ما يجب أن تعرفه عن دعم الخبز
 
 

بعد أقل من 48 ساعة من قرارها مطلع الشهر الجاري بتقليص دعم خبز «البطاقة الذهبية» في بعض المحافظات إلى 500 رغيف للمخبز، تراجعت وزارة التموين عن القرار عقب احتجاجات بعدة محافظات، في مشهد أعاد إلى الأذهان أحداث «انتفاضة الخبز» في 18 و19 يناير 1977 عقب قرار الحكومة وقتها بتخفيض الدعم على عدد من السلع الأساسية، ما أجبر الرئيس الراحل، أنور السادات، على مغادرة استراحته في أسوان خوفًا على سلامته من المظاهرات.

تراجعت الحكومة عام 1977 عن قراراتها على الفور، وأصبح النظام منذ ذاك التاريخ يتعامل مع ملف الدعم، وخاصة الخبز، بحرص شديد، حتى أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي في أحد خطاباته تخليه عن هذا الحرص، واصفًا قرارات 1977 بالصائبة، مفسرًا التراجع عنها بالخوف، مشددًا على أن «كل القرارات الصعبة اللي تردد كثير على مدى سنوات طويلة.. الناس خافت إنها تأخذها، أنا لن أتردد ثانية أن آخذها».

ومع ذلك، فقد أكد السيسي لاحقًا أن سعر رغيف الخبز لن يُمس رغم ارتفاع تكلفة إنتاجه إلى ما يقرب من ضعف تكلفته قبل الإجراءات الاقتصادية المصاحبة لتوقيع اتفاق قرض صندوق النقد. استثنى الخبز من زيادات في الأسعار طالت سلع غذائية أخرى مدعومة، منها سلع أساسية كزيت الطعام والسكر، واستثنى أيضًا من تقليص الدعم عليه مثلما حدث في دعم الوقود والكهرباء كجزء من اتفاق الحكومة مع الصندوق. ورغم الارتفاع الحاد في تكلفة إنتاج الخبز مع ارتفاع أسعار القمح المستورد واستمرار موجة التضخم التي صاحبت تحرير سعر صرف الجنيه في نوفمبر الماضي، إلا أن سعره للجمهور ما زال كما كان منذ عقود.

وفي خضم الهجوم المستمر على منظومة الدعم واتهامها بإهدار المال العام والفساد، ومع اقتراب الإعلان عن موازنة العام الجديد والمخصصات المعتمدة لدعم الخبز، التي تُناقش بسرية شديدة إلى الآن، يسعى هذا التقرير لتوضيح أهم الحقائق المتعلقة بمنظومة دعم الخبز في مصر.

الدعم: السعر والتكلفة

خمسة قروش هي ثمن سعر رغيف الخبز المدعم، وهو نفس السعر الثابت منذ عام 1988. وفيما ارتفعت أسعار باقي السلع التموينية -الزيت والسكر مثلًا- مع موجة التضخم المتصاعد، ظل سعر الرغيف المدعوم كما هو.

طبقًا للموازنة العامة الأخيرة، تبلغ تكلفة إنتاج رغيف الخبز 36.8 قرش، منها 27.54 قرش صافي دعم الرغيف (بخصم الـ5 قروش التي يدفعها المواطن، والدعم الذي يذهب إلى مزارعي القمح)، وبذلك يبلغ حجم دعم الدولة للخبز 23.715 مليار جنيه، وذلك قبل ارتفاع سعر إنتاجه بعد تعويم الجنيه. ولم تصدر إلى الآن بيانات بتكلفة إنتاج رغيف الخبز الحالية أو حجم دعمه، ولكن الرئيس السيسي قال في شهر ديسمبر الماضي إنها وصلت إلى 55 قرشًا، مما يعني أن تكلفة الدعم زادت عن مشروع الموازنة الراهن.

تاريخيًا، تعرض دعم الخبز لتذبذبات لأسباب عدة، منها تقلبات سعر القمح العالمية والبترول، مما يؤثر على سعر الخبز نتيجة اعتماد مصر على القمح المستورد كجزء من إنتاجه، فمثلًا في عام 2010/2009 انخفضت تكلفة دعم الخبز بأكثر من الربع (نحو أربعة مليارات جنيه) مقارنة بالسنة المالية السابقة نتيجة انخفاض أسعار الغذاء والبترول عالميًا دون خفض كميات الخبز المنتجة.

يوزع الخبز المدعم ببطاقات التموين الذكية والورقية من خلال المنظومة الجديدة، التي طبقتها الحكومة عام 2014، حيث تكون حصة الفرد 5 أرغفة يوميًا بحد أقصى 900 رغيف شهريًا للأسرة. وبدأت تلك المنظومة ذلك العام في مدن القناة، ثم عُممت على باقي المحافظات. وقبل تلك المنظومة كان الخبز يباع مباشرة لأي مستهلك من خلال المخابز أو منافذ البيع أو خدمة التوصيل للمنازل.

المستفيدون

طبقًا للموازنة العامة للدولة في السنة المالية 2017/2016، بلغ عدد المستفيدين من دعم الخبز حوالي 82 مليون مواطن، توفر لهم الدولة 137 مليار رغيف خبز سنويًا، ويستهدف نظام نقاط الخبز وفر ما يربو على 57 مليار رغيف، عن طريق تحديد خمسة أرغفة لكل فرد في البطاقة التموينية؛ كل رغيف من الخمسة لا يستهلك يتحول إلى نقاط تضاف إلى البطاقة، يُستخدم المتراكم من النقاط لشراء سلع تموينية أخرى.

