Define your generation here. Generation What

جهود مكافحة الفساد بين مصر ورومانيا

تصدرت عناوينَ الصحف ووسائل الإعلام العالمية التظاهراتُ الكبرى التي غزت الكثير من ميادين وشوارع العاصمة وباقي المدن الرومانية في النصف الأول من فبراير الماضي، اعتراضًا على مرسوم حكومي سعى لتخفيف عقوبات السجن على مسؤولين سابقين معتقلين بسبب اتهامات بالفساد وسرقة مال عام ورشاوى وغسيل أموال، وكذلك تخفيف التشريعات المناهضة للفساد. ورغم سحب الحكومة المرسوم في 5 فبراير الماضي، بعد نزول مئات الآلاف من المتظاهرين، إلا أن التظاهرات استمرت في الميادين حتى تجاوزت النصف مليون في بلد لا يتعدى سكانها العشرين مليونًا، في المساء بعد سحب القرار، مطالبين باستقالة الحكومة التي لم يمر سوى شهر على توليها الحكم والمشكَّلة من الحزب الاشتراكي الديمقراطي بعد فوزه في الانتخابات التشريعية ديسمبر الماضي.

أكثر من 1500 سياسيًا وموظفًا كبيرًا في رومانيا أصبحوا خلف القضبان بعد إدانتهم بالفساد خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة

وأمام استمرار هذه الموجات من التظاهرات غير المسبوقة منذ سقوط الشيوعية في رومانيا، والتي تتهم الحكومة بالفساد، اضطر وزير العدل، فلورين إيورداتش، الذي شارك في صياغة المرسوم، للاستقالة في 9 فبراير، كما أصبح الحزب الاشتراكي الذي اكتسح الانتخابات البرلمانية في ديسمبر 2016، يواجه امتعاضًا من جميع الشعب الروماني تقريبًا، وسط مطالبات بضرورة إسقاط هذه الحكومة الفاسدة.

رغم أن مكافحة الفساد في رومانيا لا تزال ظاهرة حديثة، لاسيما مع بداية عام 2002، إلا أن كشف فضائح الفساد أصبح بمثابة جزء من يوميات الرومانيين، فأكثر من 1500 سياسيًا وموظفًا كبيرًا في البلاد أصبحوا خلف القضبان بعد إدانتهم بالفساد خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، ففي 2014، فُتحت ملفات أكثر من 9100 شخصية، وقُدّم أكثر من ألف منهم إلى المحاكمة.

وخلال عام 2015 فقط، طالت اتهامات الفساد خمسة وزراء و16 نائبًا برلمانيًا وخمسة من أعضاء مجلس الشيوخ و97 عمدة مدينة أو مساعد عمدة، كما اضطر رئيس الوزراء عن حزب الاشتراكيين الديمقراطيين، فيكتور بونتا، للاستقالة من منصبه في نوفمبر 2015 بعد اتهامه بالتزوير والتواطؤ في التهرب الضريبي وغسيل الأموال، في أحداث تعود للفترة بين 2007 و2011، حينما كان محاميًا.

بدأت الأزمة الحالية بعد شهر من تولي الحكومة الجديدة مناصبها، إذ حاولت بشكل سري تمرير قانون يعرقل الحملات المناهضة للفساد التي باتت تقلق الطبقة السياسية بشدة، وتطيح بالكثير من المسؤولين خلال الأعوام الأخيرة، وكذلك تقليص سلطات المحققين ضد الفساد، إذ كان من المفترض، بحسب القانون الجديد، إطلاق سراح 2500 معتقلًا في قضايا رشاوى وفساد، ومنع الملاحقة القضائية أو فرض العقوبات،  بالإضافة لعدم تجريم أي حالة فساد لا تتعدى  الـ 200 ألف ليو (44 ألف يورو).

