Define your generation here. Generation What

الشعبوية الجديدة في الغرب، تاريخًا ومآلًا

تحاول هذه المقالة إثبات أن انتصار البشرية في الثورات الثلاث التي استغرقت التاريخ السياسي للقرنين التاسع عشر والعشرين، قد خلف فراغًا أيديولوجيًا هائلًا، وأن هذا الفراغ هو سبب رئيسي – إن لم يكن السبب الأصلي – لتجدد ظاهرة الشعبوية بتجلياتها المتطرفة في القومية والعنصرية، وفي العقائد الدينية، ولكنها تبقى مجرد موجة عابرة، ولن تكون صورة المستقبل لأمد طويل.

منذ الثورة الفرنسية الكبرى، والتي تزامنت مع بدء الثورة الصناعية (الأولى والأم) تحتَّمت على البشرية مواجهة ثلاثة تحديات كبرى، فكانت عليها أولًا مواجهة تحدي الطغيان السياسي ممثلًا في حق الملوك الإلهي في الحكم، بالتحالف مع الإقطاع والكنيسة، وكانت هذه المواجهة هي ميدان وموضوع وأيديولوجية «الثورة الديمقراطية»، بأركانها المتمثلة في العلمانية والليبرالية الاقتصادية والانتخاب العام والمساواة أمام القانون، وغيرها مما استجد.

وكان علي البشرية ثانيًا إقرار مبدأ الدولة الوطنية على أنقاض الإمبراطوريات القديمة الموروثة من العصور الوسطى، أو باستكمال الوحدة القومية في حالة التجزئة، كما كان حال إيطاليا وألمانيا، أو بالتحرر الوطني من الاستعمار الأجنبي، كما كان حال معظم شعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وكما كان حال شعوب البلقان من قبلها، وكما أصبح حال الشعوب التي حصلت على دولها الوطنية في أسيا، وفي البلطيق بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وكان هذا هو مضمون وميدان الأيديولوجيا القومية، في شقها التحرري والتقدمي.

و ثالثًا، كان على البشرية أيضًا، في معظم فترات القرنين التاسع عشر والعشرين، خوض معركة الصراع الطبقي أو العدالة الاجتماعية، في مواجهة ما أنتجته الثورة الصناعية من تركيز القوة الاقتصادية والسياسية في أيادي الرأسماليين والحكومات المعبرة عنهم، ومن بؤس واغتراب واستغلال للطبقات العاملة، وكان هذا هو جوهر الأيديولوجيا الاشتراكية، بشقيها الثوري والإصلاحي.

كانت هذه الأيديولوجيات الثلاث نتاجًا تلقائيًا لتطورات تاريخية، وبذلك كانت تلبي احتياجات موضوعية وملحة لكتل جماهيرية ضخمة، ومن ثم كانت قادرة على تنظيم تلك الكتل وتحريكها.

باستثناءات قليلة جدًا، ولا قيمة لها لوقوعها خارج سياق التاريخ، تمكنت القوى الشعبية الجديدة من إحراز الانتصار على الجبهات الثلاث، فاكتمل التحول الديمقراطي، وأصبح الحكم الشمولي الاستبدادي هو النشاز، وأُنجزت الوحدات القومية، وكذلك أُنجز التحرر الوطني بزوال آخر مخلفات عصر الاستعمار، عندما سقط حكم الأقلية البيضاء في جنوب إفريقيا، وفي انتظار حصول الشعب الفلسطيني على دولته المستقلة.

ثم انتصرت الاشتراكية – رغم انهيار المعسكر الشيوعي – وذلك من خلال غلبة مفهوم وتطبيقات دولة السوق الاجتماعية، في جميع دول العالم المتقدمة صناعيًا، رغم مقاومة الرأسمالية الأمريكية، وحدها تقريبًا، لهذا النموذج، مع اضطرارها في الوقت نفسه للرضوخ لبعض مقتضياته.

