Define your generation here. Generation What

المنافسة ليست في التصدير فقط

«التصدير مسألة حياة أو موت»، هكذا تحدث الرئيس التاريخي محمد حسني مبارك في خطاب له أمام مجلس الشعب في منتصف التسعينيات، بعد سنوات قليلة من تبني مصر لبرنامج التحول الهيكلي في ١٩٩١، تحت رعاية صندوق النقد والبنك الدوليين.

كان هذا هو النموذج المراد تعميمه وقتذاك على مختلف اقتصادات الدول النامية، والتي دخلت في حوزة المؤسسات المالية العالمية نتيجة معاناتها من عجوزات في تعاملاتها مع الخارج، وخاصة عدم قدرة اقتصاداتها على توليد ما يكفي من العملة الصعبة لتمويل فاتورة واردات بالغة الضخامة، نظرًا لاعتمادها على استيراد التكنولوجيا ومدخلات إنتاج مختلفة لقطاعات الزراعة والصناعة والخدمات.

كان المخرج التقليدي، والذي لا يزال راسخًا كما كان في كافة برامج المؤسسات المالية العالمية، هو توجه الاقتصاد للتصدير وتوفير كافة الحوافز اللازمة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية، وكان المنطق الغالب وقتها أن النماذج السابقة في الخمسينيات والستينيات، والتي قامت على التصنيع الموجه محليًا، أو ما عُرف بـ«إحلال محل الواردات»، لا يوّلد ما يكفي من العملة الصعبة للحصول على الواردات الكافية لإبقائه على قدميه. لا يزال هذا نقدًا سليمًا وفي محله حتى اليوم، ولكن هل يعني هذا أن السبيل الأوحد لمواجهة الاختلالات الهيكلية في موازين المدفوعات هو التوجه للتصدير، وخاصة بالنسبة لاقتصادات متخلفة على مستوى المهارات والتكنولوجيا، كالاقتصاد المصري؟

أثبت العقدان الماضيان أنه رغم الأولوية الممنوحة للتصدير، والتي عبّر عنها نظام مبارك أكثر من مرة، فالاقتصاد المصري لم يستطع إقامة استراتيجية تنموية قائمة على التصدير، وأن هذا لم يكن راجعًا لخيارات خاطئة على مستوى السياسات العامة، ولا لغياب الأطر المؤسسية اللازمة لتنسيق عملية التطوير الصناعي التجاري فحسب، إنما امتد كذلك للسياق الذي دُفعت فيه مصر، مع عشرات من الدول الشبيهة في هيكلها الاقتصادي، للتنافس على أسواق تصديرية محدودة نسبيًا على ذات السلع منخفضة القيمة المضافة، وكانت التنافسية فيه قائمة على التكلفة لا على الجودة. هذا ما حبس أغلب تلك الاقتصادات فيما يسمى بـ«السباق نحو القاع»، من حيث الاعتماد المتزايد على عمالة رخيصة غير مدربة، وعلى مدخلات من المواد الأولية والطاقة، والتي قد تحقق في نهاية المطاف نموًا في الصادرات، ولكن من الصعب أن ينعكس هذا على خلق وظائف ذات أجور مرتفعة، أو أن يسهم في جهود تحسين مستويات المعيشة للغالبية في البلاد مصدر التصدير.

حضور سوق محلية كبيرة في مصر، نتيجة التعداد وتحويلات العاملين بالخارج، كثيرًا ما كان ملمحًا مميزًا للاقتصاد، ووفّر للمنتجين فرصًا للتوسع بعيدًا عن المنافسة في أسواق التصدير

هذا هو الوضع الذي وجدت نفسها فيه، وبشكل أكثر بؤسًا من مصر، بلدٌ مثل تونس يفتقد لسوق محلية، نتيجة محدودية عدد السكان، ما جعل اقتصاده منذ التسعينيات موجهًا بشكل متزايد لقطاعات تصديرية تتجه لأوروبا، هي عبارة عن جزر منعزلة لصناعات رخيصة التكلفة، أو صناعات تركيبية عبارة عن خطوط تابعة لمصانع أوروبية تعتمد على العمالة غير المدربة، وتستفيد بالتالي من الأجور الزهيدة، مع التسهيلات التجارية والاستثمارية التي تربط تونس بالاتحاد الأوروبي. وكانت النتيجة هي نموذج تصديري «ناجح» على مستوى الأرقام، ولكن كارثة على مستوى القدرة على تحقيق التنمية.