وعي جماهيري

هذا الوعي الجماهيري، ورفض مئات الألاف من المواطنين محاولات الإفراج والصفح عن السياسيين السابقين المتهمين بالفساد، بشعارات «لا للفساد» و«موحدون جميعًا ضد الفساد»، صدم العديد حول العالم وأظهر إرادة المواطن الروماني في مكافحة هذا الوباء المستشري في البلاد.

بحسب دراسة لمؤسسة الشفافية الدولية في ديسمبر 2014، فالرومانيون هم أكثر المواطنين إحساسًا بالفساد في حياتهم اليومية

تصدر هذا الإعجاب بالوعي الشعبي صحف العالم، حيث أوضح تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية أن رومانيا أسرت انتباه العالم حينما خرج مئات الألاف من المواطنين للشوارع اعتراضًا على المرسوم الحكومي الذي رأى الكثيرون أنه يعيق مكافحة الفساد، مشيرة إلى أن الفساد هو مشكلة متوطنة عبر شرق أوروبا، لكن الكفاح الطويل لرومانيا ضده وضع هذا الملف في قلب النقاش السياسي هناك.

في استطلاع أجرته مؤسسة «أنسكوب ريسرش» في نهاية أكتوبر 2015، ظهر أن 90% من المشاركين لا يتمنون التصويت لمرشح واجه تحقيقًا أو حُكم عليه بالفساد، كما اعتقد 88,4% من المشاركين أن الشخصيات المدانة في إطار قضايا فساد لا ينبغي عليهم شغل منصب عام.

وأمام ذلك، هناك العديد من علامات الاستفهام التي تطرح نفسها: كيف وصل الشعب الروماني إلى هذا الوعي ليخرج ضد محاولات الإفراج عن المسؤولين الفاسدين؟ وكيف أصبحت رومانيا بمثابة مثال عالمي في مكافحة هذه الآفة؟

في 23 نوفمبر 2015، قال هويت بريان يي، نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكية للشؤون الأوروبية والأوروأسيوية في بوخاريست، إن رومانيا أصبحت نموذجًا لمكافحة الفساد في المنطقة. وبحسب دراسة لمؤسسة الشفافية الدولية في ديسمبر 2014، فالرومانيون هم أكثر المواطنين إحساسًا بالفساد في حياتهم اليومية وفي أداء مؤسساتهم.

الفساد في مصر.. جزء من الحياة اليومية

على صعيد الفساد الحكومي والقطاع العام، فالقاهرة تتشابه كثيرًا ببوخارست، حيث غالبًا ما تأتي مصر في ذيل قوائم الدول الأكثر فسادًا حول العالم، إذ صنّفت منظمة «الشفافية الدولية»، مصر ضمن مؤشرها في مدركات الفساد لعام 2016، في المرتبة 108 من أصل 176، وأعطت المؤسسة لمصر 34 نقطة في كفاحها للفساد (كلما اقتربت الدرجة من الرقم 100 كانت الدولة نظيفة، وكلما اقتربت من الصفر، كانت أكثر فسادًا)، في تراجع نقطتين عن العام الماضي وثلاث نقاط عن 2014.

تقرير منظمة الشفافية الدولية الأخير عن الدول العربية، بيّن أن الفساد يبقى مستشريًا في مصر في ظل غياب أي إرادة سياسية حقيقية وجادة لمكافحته

وأوضحت المنظمة في تقريرها أن نتائج العام الحالي تسلط الضوء على العلاقة بين الفساد وعدم المساواة، الذين يغذيان بعضهما البعض ويرسمان دائرة خبيثة بين الفساد والتوزيع غير المتساوي للثروة والسلطة في المجتمع.