إذن شكّلت الأيديولوجيات الثلاث؛ الديمقراطية والقومية والاشتراكية، جدول أعمال البشرية، في الماضي القريب، مع اختلاف في الأولويات أحيانًا من مكان الى آخر، ومن زمان الى آخر، وكثيرا ما اجتمعت كلها، أو اجتمع اثنان منها في عدة حالات، فقد اقترنت الديمقراطية بالقومية مثلًا في حالات الهند، ومصر في ثورة 1919، واقترنت الاشتراكية بالقومية في الصين وفيتنام، واقترنت الاشتراكية بالديمقراطية والتحرر الوطني في العديد من دول أمريكا اللاتينية.

ثم جاء انهيار المعسكر الشيوعي، وانتهاء الحرب الباردة، في أواخر القرن العشرين، ليتوجوا هذه الثورات الثلاث بالنصر النهائي، فتتوقف عن أن تكون مصدرًا للإلهام الفكري، ومحركًا للصراع السياسي، فقد كان انهيار الشيوعية انتصارًا للقومية، لأنه كان حكمًا نهائيًا بالفشل على الفكرة الأممية، أو ما كان يسمى في الأدبيات الماركسية بوحدة الطبقة العاملة في جميع أنحاء العالم على حساب السيادات الوطنية. وفي الوقت نفسه تحررت دول أوروبا الشرقية والوسطى والبلقان، والجمهوريات الأسيوية، من الهيمنة السوفييتية، كما سبق القول. زال التهديد بالتوسع الشيوعي المصحوب بالهيمنة السوفييتية في دول أوروبا الغربية.

وكان انهيار الشيوعية، وتفكك حلف وارسو، انتصارًا للديمقراطية أيضًا، بثبوت فشل وانهيار النموذج الشمولي في تحقيق الحريات والرفاهية، وانكشاف عمق البؤس السياسي والاقتصادي الذي رزحت تحته الشعوب الخاضعة لهذه النظم من ألمانيا الشرقية وحتى كوريا الشمالية.

وبما أنه لم يكن في المستطاع، كما لم يحدث بالفعل، انقلاب شامل على مكتسبات الثورة الاشتراكية، متمثلة في نموذج دولة الرفاهية، أو دولة السوق الاجتماعي، وبما أن كل ما حدث حتى الآن هو تعديلات في سياسات العمل، والعلاقات الصناعية والضرائب وبرامج الرخاء الاجتماعي والتأمين الصحي، فقد انشغلت الحركة السياسية على مستوى الدولة الوطنية، في معظم أنحاء العالم، بسياسات النمو، وما يسمى بالتوازنات الكلية على مستوى الاقتصاديات القومية، وهنا ظهرت التجارب، (ولا نقول الأيديولوجيات) الريجانية والتاتشرية، أو النيوليبرالية، عند اليمين المحافظ في الغرب، ثم تجربة الطريق الثالث عند الاحزاب اليسارية بقيادة حزب العمال البريطاني، والحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، والجناح الليبرالي في الحزب الديمقراطي الأمريكي على عهد بيل كلينتون، ثم أوباما.

لكن تلك كلها كانت تجارب أكثر منها مذاهب، فضلًا عن أن تكون أيديولوجيات.

وعلى مستوى العالم ككل، انشغل جدول الأعمال بقضايا البيئة والاحتباس الحراري والعولمة وحقوق الانسان، وهي كلها قضايا مهمة، ولكنها إما جزء من كلٍ، كحالة «حقوق الانسان» التي هي من معالم وأركان قضية الديمقراطية، وإما أنها عجزت عن تحريك كتل كبيرة من الجماهير الشعبية على مستوى العالم وراءها، بحيث تصبح هى خط المواجهة الأول، كما كان الحال في الأيديولوجيات الثلاث الكبرى التي سبق الحديث عنها ،أي الديمقراطية والقومية والاشتراكية. بل إنه حتى في الدول التي تزدهر فيها نسبيًا قضية البيئة، كألمانيا وغيرها من دول أوروبا الغربية، فقد بقيت أحزاب الخضر في صفوف أحزاب الأقلية، وكان أكبر نجاح حققته هو الدخول كشريك أصغر هنا أو هناك في الحكومات الوطنية، وعدة مرات في الحكومات المحلية.