في حالة مصر، فإن حضور سوق محلية كبيرة نتيجة التعداد من ناحية، ونتيجة وجود مصادر للدخل جراء تحويلات ضخمة من العاملين بالخارج من ناحية أخرى، كثيرًا ما كان ملمحًا مميزًا للاقتصاد، ووفّر هذا للمنتجين فرصًا للتوسع، بعيدًا عن المنافسة في أسواق التصدير. كانت هذه هي فلسفة تبني استراتيجيات «إحلال محل الواردات» في عهد جمال عبد الناصر، والتي جرى إحياؤها في عهد مبارك، خاصة في الثمانينيات وعلى مستوى بعض القطاعات التصنيعية مثل السيارات والإلكترونيات، والتي حظيت بالكثير من الحماية الجمركية.

كانت المحصلة نشأة صناعات معتمدة بإفراط على استيراد المدخلات من الخارج، وبخاصة تلك ذات المحتوى التكنولوجي المرتفع، مع الاعتماد على العمالة الرخيصة المتوفرة (وهي عمومًا وفي جميع الأحوال قطاعات غير كثيفة العمالة)، وعلى المدخلات الأخرى المتوفرة محليًا، والتي لا تحوى قيمة مضافة مرتفعة، مع استفادة المنتجين من الحماية الجمركية في توفير المنتجات في السوق النهائية بأسعار مرتفعة على المستهلِك النهائي.

هذه السياسات ثبت أنها لم تكن في محلها، لعجزها عن خلق صناعات وطنية قادرة على المنافسة في حال تحرير التجارة، ما تزايدت وتيرته في ظل التزامات مصر الدولية في إطار منظمة التجارة العالمية، أو الاتفاقات الثنائية ومتعددة الأطراف المختلفة التي ارتبطت فيها مصر بتركيا أو بالاتحاد الأوروبي.

هل يعني هذا أنه ما من وسيلة للاستفادة من وجود سوق محلية كبيرة في مصر؟

بناء تنافسية الصناعات المحلية في السوق المحلية أمر أقل تكلفة من المنافسة في أسواق التصدير، والتي غالبًا ما تكون مرهونة بالحصول على الكثير من المعلومات وبناء شبكات للتوزيع والتسويق، في بلدان بعيدة عن خاطر وعلم الغالبية الكبيرة من المنتجين المحليين في أي بلد نام مثل مصر

الإجابة بالنفي، لأن بناء القدرة على التنافس لدى القطاعات الصناعية والخدمية قد يمتد للقطاعات المحلية، تمامًا كتلك التصديرية، طالما كانت الحماية غير مؤبدة ومرهونة بجدول زمني وبخطوات ومعايير واضحة، توفر الفرصة للمنتجين المصريين للوجود، كما توفر لهم فرص البقاء، ثم تتركهم للمنافسة بدرجاتها المختلفة مع الواردات، ما سينعكس إيجابًا، في حال نجاحه، على ميزاني التجارة والمدفوعات، وستتوفر من خلاله العملة الصعبة، بالإضافة لتحقيق معدلات من النمو والتشغيل، تمامًا كقطاعات التصدير. مع العلم أن بناء تنافسية الصناعات المحلية في السوق المحلية أمر أقل تكلفة من المنافسة في أسواق التصدير، والتي غالبًا ما تكون مرهونة بالحصول على الكثير من المعلومات وبناء شبكات للتوزيع والتسويق، في بلدان بعيدة عن خاطر وعلم الغالبية الكبيرة من المنتجين المحليين في أي بلد نام مثل مصر.

في العقود القليلة الماضية، استفادت الاقتصادات الكبرى مثل الهند والصين والبرازيل، من وجود أسواق محلية ضخمة لديها، لتهيئة الظروف، لا أمام توسيع القطاعات التصديرية فحسب، بل كذلك لدعم تنافسية الصناعات المحلية، على أن تكون قادرة على المنافسة ولا تعتمد، بشكل يكاد يكون كاملًا، على الحماية المؤبدة والممتدة من جانب الدولة، كما هو الحال في مصر. ولا شك أن صياغة استراتيجية تجارة وتصنيع تجمع بين الشقين في حالة مصر، سيكون أمرًا ذا عائد اقتصادي واجتماعي كبير، يضمن للبلد قدرًا من التنويع، ويضمن الاستفادة من وجود سوق محلية كبيرة، بدلًا من أن تحشر مصر نفسها في «سباق نحو القاع»، مع اقتصادات متشابهة هيكليًا، في ظل تراجع فرص التصدير أصلًا، مع استفحال الأزمة في الاتحاد الأوروبي (أكبر سوق للصادرات المصرية)، ومع اتجاه الولايات المتحدة، أكبر مستهلك في العالم، نحو المزيد من الحمائية، بالإضافة لتراجع القدرة الشرائية للخليج العربي، وهو الآخر سوق مهمة للمنتجات المصرية، في ظل انخفاض أسعار البترول.

اعلان
 
 
عمرو عادلي