ورغم اعتقال ومحاكمة  العديد من كبار المسؤولين خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة في مصر، وعلى رأسهم وزير الزراعة السابق صلاح هلال بعد استقالته في سبتمبر 2015، ثم الإطاحة بوزير التموين السابق خالد حنفي، على خلفية اتهامات بإهدار المال العام وفضيحة فساد القمح، وكذلك القبض على أمين عام مجلس الدولة وائل شلبي، وانتحاره في ظروف غامضة في ديسمبر من العام الماضي، إلا أن تقرير منظمة الشفافية الدولية الأخير عن الدول العربية، بيّن أن الفساد «يبقى مستشريًا في مصر في ظل غياب أي إرادة سياسية حقيقية وجادة لمكافحته، حيث قامت الحكومة بالتعدي على الهيئات المستقلة حين أقال الرئيس عبد الفتاح السيسي بمرسوم رئاسي رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، هشام جنينة، وإدانته ومحاكمته قضائيًا عندما كشف عن حجم ما كلف الفساد في مصر في السنوات الأربع الأخيرة».

في دراسة تحت عنوان «الفساد في مصر»، أجراها أندرو بودفات، الباحث في منظمة «جلوب بارتنرز ديجيتال» البريطانية، في 2012، ظهر أنه رغم وقوف القانون ضد الرشوة والفساد، إلا أن هناك إدراكًا عامًا على نطاق واسع بين المصريين بأن الرشوة والفساد سمتان من سمات حياتهم اليومية. أشارت الدراسة أيضًا إلى أن المصريين يجدون أنفسهم مضطرين لدفع أموال أو تقديم هدايا من أجل الحصول على رخصة لإقامة نشاط تجاري أو تجنب الحصول على مخالفات مرورية، وكذلك تجنب دفع غرامات أو التعرض لعقوبات من قبل شرطة المرافق، والحصول على رخص سيارة أو قيادة، وعلى رخص بناء أو إزالة، وكذلك إلحاق الأبناء بالمدارس وخفض الضرائب المفروض دفعها.

وبحسب الدراسة، فالتعامل مع الرشاوي والفساد في مصر يجري في إطار قانون العقوبات المصري الذي يضع أحكامًا تتناولها في كل من القطاعين العام والخاص. تشير الدراسة إلى أن مصر صدّقت في 2005 على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، لكنها لم تنضم لاتفاقية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في مكافحة الرشوة من مسؤولين أجانب عموميين في تعاقدات الأعمال الدولية، كما لم تنضم إلى اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمنع الفساد ومكافحته.

رومانيا.. وكالات مستقلة تكافح الفساد

يعود النجاح الكبير الذي حققته رومانيا في مكافحة الفساد، والذي يلقى صدى شعبيًا واسعًا، إلى ترسانة قضائية ومؤسسية تعمل على مكافحة هذا الوباء الذي أخّر انضمام بوخارست إلى الاتحاد الأوروبي حتى عام 2007، وفق دراسة اقتصادية للحكومة الفرنسية.

لدى رومانيا سمعة سيئة طويلة، إذ تعتبر واحدة من أكثر الدول فسادًا في أوروبا، كما يعتبر عقد اتفاقات سرية ومخالفة للقانون، إضافة إلى الرشوة، جزءًا من الثقافة الشعبية هناك، حتى بعد سقوط الديكتاتور الشيوعي نيكولاي تشاوشيسكو. وتضع منظمة الشفافية الدولية سنويًا رومانيا في قاع مؤشر الفساد في الاتحاد الأوروبي.

كان أحد الشروط الرئيسية التي وضعها الاتحاد الأوروبي لدخول رومانيا ضمن أعضاءه هو القضاء على الفساد المستشري فيها، وتضمنت مطالبه تمرير قوانين جديدة ووضع هيئات رقابية حديثة لمكافحته.

وبالفعل أنشأت رومانيا «المديرية الوطنية لمكافحة الفساد» Directia Nationala Anticoruptie (DNA) في 2002، التي لعبت دورًا رئيسيًا في المعركة ضد الفساد، وحققت نجاحات كبرى، وصُنّفت واحدة من أكفأ خمس وكالات لمكافحة الفساد في أوروبا، بحسب تقرير للاتحاد الأوروبي في 2014.