عام 2010 كانت 90% من الأسر المصرية تستهلك الخبز المدعم، بحسب تقرير لمركز دعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء، بينما يقول ممدوح رمضان، مستشار وزارة التموين الإعلامي، لـ«مدى مصر» إن نحو 84% من المصريين يستهلكون الخبز المدعّم حاليًا. وأضاف أن الوزارة الآن تعمل على تنقية البطاقات وميكنة جميع البطاقات، مما يحول دون التصريح برقم محدد عن أعداد المستفيدين.

الدعم والفساد

وجه مسؤولون في السنوات الأخيرة اتهامات لمنظومة دعم الخبز بالفساد وعدم الكفاءة، تجلت بوضوح في رحيل وزير التموين الأسبق، خالد حنفي، أغسطس الماضي، من الوزارة على خلفية صدور تقرير للجنة تقصي حقائق برلماني عن فساد منظومة دعم القمح.

ويعد إهدار الدعم وعدم وصوله لمستحقيه، بحسب تصريحات المسؤولين، وراء استحداث منظومة الكروت الذكية عام 2014. وفي جانب الإهدار، يوضح ممدوح رمضان، المستشار الإعلامي لوزارة التموين، لـ«مدى مصر»، أن دعم الخبز كان قبل منظومة 2014 على المشاع، إذ كان أي مواطن يمكنه شراء رغيف الخبز بـ 5 قروش من أي مخبز تمويني. أما المنظومة الجديدة، فمن خلال تتبع من يحق له الدعم عبر البطاقات التموينية، سواء ورقية أو ذكية، تستطيع الحكومة معرفة من بالتحديد يصله الدعم وتستطيع ترشيد إنفاقها عليه.

ويضيف رمضان: «الآن تعلم الحكومة الكمية المطلوب توفيرها في المخابز المختلفة، وتعطيهم حصة الدقيق المقابلة لتلك الكمية، في الماضي كانت مخابز كثيرة فيها فساد، حيث تأخذ حصص فوق احتياجاتها، ولأن حصة المواطن من الخبز لم تكن محددة، ظهرت أزمة طوابير الخبز».

بالإضافة إلى الجانب الاستهلاكي، تتعرض منظومة الخبز للهجوم جراء اتهامات بالتزوير في مراحل الإنتاج، وهي ممارسات رصدتها لجنة تقصي الحقائق فساد القمح في تقرير أصدرته في أغسطس الماضي، حيث قالت إنها وجدت عجز في كميات القمح المخزنة في شون عديدة زارتها. وأوضحت اللجنةأن الفساد طال توريد القمح وتخزينه وإنتاج رغيف الخبز نفسه، حيث وصف رئيس اللجنة النائب، مجدي ملك، ما يحدث في المنظومة بـ«طحن وهمي وخبز وهمي».

وأعلنت النيابة الإدارية الأسبوع الماضي عن نتائج تحقيقاتها في فساد صوامع القمح، وقالت إن فساد الصوامع أهدر 323 مليون جنيه، وتم إحالة مسؤولين للمحاكمة. ورغم ذلك، فإن انتقاد المنظومة مازال مستمرًا، حيث دعا عدد من النواب في شهر يناير الماضي لإجراء تحقيق برلماني في فساد منظومة دعم الخبز برمتها.

حماية الفقراء

بغض النظر عن وجود الفساد في المنظومة من عدمه، فإن دعم الخبز يساهم في رفع مستوى معيشة الملايين من المصريين، ويحول دون وقوع ملايين منهم في الفقر. وفقًا لتقرير مركز دعم اتخاذ القرار في 2010، فإن 60% من المصريين كانوا يعتمدون على الخبز المدعم بشكل أساسي.

تقول شيرين الشواربي، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، والتي شاركت في إعداد تقرير «دعم الغذاء في مصر بين المنفعة والتسرب»، الصادر عن البنك الدولي عام 2010، إن دعم الخبز شارك بلا شك في حماية المصريين من الوقوع في الفقر، وحماية الفقراء من المزيد من الفقر.

وأشارت الشواربي إلى استنتاج التقرير الذي قال إن الدعم الغذائي في مصر، رغم عدم كفاءة توزيعه التي نالت حيز واسع من البحث، انتشل 9% من المصريين من الفقر، وكان للخبز البلدي المدعم  تحديدًا أكبر تأثير في ذلك، فيما ورد في بحث الدخل والإنفاق الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، أن الدعم الغذائي حمى 4.6% من المصريين من دخول دائرة الفقر عام 2015، دون تحديد تأثير الخبز في تلك الإحصائية.

وكانت تلك الإحصائيات قبل تبني الحكومة البرنامج الاقتصادي المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار، والتي كان أحد آثارها تضخم قياسي تعدى في شهر فبراير 30%. وقد أوضح كل من صندوق النقد والحكومة بعد أسابيع من توقيع الاتفاقية أن الإجراءات سيصاحبها زيادة قدرها 25 مليار جنيه تنفق على مخصصات الحماية الاجتماعية، بعضها سيذهب إلى الدعم الغذائي، لتلافي آثار الإجراءات الاقتصادية الاجتماعي، ومنها تحرير سعر صرف الجنيه، مما خفض قيمته بمقدار النصف.

اعلان
 
 
عثمان الشرنوبي