Define your generation here. Generation What
محافظ قبل الثورة ومندفع سياسيًا بعدها: جبهة العنف الإخوانية «تراجع» أداء الجماعة
مختصون: مناورة أكثر منها مراجعات حقيقية
 
 
 

أعدت جبهة محمد كمال في جماعة اﻹخوان المسلمين ما أسمته بالـ «مراجعات»، التي انتقدت فيها أداء الجماعة السياسي المحافظ في فترة ما قبل ثورة يناير، واندفاعها في الممارسة السياسية بعد الثورة رغم عدم جاهزيتها، وهي المراجعات المقرر نشرها اليوم، الثلاثاء، وحصل «مدى مصر» على نسخة منها. فيما اعتبر باحثون مختصون أن هذه المراجعات تمثل مناورة تكتيكية من جبهة كمال -الجبهة المؤيدة للعنف داخل الجماعة- أكثر من كونها مراجعات حقيقية لعمل الجماعة.

أتت المراجعات -والتي جاءت تمهيدًا ﻹصدار جبهة كمال رؤيتها للعمل التنظيمي والسياسي- في أربع أوراق أساسية هي: غياب ترتيب اﻷولويات داخل الجماعة، وعلاقة الجماعة بالثورة، وعلاقتها بالدولة، وتناقضات التنظيم بين الجماعة وحزب الحرية والعدالة.

وأوضح بيان نشره موقع الجناح أن المراجعات التي حملت عنوان «تقييمات ما قبل الرؤية.. إطلالة علي الماضي» جاءت نتيجة «دراسات وأبحاث وورش عمل قام بها عدد من المتخصصين في علوم الاجتماع والسياسة والقانون والشريعة، كما شارك فيه بعض قيادات وكوادر الإخوان بالداخل والخارج» لمراجعة أداء الجماعة منذ ثورة يناير 2011 وحتى يناير من العام الجاري.

وأضاف البيان أن المكتب العام للجماعة سيتواصل مع عدد من «المفكرين والسياسيين وأصحاب الرأي والشخصيات العامة والعلماء والمهتمين بالشأن الإخواني خاصة والإسلامي عامة والقضية الوطنية المصرية»، و«تسليمهم نسخ من هذه التقييمات للمشاركة الفعالة بالرأي والمشورة والنقد البناء»، وعرضها على أعضاء الجماعة، وذلك قبل إرسالها إلى وسائل اﻹعلام.

خروج «السياسي» من «قماشة الخدمي»

اختص أول محاور هذه المراجعات بما أسماه «غياب اﻷولويات» وتمثلت في: تركيز الهيكل التنظيمي التنفيذي على العمل الخيري والمجتمعي، وغياب العلاقات المتوازنة مع الكيانات المجتمعية الأخرى، وغياب مشروع سياسي متكامل للتغيير وإدارة الدولة، وغياب التعامل الأكاديمي المتخصص في إدارة وتحليل المعلومات.

واعتبرت الورقة اﻷولى أن تركيز الهيكل التنظيمي على العمل الخيري والمجتمعي حرم الجماعة من صناعة رموز مؤهلة للعمل السياسي بسبب خروج رموز العمل السياسي من «قماشة» العمل الخدمي والدعوي. «كان العمل السياسي ينطلق من بيئة اجتماعية حاكمة، ولكن قماشتها كانت ضيقة»، بحسب الورقة، التي أضافت أن اقتصار العمل المجتمعي للجماعة على العمل الخدمي تسبب في اقتصاره على شريحة ضيقة من المجتمع، وهو ما تسبب في استبعاد «فئات كثيرة كان من الواجب الانتباه للتعامل معها بشكل أعمق».

وانتقدت الورقة غياب العلاقات المتوازنة مع الكيانات المجتمعية اﻷخرى، وهو ما حرم الجماعة من الاستفادة بتمويلات هذه الكيانات المفتوح أو أنشطتها العلنية أو الغطاء السياسي الداخلي أو الخارجي.

كما انتقدت غياب مشروع سياسي متكامل للتغيير وإدارة الدولة، وفراغ أدبيات الجماعة من التنظير للعمل السياسي، وعدم سعي الجماعة في توجيه المكاسب لحيازة «منصب حكومي سياسي مؤثر»، وغياب التجهيز اﻷكاديمي أو العملي للكوادر المتخصصة.

الاكتفاء بالسقف المفروض

فيما يتعلق بعلاقة الجماعة بالدولة، انتقدت الورقة الثانية اكتفاء الجماعة بالسقف الذي فرضه النظام السياسي على عملها دون محاولة تجاوزه. وأشارت الورقة إلى الانتخابات البرلمانية في 2005، والتي حازت فيها الجماعة 88 مقعدًا، وهو ما يقل عن الثلث المعطل في مجلس الشعب. «لكون الجماعة لم تطرح نفسها بديلًا للحكم القائم، لم تسع لنيل العدد اللازم بالبرلمان عن طريق الترشح المناسب والذي يستطيع تشكيل الحكومة بشكل مستقل أو عن طريق التحالف مع غيرها من الكتل داخل البرلمان حتى ولو من قبيل المناكفة السياسية أو جس النبض أو المغامرة المحسوبة»، بحسب الورقة.

أشارت الورقة أيضًا إلى اكتفاء الجماعة بكونها ملفًا أمنيًا طوال الوقت وعدم السعي لنقله لملف سياسي، وهو ما تسبب في عدم جاهزيتها للتعاطي السياسي بعدما «وجدت الجماعة نفسها وجهًا لوجه مع الدولة في علاقة سياسية مباشرة […] مع المجلس العسكري».

وانتقدت الورقة كذلك عدم انتهاز فرص الانفتاح والتمدد السياسي، وأبرزها في برلمان 2005، بسبب الضغوط التي تعرض لها النظام واضطراره لإدارة عملية انتخابية شبه شفافة، وعدم العمل الجاد لدمج كوادر الجماعة داخل مؤسسات الدولة وتحويل حرمانهم إلى «قضية رأي عام ضاغط أو مطلب عادل».

التنظيم بين الحزب والجماعة

تشير الورقة الثالثة إلى نموذجين في التعاطي السياسي لتنظيمات مماثلة للإخوان: اﻷول هو تأسيس أحزاب للممارسة السياسية والمنافسة على السلطة، والثاني هو «تشكيل مجموعات ضغط سياسية وجماهيرية واقتصادية لتمرير أفكارها وإحكام سيطرتها وإنفاذ أجنداتها دون أن تكون شريكًا ظاهرًا في السلطة».

اعتبرت الورقة أن عمل الجماعة السياسي كان يميل إلى النموذج الثاني: «كان لها تواجد معتبر في الجيش والشرطة وبين الكتاب، ولها منافذ إعلامية ومؤسسات اقتصادية مكنتها من لعب دور ضاغط على الحكومات».

وبعد الثورة، اتجهت الجماعة إلى النموذج اﻷول بتأسيس حزبها السياسي «حزب الحرية والعدالة» دون جاهزية، وهو ما تسبب في تداخل الوظائف بين الحزب والجماعة، فكان «الحزب من الناحية الوظيفية أقرب للقسم السياسي للجماعة منه إلى الحزب السياسي المستقل عن هيكل الجماعة». وهو ما أدى، بحسب الورقة، إلى ابتعاد الحزب عن طبيعة عمله اﻷصلي كأداة منافسة على السلطة إلى أعمال أخرى تختص بها الجماعة من عمل دعوي وخدمي وتعليمي وصحي.

واعتبرت الورقة أن هذا الخلط أدى إلى تقصير في صناعة وتطوير القيادات والكوادر الحزبية واﻹعداد ﻹدارة الدولة.

وأشارت أيضًا إلى اندفاع الجماعة وحزبها بكامل هياكلهما في المنافسة السياسية رغم عدم جاهزية أي منهما، ما ألقى عبئًا كبيرًا على كاهلها «أفقدها كثيرًا من أرضيتها الجماهيرية والنخبوية».