لم يعد أحد بمأمن من المديرية الوطنية لمكافحة الفساد، مهما كان منصبه، فـ 90% ممن لاحقتهم المديرية أدينوا من قبل المحاكم

بدأت جهود هذه المديرية فعليًا من ديسمبر 2004، مع تعيين مونيكا ماكوفي على رأس وزارة العدل ثم تعيين دانيل مورار على رأس المديرية الوطنية لمكافحة الفساد، وقد دفعا بشكل واضح جهود مكافحته، عقب تهديد الاتحاد الأوروبي في نفس العام بتأجيل انضمام بوخارست إليه لما بعد 2007.

لم يعد أحد بمأمن من هذه المديرية مهما كان منصبه، سواء كان وزيرًا أو قاضيًا أو مدعيًا أو موظفًا كبيرًا، فـ 90% ممن لاحقتهم المديرية أدينوا من قبل المحاكم. وبسببها أطلق رئيس الوزراء الأسبق، أدريان ناستاسي، النار على نفسه محاولًا الانتحار في يونيو 2012 بعد إسقاط حكومته ومواجهته السجن لمدة عامين بتهمة جمعه لأموال حملته الانتخابية في 2004 بطريقة غير شرعية، قبل أن يواجه السجن من جديد لأربعة أعوام في قضايا رشوة أخرى.

خليفته أيضًا واجه نفس المصير تقريبًا، إذ قدمت المديرية فيكتور بونتا للمحاكمة، مع حلِّ حكومته في نوفمبر 2015، في تهم تتعلق بالتزوير وغسيل أموال، إضافة إلى تحقيقات أخرى في حريق ملهى ليلي في نهاية أكتوبر تسبب في مقتل 32 شخصًا.

كما أن هوريا جيورجيسكو، رئيس أقوى وكالة تختص بمكافحة الفساد في البلاد، «وكالة النزاهة»، قبع هو الآخر في السجن لاتهامه بوضع مبالغ ضخمة تصل إلى 75 مليون يورو لبعض المباني حينما كان موظفًا عامًا، بالإضافة لإجبار وزير المالية الأسبق، داريوس فالكوف، على الاستقالة من منصبه في منتصف مارس 2015 بتهمة تلقي رشوة بقيمة مليونَيْ يورو حينما كان عمدة مدينة في جنوب البلاد، واعتقال عمدة بوخارست السابق، سورين أوبريسكة بعد مداهمة القوات الخاصة لمكتبه، في سبتمبر 2015، بعد اكتشاف تلقيه عمولات بنسبة 10% من أرباح تعاقدات الأعمال في مدينته.

من القضاء والصحة إلى الشرطة والجمارك، تطال الاعتقالات المتعلقة بتهم الفساد جميع القطاعات تقريبًا في رومانيا، ففي نوفمبر 2014، اعتقلت المدعية ألينا بيكا، رئيسة جهاز الكفاح ضد الجريمة المنظمة، بتهم تتعلق بالفساد والرشوة والمبالغة في تعويضات أراضي مسلَّمة، وحُكم عليها بالسجن لثلاثة أعوام وستة شهور، كما حُكم في نفس القضية على الرئيس السابق للوكالة الوطنية للإدارة المالية، سربنان بوب، بالسجن لخمس سنوات.

وفي 9 فبراير 2011، وجهت الوكالة ضربة قوية لأفراد الشرطة والجمارك المرتشين، إذ اعتقلت قوات الأمن 170 موظفًا في الجمارك والشرطة بتهمة تهريب السجائر.

وفي 2014، قضت محكمةٌ بالسجن لخمس سنوات على وزير المواصلات، يلو فنشيو، وعشرة أعوام بالسجن على العضو السابق في مجلس الشيوخ، دان فويكلوسكون، إضافة إلى عامين لوزير المواصلات السابق، ميرون ميتريا.

