Define your generation here. Generation What
سينيدلتا: أن تصنع أفلامًا وثائقية في مدن الدلتا
عن النشأة والفشل والنجاح، ومستقبل برنامج تعليمي فريد من نوعه
 
 
 
من فيلم "للضرورة أحكام" لأحمد حامد
 

«إيه أمنيتك؟»، سأل صوت من وراء الكاميرا في فيلم أحمد حامد «للضرورة أحكام». نعتقد أنه صوت المخرج، الذي يسأل العامل بمصنع الطوب، شعبان، البالغ من العمر 53 عامًا، والذي يبدو وجهه مظلمًا وبائسًا. «عاوز أحج»، يجيبه ثم ينفجر في البكاء.

الفيلم، الذي لا تتعدى مدته الست دقائق، يقابل أحداث آخر يوم لشعبان في المصنع بأول يوم عمل لشاب عمره 14 عامًا يدعى جمال. ومع ذلك حين طُرح نفس السؤال على جمال، كانت إجابته سطحية وخالية من أي حماس: «ولا حاجة.»

رغم احتواء فيلم «للضرورة أحكام» على بصريات ساحرة في بعض الأحيان، إلا أن الفيلم الفائز في الدورة الأولى لمهرجان «سينيدلتا للأفلام الوثائقية»، بدا وكأنه تقرير ذو حس فني عن عمال مصنع الطوب، بدلًا من أن يكون فيلمًا.

هذا الانطباع اتضح أكثر في فيلم «مش للبنات»، الحاصل على الجائزة الثانية في المهرجان. الفيلم من إخراج داليا فيظي، رشا حسني، نوران حاتم وندى الخولي، ويرصد نساء يكسبن قوتهن من أعمال تعتبر تقليديًا «ذكورية»، كما يقمن بأنشطة نادرًا ما يقوم بها النساء. الفيلم يتكون من مجموعة من المقابلات تتحدث فيها كل امرأة عن تجربتها والتحديات التي كثيرًا ما تقابلها.

جاء المهرجان تتويجًا لبرنامج تعليمي امتد لستة أشهر في صناعة الأفلام الوثائقية، وانعقد في مدينة الإسكندرية للطلاب القادمين من الدلتا. وهو ثمرة تعاون بين المنظمة الإيطالية غير الحكومية «ريسيرتسا إي كووبيريسونا Ricerca e Cooperazione» وشركة إنتاج «فيج لييف ستوديو» التي بدأت عملها بالإسكندرية عام 2016.

عملت المنظمة الإيطالية بشكل مماثل من قبل، حين دعمت وشاركت في تنظيم «سينما نت» و « Rising Starsالنجوم الصاعدة». وهما برنامجا تدريب في مجال صناعة الأفلام، وأقيما في القاهرة واختتما بمهرجان الأفلام المتجول «مصري أصلي» في عامي 2013 و2014 على التوالي. وفي عام 2016 رأت المنظمة ضرورة الخروج من القاهرة والانتقال إلى مناطق أخرى في مصر. ومن هنا حدث التعارف بإسلام كمال، أحد مؤسسي شركة «فيج ليف ستوديو»، وكان قد حصل على جائزة في مهرجان «مصري أصلي».

 «هناك تهميش مستمر لمنطقة الدلتا، تهميش اجتماعي واقتصادي، ناهيك عن التهميش التعليمي»، يقول أحمد فؤاد رجب، المنسق المفعم بالحيوية لسينيدلتا، وهو فنان شارك في برامج تعليمية بديلة مثل «ماس» بالإسكندرية، كما شارك في برنامج إقامة فنية ضمن مشروع مارس التعليمي بالشارقة، بعد أن تخرج من كلية الصيدلة. يضيف: «هناك نقص خطير في الخدمات، خصوصًا فيما يخص التعليم والثقافة. سينيدلتا هي محاولة لسد جزء من هذا الفراغ».

ومع ذلك فقد انعقدت الدورة التدريبية في الإسكندرية لسهولة العثور على أماكن هناك، وانعقدت معظم الدورات بمعهد جوته بالإسكندرية. في حين توزعت بقية الدورات على سويدالكس، المعهد الفرنسي ومتحف الإسكندرية للفنون الجميلة. وشمل البرنامج نفقات سفر الطلاب من مناطق مختلفة من الدلتا.

جاء التركيز على صناعة الأفلام الوثائقية من ملاحظة مماثلة: «لا توجد بمصر مؤسسات تعليمية تتخصص في تدريس صناعة الأفلام الوثائقية»، يقول رجب. «وهذا شيء غير مقبول في بلد مثل بلدنا. حيث هناك ثروة حقيقية، بسبب غزارة المواضيع التي يمكن اكتشافها.»

 «من المهم أيضًا إظهار واقع مصر من خارج حدودها. والأفلام الوثائقية هي طريقة رائعة للقيام بذلك»، يضيف جيني دي مايو، الشاب الإيطالي مدير المشروع الثقافي للمنظمة الإيطالية RC. «خصوصًا أن التغطية الإعلامية في مصر في الوقت الراهن محدودة وغير مهنية.»