كذلك فشلت حركة أتاك ATTACK المناهضة للعولمة، ورغم ما بدا في أوائل القرن 21 من كونها واعدة، في الصمود، فضلًا عن أن تتحول إلى عقيدة وتنظيم.

لماذا إذن لم تتمكن التاتشرية والريجانية والنيوليبرالية، ثم الطريق الثالث والحركة الخضراء ومناهضو العولمة، من التحول إلى أيديولوجيات قادرة على سد الفراغ الفكري والتنظيمي والحركي الناجم عن انقضاء الأيديولوجيات الثلاث الكبرى بانقضاء أسبابها؟

في حالة التاتشرية والريجانية والنيوليبرالية، فقد كانت هذه سياسات وبرامج تستجيب لمتغيرات ظرفية، وكانت هذه المتغيرات الظرفية تتمثل في اختلال التوازن لصالح الاستهلاك على حساب الانتاج في الاقتصاديات الصناعية، بسبب سوء الاستغلال لسياسات الرفاه الاجتماعي، وتعاظم نفوذ نقابات العمال.

أما «الطريق الثالث» للاشتراكيين الديمقراطيين، فقد كان هو الآخر برنامجًا لتخفيف أثار النيوليبرالية على الطبقات الأضعف، دون عودة إلى النموذج الأصلي لدولة الرفاه الاجتماعي.

أما قضايا البيئة وحقوق الانسان، ومناهضة العولمة، فهي أشمل وأكثر تجريدًا من أن تحرك الجماهير وتقيم التنظيمات.

و بما أن «الآخر»، أو «العدو» في هذه القضايا، ليس مجسدًا في دولة أو طبقة أو جنس أو جماعة، فإن قدرة القضايا على تحريك الصراع تصبح محدودة، والصراع السياسي بطبيعته يستلزم وجود عدو.

عند هذه النقطة يجب أن تستعيد ذاكرتنا أن دوائر الفكر المحافظة في الولايات المتحدة والغرب عمومًا انشغلت بعد انهيار المعسكر الشيوعي، بفكرة «البحث عن عدو»، وشغلت العالم معها بها، وإذ ذاك ظهرت مقولة أن «الإسلام هو العدو»، ثم انطلقت نظرية «صراع الحضارات» لأستاذ العلاقات الدولية الأمريكي صامويل هانتيجتون، وبالطبع يتذكر المهتمون أنه تنبأ بصراع عالمي تقوده الحضارة الغربية الكاثوليكية/ البروتستانتية (البيضاء) ضد الدوائر الحضارية الأخرى، وهي الاسلامية والأرثوذوكسية/ السلافية والكونفوشية (الصينية).

مع هذه الاجتهادات للبحث عن عدو، تزامنت سلسلة من التطورات المحفزة، ومنها بالطبع تفشي عمليات الإرهاب المنتمية للإسلام السياسي، الذي بلغ إحدى ذراه في هجمات 11 سبتمبر 2001 على نيويورك وواشنطن، واستمر دون انقطاع في أنحاء كثيرة من العالم، ثم اطراد نمو الصين اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا، مع تفاقم العجز التجاري الأمريكي في مواجهتها، وثالثًا ظهور ضحايا محليين في الدول الصناعية الكبرى لسياسات العولمة وتحرير التجارة ونقل التكنولوجيا، وكان هؤلاء الضحايا من الطبقات العمالية وعموم الفقراء.