وفي أكتوبر 2015، اعتُقل مسؤولون كبار في فرع شركة «فيوليا» للمياه، بعد محاكمتهم بتهم تتعلق بتجارة النفوذ والتهرب الضريبي وغسيل الأموال، بعد تمكنهم من شراء ذمم مسؤولين محليين في بوخارست لرفع أسعار مياه الشرب. كانت هذه القضية بمثابة فضيحة، لاسيما أن أسعار المياه تضاعفت 12 مرة عن أسعارها في عام 2000، وهو ارتفاع في السعر لا يمكن تبريره بالتضخم المالي في البلاد.

مساعدة قوات الأمن لأجهزة الرقابة في رومانيا

وبحسب موقع مديرية مكافحة الفساد الرومانية على الانترنت، فهي وكالة مستقلة متخصصة في مكافحة الفساد المتوسطة والعليا المستوى، وأسهم نشاطها في خفض مستويات الفساد ودعم المجتمع الديمقراطي وفق القيم الأوروبية.

تكمن الميزة الأساسية لهذه المديرية في استقلال محققيها وحقهم في التحقيق مع أي شخص وتوجيه الاتهامات ضده واعتقاله، لاسيما بفضل مساعدة الأجهزة الأمنية التي تقدم تسجيلات لمكالمات للشخصيات المستهدفة. ويتولى إداراتها لاورا كودورتا كوفسي منذ مايو 2013، وتقدر موازنتها في 2015 بـ 22 مليون يورو، وتضم 120 محققًا.

وكالة النزاهة.. ذراع أخر أمام فساد الطبقة السياسية الرومانية

تأسست «وكالة النزاهة» عام 2007، وهي مؤسسة مستقلة أيضًا، ويكمن دورها في تعقب حالات الثراء الشخصي أو صراع المصالح وكذلك عدم التوافق بين وزراء أو منتخبين أو موظفين كبار.

تضم وكالة النزاهة حوالي مائة موظف، وتنشر بيانات ثروات جميع الموظفين الذين يتولون وظائف عامة، وبحسب تقرير لمؤسسة «جريكو» (مجموعة الدول المناهضة للفساد) نشر في 22 يناير 2016، فإن وكالة النزاهة قد تصبح نموذجًا لمكافحة الفساد.

تولى هوريا جيورجيسكون رئاستها في أبريل 2012، لكنه اعتقل، كما سبق الذكر، بعد اتهامات من مديرية الأمن لمكافحة الفساد بسوء استخدام السلطة والفساد!

خوف الطبقة السياسية الرومانية

تحظى مديرية الأمن  الوطني، في الوقت الراهن على وجه الخصوص، بدعم الرئيس الجديد كلاوس إيوهانيس، المنتخب في نوفمبر 2014، والذي يشجع جهودها في مكافحة الفساد، إذ برز دوره مع تعيين الرئيسة السابقة للشفافية الدولية في رومانيا، رالوكا ألكساندار برونا، على رأس وزارة العدل، ما شكّل دفعة حقيقة للجهود لمكافحة الفساد في رومانيا.

جانب أخر يخدم سياسات مكافحة الفساد في رومانيا، هو الدعم الشعبي لمثل هذه الجهود وحدوث طفرة في الإدراك والعقلية لدى المواطنين، وهو ما ظهر بشكل واضح وفق استطلاع «أنسكوب ريسرش» المذكور أعلاه، وإشادة رئيسة المديرية الوطنية لمكافحة الفساد بهذا الوعي.

المرسوم قوبل بتظاهرات واسعة عمت البلاد وشارك فيها في بعض الأحيان نصف مليون شخصًا

يلعب المجتمع المدني هو الآخر دورًا آخر في تشجيع هذه الجهود والتوعية واتخاذ مواقف وقائية، فعلى سبيل المثال، أنشأت منظمة «الشفافية الدولية في رومانيا»، مركز نصائح ودعم قضائي، وهو منصة على الانترنت تقترح المساعدة القضائية، كما تطلق تحذيرات ضد الفساد.