يرى وليد الصاوي، الفنان البصري البالغ من العمر ثلاثين عامًا والذي درس بسينيدلتا، أن العيوب التي يعاني منها الفيلمان الفائزان هي اتجاه عام لمعظم الأفلام الوثائقية بمصر حاليًا، فيقول: «عادة ما تلقي هذه الأفلام الضوء على مواضيع وشخصيات متشابهة – حيث أن معظم الأفراد مهمشون ويعيشون في معاناة. كما يتم التعامل مع القضايا الشبيهة بنفس الطريقة. في نهاية المطاف تشعر وكأنك تشاهد تقريرًا تلفزيونيًا في برنامج لوائل الإبراشي، وليس عملًا فنيًا.»

رغم أن تركيزه في الأساس ينصب على فن الفيديو والفن الرقمي، فالصاوي يقول إن التجربة ككل مُرضية، ويضيف: «كان المعلمون يشجعوننا على التجربة بدلًا من الالتزام بقالب معين. وكان ذلك مفيدًا للغاية».

بدأ الأمر بدعوة مفتوحة، استجاب لها 65 متقدمًا، واختير منهم عشرون طالبًا، معظمهم من الإسكندرية، ولكن أيضًا من مدن أخرى مثل طنطا وكفر الشيخ والبحيرة. «هدفنا هو تدريب الطلاب في جميع مراحل صناعة الفيلم الوثائقي، وليس فقط كمخرجين»، يشرح رجب. «ولذلك اخترنا بعضًا ممن كانوا باحثين جيدين بلا خلفية في صناعة الأفلام، وآخرين لديهم الاستعداد ليكونوا منتجين جيدين، وغيرهم ممن أظهروا موهبة في التصوير الفوتوغرافي.»

قام كل من الموجهين الرئيسيين بتغطية جزء معين من صناعة الأفلام الوثائقية، وهما أيضًا من القوى الدافعة وراء «فيج ليف ستوديو»: مارك لطفي (كتابة السيناريو والحكي)، كمال (نمط المونتاج)، مروان عمارة (إنتاج)، ومينا نبيل (تصوير سينمائي).

ويرى الصاوي الذي شارك في برامج دراسة مستقلة سابقًا، مثل ماس بالإسكندرية وهوم وركس ببيروت، أن ورش نبيل وكمال نافذة البصيرة. «دراسة الجوانب التقنية شيء مبهر، لأنك تكتشف أهمية كل جانب، وتأثيره الذي يقارب أهمية الإخراج»، يقول الصاوي. «على سبيل المثال، يثير الاهتمام للغاية أن تشهد قدرة المونتاج على تغيير القصة أو المعنى بشكل كامل.»

يقول رجب إنهم خططوا منذ البداية لعقد خمس ورش عمل فقط. ولكن الأمور ظلت تتطور وتتوسع لتشمل 25 ورشة عمل عقدتها مجموعة من الموجهين الضيوف، بالإضافة لورش قصيرة (ماستر كلاس) قدمتها مجموعة من صناع الأفلام من مصر والخارج. تضمنت مجموعة المخرجين الذين تولوا قيادة الورش القصيرة المخرج رامي نيحاوي من لبنان، والذي مثّل فيلمه «يامو» دراسة حالة للمناقشة مع الطلاب. والمخرج الإيراني الفرنسي رضا سركانيان (زواج عابر، 2011)، والمخرجة نادين صليب، التي يعد فيلمها «أم غايب» (2014) واحدًا من أبرز الأفلام الوثائقية المصرية في السنوات الأخيرة.

قاد المنتج الفرنسي ميشيل بلاجيه ورشة عمل تسلط الضوء على عملية الإنتاج في المنطقة. شارك بلاجيه في إنتاج أفلام عربية مثل فيلم «حبيبي بيستناني عند البحر» (2013) للمخرجة ميس دروزة، وفيلم «آخر أيام المدينة» (2016) للمخرج تامر السعيد. ويقول رجب إنه كان من المهم أن يتعلم الطلاب من خبرات حقيقية في مجال صناعة الأفلام في هذه المنطقة.

كان أحد الأهداف هو خلق توازن بين التعليم النظري والعملي. وفي ورشة قادها المخرجين ميا فرايلاند وفليمنج لينجسه من الدنمارك، شارك الطلاب بشكل يومي في تدريبات عملية. حيث كانوا يصورون في الشوارع، ويمنتجون المادة المصورة، ويعرضونها لتصبح مادة للنقاش. «الورش العملية التي سمحت لنا بالحصول على تجارب عملية وخبرة حقيقية، كانت بالتأكيد أكثر جاذبية بالنسبة لي»، يقول الصاوي، الذي يعتقد أن على المنظمين العمل من أجل التركيز على الجانب العملي للورش في المستقبل.

ورشة عمل أخرى للمخرج الأمريكي والمصور السينمائي ريتشارد بيرس، الذي رشح لجائزة إيمي عن فيلم «الأيام الأخيرة» (1989)، والمونتيرة لينزي كلينجمان التي رشحت لجائزة أوسكار عن «طار فوق عش المجانين» (1975)، قدمت نوعًا مختلفًا من السينما عما تطرقت إليه ورش العمل الأخرى. يقول رجب: «نظرًا لأن البرنامج ممول من الاتحاد الأوروبي، نعرض أفلامًا أوروبية كثيرة». ويضيف: «هذه الورشة أعطت الفرصة للطلاب لرؤية أفلام أميركية، مع التركيز الخاص على عوامل مهمة مرتبطة بالسوق واختيارات الجمهور».

إجماليًا، عمل الطلاب في مجموعات على ستة أفلام وثائقية قصيرة، من بينها فيلمان بإنتاج مشترك مع معهد جوته، أما بقية الأفلام فبإنتاج مشترك بين سينيدلتا وفيج ليف ستوديو. يقول رجب إن أكبر مكافأة حصل عليها نتاجًا لهذا المشروع، كانت مثابرة الطلاب وإصرارهم على صناعة تلك الأفلام رغم الموارد القليلة والمحدودة.

كان رجب شديد الإعجاب بفيلم «برطمان سمك» لجوزيف عادل. وهذا الفيلم يتكون من سلسلة من النوادر القصيرة التي وجدها رجب مسلية ومحفزة بصريًا وعقليًا، رغم عدم وجود خط سرد واضح بينها. كما يذكر الجانب التداخلي لفيلم «عم صبحي» لمحمد محمود، والذي يصاحب عم صبحي، صانع الأحذية الذي أصبح متجره علامة من علامات مدينة الإسكندرية. ساعد محمود عم صبحي على اختبار شغفه القديم مرة أخرى.

عُرضت الأفلام الستة للطلاب كلها خلال المهرجان، والذي استمر في الفترة من 1 إلى 9 فبراير الماضي في الإسكندرية وطنطا ورشيد، بالإضافة إلى فيلمين وثائقيين للمخرج السويدي الإيطالي إريك جانديني، والذي قدم هو الآخر ورشة قصيرة (ماستر كلاس). تضمنت المسابقة (مسابقة مصر الفورية) عشرين فيلمًا وثائقيًا مصريًا تناولت قضايا تخص مصر. وكانت الجائزة الأولى عبارة عن برنامج إقامة لمدة أسبوعين في جامعة ستوكهولم للفنون.

 «الهدف الرئيسي من سينيدلتا هو الانتشار»، يقول رجب. «نسعى لتسليط الضوء على منطقة الدلتا المهملة إلى حد كبير، تسليط الضوء على طلاب موهوبين وأفلام واعدة ليست لديها الفرصة الكافية للانتشار. كان هذا معيارنا الرئيسي حين اخترنا أفلام المسابقة».

حقق المهرجان في مدينة الإسكندرية أعلى حضور. ورغم ذلك، يتفق رجب ودي مايو على أن تجربة طنطا تعد مفاجأة سارة، من حيث أرقام الحضور وحماس النقاش في الندوات. في السنوات الأخيرة ارتبطت طنطا نسبيًا بالساحة الثقافية في القاهرة، وذلك بالتعاون مع سينما «زاوية»، وبقيادة رابطة عشاق السينما والأدب بطنطا. أما رشيد فعُدت مكانًا أصعب لبعده عن النشاطات الثقافية في المدن الكبرى. ولذلك يرى دي مايو أن العمل هناك في غاية الأهمية.

يقول رجب إن الدورة القادمة من سينيدلتا ستعتمد أكثر على أساتذة سينما أكاديميين كموجهين أساسيين. «اتضح لنا أن المخرج المبدع ليس بالضرورة معلمًا ماهرًا»، يقول. «الاستعانة بأساتذة سينما سيسهل التواصل بين المعلمين والطلاب، بسبب الجانب التربوي لدى الأساتذة».

كما يعتقد، أنه سيكون من المفيد أيضًا أن يعمل كل طالب على مشروع واحد طوال مدة البرنامج، وليس مشروعًا مستقلًا في كل ورشة عمل. هناك أمل أن يُعتمد البرنامج، لتمكين الراغبين من الطلاب من إكمال دراستهم. تتناقش سينيدلتا حاليًا مع مدارس لصناعة الأفلام الوثائقية بألمانيا لديها نهج مماثل، للتوصل لإطار دائم للعمل يتضمن تبادل المناهج والأساتذة والطلاب.

تطوير التواصل في مدن الدلتا يعد هدفًا آخر، ويتضمن ذلك الوصول إلى عدد أكبر من الطلاب، وزيادة إشراك المجتمعات المحلية، وعقد دورات تدريبية خارج الإسكندرية. ستعتمد سينيدلتا على منسقين محليين من كل مدينة لتنظيم عروض أفلام طلاب هذه الدورة، تليها دورة إعلامية لشرح المشروع. «هناك الكثيرون ممن يرغبون في صناعة الأفلام ولكن لا يمكنهم العثور على القنوات الصحيحة»، يقول رجب. «مهمتنا هي البحث حتى نجدهم.»

___________________

ترجمة: منة الليثي

اعلان
 
 
ياسمين زهدي