هذه العوامل الثلاثة الأخيرة تضافرت، على أرضية الفراغ الايديولوجي الذي سبق شرحه، وعلى خلفيته البحث عن عدو، لتنتج الموجة الحالية من الشعبوية اليمينية ذات الطابع القومي والعنصري المتطرف، في عموم دول الغرب الديمقراطية الصناعية، وكانت هذه الموجة قد بدأت محدودة، كأي ظاهرة اجتماعية سياسية، في ألمانيا عقب إعادة توحيدها، ثم امتدت الى هولندا، وبقية الدول الاسكندنافية، وحمل لواءها في إيطاليا رئيس الوزراء السابق برلسكوني، وترددت أصداؤها في سياسات وخطاب الرئيس الأمريكي بوش الابن، لتصل ذروتها بانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وبمجئ دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، وتقدم أحزاب اليمين المتطرف في استطلاعات الرأي، أو في الانتخابات المحلية في كل من ألمانيا وفرنسا.

ورغم كل ذلك الزخم الشعبوي، الذي يبدو مفاجئًا لكثيرين الآن في دول الغرب الديمقراطي، فإن الموضوعية تقتضي الاعتراف بأن هذه الشعبوية ظهرت أولًا وبقوة خارج هذا العالم المتقدم، فالأصولية الإسلامية العنيفة، وكذلك الأصولية الهندوسية، والطائفية السياسية المتفشية الأن في كل الدول العربية والاسلامية، هي بذاتها تعبيرات شعبوية «بدائية»، وهي ناتجة عن فشل النظم السياسية المحلية في إدارة التناقضات، في عصر الفراغ الأيديولوجي في العالم كله، إذ أن المجتمعات الواقعة خارج أوروبا والأمريكتين هي أيضًا كانت أحرزت على الأقل تحررها القومي، وبعضها قطع أشواطًا في طريق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وبالطبع التنمية الاقتصادية.

كان ذلك هو السياق التاريخي العالمي الذي بزغت فيه ظاهرة الشعبوية الجديدة المتطرفة قوميًا وعنصريًا ودينيًا، فهل ستكون هذه الظاهرة مجرد موجة كما وصفناها آنفًا، بمعنى أنها مؤقتة، أم أنها ستبقى القوة السياسية المهيمنة على الغرب الصناعي، والحاكمة للعلاقات الدولية، لحقبة ممتدة من الزمان؟

التاريخ القريب يؤكد أن كل ما ظهر في الغرب من حركات أو تيارات سياسية، منذ ثورة الشباب في الستينيات، لم يكن إلا موجات لم تدم لأكثر من عقد من الزمان، وكانت في واقع أمرها ردًا مبالغًا فيه على انحراف النظام السياسي بأكثر من اللازم في الاتجاه الآخر، بمعنى أن التاتشرية والريجانية مثلا كان ردًا وتصحيحًا لسطوة النقابات العمالية، وللآثار الضارة لبرامج الرفاه الاجتماعي على حوافز الإنتاج، فيما كانت سياسات الطريق الثالث ردًا على جنوح النيوليبرالية إلى اليمين بأكثر من المناسب اجتماعيًا.

وفي الوقت نفسه فإن قوى الديمقراطية وحرية الضمير والوحدة الإنسانية والسلام العالمي ليست طارئة، بل ذات جذور عميقة في التربة السياسية لهذه المجتمعات، وهي من صنعت كل التقدم الذي حدث على كل هذه الجبهات منذ الثورتين الفرنسية والصناعية كما سبقت الإشارة، بل هي التي كانت تزداد قوة في كل يوم، في حين كانت قوى الرجعية والعنصرية، والاستعمار والفاشية والاستغلال هي التي تزداد ضعفًا. مع الأخذ في الحسبان، أن «المحافظة» بالمعنى السياسي لا تنتمي الى هذا المعسكر الأخير، بل تنتمي بالأحرى إلى المعسكر الديمقراطي، لأن المحافظة شئ، والرجعية شئ آخر، ولكن العالم يظل في حاجة الى أفكار كبرى ملهمة، والى شخصيات كاريزمية مقنعة بهذه الأفكار، على غرار مانديلا ومارتن لوثر كينج، والأباء المؤسسين للاتحاد الأوروبي، ومن سبقوهم، بيضًا وملونين.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد