لماذا تخليت عني».

كان لكاظم دومًا تغييرات في قصائد نزار، ألحظها حتى إن كنت لا أعرف القصيدة اﻷصلية. فحين أجد «خدًا» أو «وجهًا» في غير محله، أعرف أن هنا كان «نهد»، مثلما هو الحال في الوجه الذي «يعبق مثل حقول الورد» في «حافية القدمين»، أو في العينين اللتين كان معتقلًا بينهما ولا يطلب أن يتحرر، في «عيد العشاق»، بالمناسبة، اسم القصيدة «فاطمة في الريف البريطاني»، و«عيد العشاق» فيها أتى بدلًا من «شهر ديسمبر»، وقطعًا المثال اﻷشهر هو «حبك خارطتي» في «زيديني عشقًا» والتي كانت «جسمك خارطتي» في قصيدة بالعنوان نفسه.

وبخلاف التغييرات «الجسدية» هناك التغييرات العقائدية، وأشهرها: يا نكهة «كفري» ويقيني، والذي أصبح «شكي»، في «زيديني عشقًا»، و«إنني أؤمن بالإخلاص في دنيا الهوى»، في «كبري عقلكِ»، وأصلها «أؤمن بالتوحيد في دين الهوى».

هذا فضلًا عن تميز الألبوم اﻷخير بأن الكثير من أغانيه هي عدد محدود من اﻷبيات منتقاة من قصائد مفرطة الطول، ومعاد ترتيبها بشكل ما، ما يبعدها بشكل كبير عن القصائد اﻷصلية.

شؤون صغيرة

حين عرفت بأمر اﻷلبوم الجديد، وجدت أغنية فيه بعنوان «شؤون صغيرة»، قصيدتي القديمة المفضلة، وحلم أغنية نجاة المستحيل، فأصابني القلق مما قد يفعله كاظم بها، ومن أن أسمعها بصوت رجل، فتتكرر مشكلتي مع رائعة ماجدة الرومي، وكاظم ونزار، «طوق الياسمين»، التي أعشقها، ودومًا أتمنى أن أسمعها بصوت رجل، وليكن كاظم مثلًا.

بلحن أكثر هدوءًا من باقي ألحان اﻷلبوم بدأت اﻷغنية، وانقلبت حياتي بعد المقدمة الموسيقية والبيت اﻷول.

يعتبر الكثيرون أن نزار قباني أحد أفضل الشعراء الذين عبروا عن النساء؛ وانتصروا لهن، وحرروهن من قيود كثيرة أحاطت بهن، وأولها قيد الاعتراف بالضعف. تجلى هذا، في رأيي، في «شؤون صغيرة»، كيف استطاع أن يصل إلى هذا الانسحاق الأنثوي، وهذا الاحتياج والاشتياق، وهذا التعلق والتعبد. كيف استحضر روح تلك المرأة الناعمة الولهانة وعبّر عنها؟ كل تلك اﻷسئلة التي حملتها طوال سنوات انقلبت فجأة إلى دهشة، حين أصبح المنسحق المحتاج المشتاق المتعلق المتعبد الولهان.. رجلًا!

من أين أتتك الجرأة يا كاظم، من أين أتتك الفكرة المجنونة، هل لا زلت قادرًا على الإدهاش وأنت في التاسعة والخمسين؟ من أين أتتك القدرة على تبديل اﻷدوار بتلك البساطة، وغنائها بتلك الراحة وهذا التصالح وكأنك أنت الوله المجذوب؟ كيف استطعت تغيير المفاهيم الذكورية التي ترى «وأمضي سريعًا إلى مخدعي.. أضم الكتاب إلى أضلعي» صورة لا تصح إلا لسيدة؟ كيف يبكي رجلٌ بغير انقطاع لكي يستمر ضياعه؟ وكيف أتتك الجرأة لتقلب حياتي؟

حسنًا، ليفعل كاظم ما يشاء بقصائد نزار، ليغيّر ويضيف ويحذف كيفما شاء، فإن كان قارئ نزار القديم بداخلي كره كاظم، لما فعله في قصائده الحبيبة، فقد انتصر مستمع كاظم في داخلي، وشكره وشكر نزار على حلاوة اﻷغنيات، فـ «شؤون صغيرة» تقول بوضوح إن تلك القصائد وهذه اﻷغنيات شيئان مختلفان، ويمكن أن أحب كلاهما.

 

في لقاء قديم معه، يشكو نزار قباني من علاقة أجيالنا بالشعر الحر، ويسأل: «الجيل الجديد لا يتواصل مع هذا الشعر. إذن، لمن هو هذا الشعر؟».

أسمع السؤال وأبتسم، وأنا أتذكر استغرابي حين عرفت أن كاظم سيغني من كلمات أحمد شوقي، ليتحول استغرابي استلطافًا وأنا أسمع «مال واحتجب»، وأستغرب حين عرفت أنه سيغني من كلمات بدر شاكر السياب، ليتحول استغرابي استلطافًا وأنا أسمع «لا تزيديه لوعة».

حين يقرر كاظم في 2016، وللمرة اﻷولى، أن يصدر ألبومًا كل أغانيه من كتابات لنزار، ففضلًا عما يمنحه لنا من فرصة لسماع كلمات مختلفة، وأفكار أكثر جرأة وقوة من المحيط بنا، وفرصة لسماع أغاني حلوة بالفصحى، فهو أيضًا يعيد إيجاد نزار في الحاضر، يعيده إلى الصورة، على اﻷقل يجعلني أنا، قارئه القديم، أعيد البحث والتفتيش في قصائده، وأستعيد علاقتي به، وأتذكر أن أبعث له بتحية في ذكرى ميلاده في دمشق، والتي هي، للمصادفة، ذكرى ميلاد أبي، في المحلة الكبرى بعد 44 عامًا، في يوم بداية الربيع، 21 مارس.

اعلان