الخيار الإصلاحي والفكر الثوري

الورقة اﻷخيرة في المراجعات ناقشت علاقة الجماعة بالثورة. اعتبرت الورقة أن «الفكر الثوري» موجود في أدبيات الجماعة وقت مؤسسها حسن البنا، إلا أنها تخلت عنه طوعًا في الجيل الذي تلاه، والذي فضّل الخيار اﻹصلاحي والذي اكتفى «بالنزال السياسي المنضبط بشروط وحدود المساحة التي يمنحها النظام».

واعتبرت الورقة أن هذا الخيار صبغ ردود أفعال قيادة اﻹخوان بعد الثورة: «وضع سياق تنظيمي يترجم حالة الثورة ﻹجراءات»، وهو ما يتنافى مع «فكرة الثورة المتدفقة المتفاعلة الحاسمة».

كما انتقدت الورقة اضطراب الخطاب اﻹعلامي للجماعة أثناء وبعد الثورة، وعدم الاستفادة من الرموز الثورية وتقديم «التنظيميين» عليهم، وغياب الجاهزية السياسية ﻹدارة مرحلة الثورة الانتقالية، وعدم انتباه الجماعة لخطورة انفراد المجلس العسكري بوضع اﻷسس واﻷطر الحاكمة للمرحلة الانتقالية.

مناورة أم مراجعة

من جانبه، اعتبر مختار عوض، الباحث في برنامج دراسة التطرف في جامعة جورج واشنطن، أن هذه المراجعات تأتي في إطار تطوير جماعة اﻹخوان لتصبح أكثر قدرة على تطبيق مشروعها في ظل المتغيرات الداخلية والخارجية، أكثر من كونها دفعًا في اتجاه أكثر تقدمية داخل الجماعة. بالنسبة إليه، فإن المراجعات تحمل مشروع الجماعة ذاته ولكن بمنهج مختلف في تطبيقه.

يتفق محمد مختار قنديل، الباحث المختص ومؤلف كتاب «الفكر الإسلامي الجهادي المعاصر»، في أن ما نُشر لا يمثل «مراجعة» بالمعنى الصحّي المعهود في عرف التنظيمات والأحزاب، بقدر ما هي إعادة تقييم سلوك لمرحلة ما بهدف تجاوزها مستقبلًا، وليست تخليًا عن مبدأ ما.

واعتبر قنديل أن المراجعات تمثل مناورة من جناح محمد كمال لكسب المعارضين للنظام، واصفًا اﻷطروحات التي قدمتها المراجعات بعدم الجدية.

كانت جماعة اﻹخوان المسلمين قد شهدت واحدة من أعنف أزماتها التنظيمية بعد اﻹطاحة بالرئيس اﻷسبق محمد مرسي في يوليو 2013. وتصاعد خلاف بين جبهتين داخل الجماعة، يتزعم اﻷولى محمود عزت، نائب المرشد العام للجماعة، بينما تزعم الثانية محمد كمال عضو مكتب اﻹرشاد والذي قتلته قوات اﻷمن في أكتوبر الماضي. وكان الموقف من استخدام العنف في مواجهة الدولة أحد أهم مواضيع الخلاف، والذي انتهى بانقسام الجماعة إلى جماعتين.

وفي ديسمبر الماضي، أعلنت جبهة كمال عن اجتماع لمجلس الشورى العام للجماعة أسفر عن تشكيل مكتب إرشاد جديد بعد الانتهاء من إجراء انتخابات تنظيمية داخلية.

وأعلن مجلس شورى الجماعة الجديد موافقته بالإجماع على استمرار «قرار مجلس الشورى العام المنتهية ولايته برابعة 2013 بالتمسّك بالمسار الثوري»، لكنه لم يحدد تعريف هذا «المسار الثوري» أو مغزاه.

وأصّلت ورقة داخلية نشرتها صفحة تابعة لجبهة كمال في يناير الماضي لاستخدام العنف ضد النظام، والتخلي عن النهج السلمي قبل أن تتراجع الجبهة عنه.

اعلان
 
 
محمد حمامة