غير أن هذه الجهود شكلت ناقوس خطر لجزء كبير من النخبة السياسية والتشريعية والخدمية المعروفة بفسادها، والتي سعت على مدار الأعوام الأخيرة لعرقلة هذه الجهود، ففي ديسمبر 2013، صوّت نواب البرلمان الروماني على سلسلة من التعديلات التي تضمن لهم الحصانة في قضايا الفساد، لكن وزارة العدل ومنظمات المجتمع المدني اعتبروا ذلك بمثابة فضيحة، وتدخل الاتحاد الاوروبي ليطلب توضيحات من بوخارست، ولم يمر سوى أسبوعين حتى قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم شرعية هذه التعديلات.

رغم فشل تمرير هذه التعديلات، حاولت الحكومة المنتخبة حديثًا من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، تمرير المرسوم الأخير سريًا لرفع العقوبات على بعض السياسيين المعتقلين في قضايا فساد، وكذلك تقليص حدود نشاط المحققين، إلا أن هذا المرسوم قوبل بتظاهرات واسعة عمت البلاد وشارك فيها في بعض الأحيان نصف مليون شخصًا، لم يقنعهم سحب المرسوم وإقالة وزير العدل، بل طالب جزء منهم أيضًا بإقالة الحكومة.

في مصر، الرئيس يتولى الرقابة ضد الفساد

أما فى مصر فالوضع مختلف، فهناك بعض الأجهزة المختصة بمكافحة الفساد، وعلى رأسها هيئة الرقابة الإدارية، التي أُنشئت بقانون رقم 54 لسنة 1964، وهي هيئة مستقلة تتبع رئاسة مجلس الوزراء وتمارس كافة أشكال الرقابة الإدارية والمالية والفنية وضبط الجرائم.

تختص الهيئة بالتحري في أسباب القصور في العمل والإنتاج واقتراح وسائل تلافيها، والكشف عن عيوب النظم الإدارية والفنية والمالية، ومتابعة تنفيذ القوانين والتأكد من كون القرارات واللوائح والأنظمة السارية وافية، والكشف عن المخالفات الإدارية والمالية والفنية، وكشف وضبط الجرائم الجنائية التي تقع من العاملين وتمس أداء واجبات الوظيفة، وبحث ودراسة ما تنشره الصحافة من شكاوى أو تحقيقات صحفية وبحث الشكاوى التي يقدمها المواطنون.

إلى جانب ذلك، فهناك الجهاز المركزي للمحاسبات، وهو هيئة مستقلة، تتبع رئاسة الجمهورية، بحسب موقعها على الإنترنت، وتهدف أساسًا إلى تحقيق الرقابة الفعالة على أموال الدولة وأموال الشخصيات العامة الأخرى وغيرها، كما تُعاون مجلس الشعب في القيام بمهامه في الرقابة.

يعود تأسيس المركزي للمحاسبات إلى المرسوم الملكي رقم 52 لسنة 1942، بهدف إنشاء هيئة مستقلة للرقابة على المال العام.

ورغم أن المركزي للمحاسبات هو هيئة رقابية مستقلة لا يحق لرئيس  الجمهورية عزل قياداتها، إلا أن الرئيس السيسي أقال رئيس الجهاز السابق، هشام جنينة، بعد نشر تقرير تكلفة الفساد في مصر، والتي تصل لـ600 مليار جنيه، وتتورط فيها العديد من الوزارات، وهو ما لاقى صدى واسعًا حول العالم ومن منظمات المجتمع المدني والمنظمات المعنية بمكافحة الفساد.

لورا كودروتا: بعبع النخبة السياسية في رومانيا

تعتبر رومانيا من الدول النادرة في العالم التي احتشد فيها متظاهرون للهتاف باسم محققة، فمنذ بداية الاحتشاد التاريخي ضد المرسوم الحكومي لإضعاف الكفاح ضد الفساد في 31 يناير، رأى المتظاهرون في لورا  كودروتا كوفيسي، رئيسة الـ «DNA» أو «المديرية الوطنية لمكافحة الفساد»، بطلتهم، إذ كانت شعاراتهم الرئيسية في الشوارع بجميع مدن البلاد، هي «DNA، DNA، ستأتي لاصطيادكم»، و«دراينا (رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي)، لا تنس، لورا تنتظرك».

تعلق لورا نجاحها على «تغير عقليات» الرومانيين، ويبدو أن التظاهرات الأخيرة أكدت رؤيتها، فقد ردد المتظاهرون شعارات بينها «كودروتا، لا تنسي، نحن ندعمك»

توضح الصحيفة أنه بالنسبة للمتظاهرين، فإن لورا هي الشخصية الوحيدة التي جرؤت على مهاجمة الطبقة السياسية المعروفة بفسادها، بداية من ليفيو دراينا، المدان بالاحتيال الانتخابي في 2015، إضافة إلى مواجهته قضية أخرى تتعلق بإهدار المال العام، وكل ذلك بفضل تحقيقات أجرتها المديرية الوطنية لمكافحة الفساد، ومنعته من أن يصبح رئيسًا للوزراء، رغم فوزه الكاسح في الانتخابات التشريعية في 11 ديسمبر 2016، ولو لم يُلغَ المرسوم الأخير للحكومة لتخفيف العقوبات على المدانين بالفساد في 5 فبراير الماضي، لكانت قضية إهدار المال العام قد سقطت من على دراينا.

لكن طاولة الصيد بالنسبة للورا كودروتا كوفيسي، البالغة من العمر 43 عامًا، والمعروفة بعدم مرونتها، تتجاوز بكثير رئيس الحزب درينا، فمنذ تعيينها على رأس هذه المديرية في 2013، اعتُقل آلاف المسؤولين السياسيين في البلاد.

وأوضح تقرير لموقع التليفزيون وإذاعة سويسرا «RTS»، سلّط الضوء على جهود لورا في مكافحة الفساد في رومانيا، أن اسمها كان يتردد أحيانًا في التظاهرات خلال العشرة أيام، لافتًا إلى أنها أصبحت بمثابة «رمزًا» للكفاح ضد الفساد في البلاد.

بل وبيّن التقرير أن المديرية الوطنية لمكافحة الفساد أصبحت أكثر المؤسسات التي تحظى بالثقة في البلاد بعد الكنيسة الأرثوذوكسية والجيش.

لورا كودروتا

تعلق لورا نجاحها على «تغير عقليات» الرومانيين، الذين يبدون الآن أقل تسامحًا مع الفساد، ويبدو أن التظاهرات الأخيرة أكدت رؤيتها، فقد ردد المتظاهرون شعارات بينها «كودروتا، لا تنسي، نحن ندعمك».

يوضح التقرير أن لورا كودروتا تحظى بشعبية كبيرة في رومانيا، وباتت تحظى بسمعة على الساحة الدولية، حتى أن فرنسا منحتها وسام الشرف في 2016.

هشام جنينة: ضحية «محاربة الفساد»

كان مصير هشام جنينة ليختلف تمامًا عما هو الآن، لو كان هناك وعي جماهيري يدعمه في مواقفه لمحاربة الفساد، مثلما حدث مع كودروتا كوفيسي في رومانيا.

أوضح تقريرٌ نشرته منظمة الشفافية الدولية في 10 يونيو 2016، تحت عنوان «ثلاثة أسباب: لماذا تعد مهاجمة أكبر مراقب في مصر خبرًا سيئًا؟» أن تقديم كبير المراقبين في مصر، هشام جنينة للمحاكمة، يبعث برسالة واضحة: الحكومة المصرية تشن حربًا، ليست ضد الفساد ولكن ضد من يحاربه.

يوضح التقرير أنه حينما جاء الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى السلطة في 2013، وضع محاربة الفساد على رأس أولويته، حيث قال في لقاء على التليفزيون العام: «ينبغي أن تكون هناك ثقة تامة في الهيئات الرقابية وإجراءاتها، وثقافة مكافحة الفساد ينبغي أن تسود»، ومع ذلك فإن كلمات السيسي بعيدة كل البعد عن أفعاله. فبعد إعلان هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، عن أن الفساد الحكومي كلّف مصر حوالي 67,6 مليار دولارًا خلال أربعة أعوام، تعرض لهجوم شديد من قبل دوائر سياسية وإعلامية مقربة من الحكومة.

على الفور شكلت الحكومة المصرية لجنة للتحقيق في الأرقام، وكانت هناك مؤشرات واضحة لوقوف جنينة على الجانب الصحيح، فمصر سجلت في هذا العام 36 نقطة من  100، وصُنّفت في المرتبة الـ 88 من أصل 168 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2015، ما يكشف عن خطورة مشكلة الفساد، بل وعن احتمالية أن تكون تقديرات جنينة أقل من تقديرات أخرى، ففي سبتمبر 2015، قدّر مركز التعبئة والإحصاء الحكومي أن الفساد يكلف مصر 25 مليار سنويًا.

بيّن تقرير منظمة الشفافية الدولية أن ملاحقة رئيس أقوى جهاز رقابي في مصر، هي خطوة خطيرة، لأنها تظهر عدم امتلاك الحكومة المصرية الإرادة السياسية الحقيقية لمكافحة الفساد

بعد هذا الإعلان، أصدر الرئيس السيسي مرسومًا رئاسيًا بالإطاحة برئيس الجهاز المركزى للمحاسبات وتعيين المستشار هشام بدوي خلفًا له. وخلال أيام قليلة، بدأت الملاحقة القضائية ضد جنينة بتهمة زعزعة السلم العام ونشر أخبار كاذبة.

وبيّن تقرير المنظمة أن ملاحقة رئيس أقوى جهاز رقابي في مصر، مع اغتياله معنويًا، هي خطوة خطيرة لثلاثة أسباب، أولها أنها تظهر عدم امتلاك الحكومة المصرية، ورغم الوعود السابقة، للإرادة السياسية الحقيقية لمكافحة الفساد. وثانيها أن مثل هذه الخطوة تقوّض بشدة استقلالية الأجهزة التنظيمية في مصر، لا سيما وأن الجهاز المركزي للمحاسبات هو أقوى مؤسسة رقابية في البلاد. وثالثًا، فإن استهداف جنينة هو إشارة لتصاعد الحملة القمعية الواسعة على المجتمع المدني والناشطين، فباستهداف أكبر مكافح للفساد لمجرد أدائه عمله، فإن الحكومة المصرية تفرض سلطتها لتقويض الشفافية ولمنع محاسبة مسؤوليها.

لا يرتكز الكفاح ضد الفساد فحسب على المؤسسات، حتى وإن كانت قوية أو مستقلة، وإنما هو سياسة شاملة تعتمد على رغبة عميقة لدى النخبة السياسية، في إقامة سلطات منفصلة ومستقلة تلعب كل منها دورها المنوط بها، ومجتمع مدني قوي يساهم في الحرب ضد هذه الآفة، والأهم من ذلك كله هو خلق مواطن لديه وعي فردي يعاند الفساد، ولا يكتفي بالتعبير عن الاستياء في مكانه، وإنما الشعور بأن عليه دورًا والتزامًا جمعيًا يجبرانه على الوقوف ضد الفساد.

الإنسان بشكل عام مادة قابلة للتشكل حسبما تريد السلطة، وهذا أهم ما تقدمه التجربة الرومانية.

اعلان