Define your generation here. Generation What
الحراك النسوي الجديد في مصر: السياسة كمسار
 
 

كأغلب أبناء وبنات جيلي، بدأ اشتباكي في المجال العام مع الثورة المصرية في يناير 2011. كانت الثورة بالنسبة لي نقطة تحول وانطلاق وتحرر، وربما من أعظم لحظات عمري كان الهتاف وإدراك أن صوتي يمكن أن يسمع ويكون له أثرًا.

أواخر 2013، انتقلت للعمل ضمن مجموعة نسوية رائدة في مجال الدعم والإنتاج المعرفي ورفع ونشر الوعي النسوي. وشاركت في تيسير وتنفيذ أهم مدارسها، كالمدرسة النسوية ومدرسة الكادر السياسي للنساء، وهي أغلى وأقرب التجارب لقلبي، لأن خلال هاتين التجربتين تحديدًا وجدت إجابات للعديد من الأسئلة المتعلقة بالحق في التنقل، واتخاذ القرار، والمعرفة، وماهية التضامن النسوي، وما هو الوعي النسوي؟ التفرقة بين تجاربنا وتجارب الأخريات وأسبابهن في اتخاذ قراراتهن المختلفة، وطبيعة تحديات النساء المصريات المختلفة، وكيف أن تلك التحديات والصعوبات اليومية هي نضال نسوي يومي؛ أن تفرض هؤلاء الشابات وجودهن على الساحة هو من أعظم وأقسى المعارك، وأن مع العمل السياسي فالأعباء ليست مضاعفة (إنجابي وإنتاجي) ولكن أعباء ثلاثية (المشاركة في المجال العام).

الآن، أنا أهتم أكثر بمشاركة النساء في الحياة السياسية، وكيفية بناء الكوادر النسائية الشابة داخل التنظيمات المختلفة كالأحزاب الديمقراطية والنقابات. لأني قد تيقنت أن النسوية تعني لي العدالة الاجتماعية التي كنت أنادي بها منذ بداية الثورة. فالعدالة في الأجور والأدوار الاجتماعية وفي القوانين والميراث والمناصب العامة والمهن، هي قلب العمل النسوي الذي قام عليه حراك العديد من النسويات منذ البدايات بالكتابات النسوية أو خروج النساء للمجال العام أول مرة في ثورة 1919، أو تطوير مطالب نسوية واضحة في 1923 بمساواة الجنسين في التعليم وفتح التعليم العالي للفتيات المهتمات، وتعديل قانون الانتخابات بإشراك النساء مع الرجال في حق الانتخاب، لأنه ليس من العدل أن تخضع النساء للتشريع دون المشاركة في وضعه، بالإضافة لسن قانون بمنع تعدد الزوجات إلا لضرورة، وقانون يلزم المطلق بالتطليق أمام القاضي الشرعي.

وحتى هذه اللحظة مع اختلاف أجيال ومدارس وأدوات الحركة النسوية المصرية لم تحقق أغلب المطالب سواء القديمة أو الحالية. ولكن بالرغم من وجود بعض الخيبات والإحباطات سيظل إيماني بأن العمل السياسي هو عمل نسوي أصيل، وأن الغاية من إشراك النساء في السياسة هو لتحقيق أجندة نسوية اجتماعية شاملة عادلة، حيث لا تكون النساء مواطنات من الدرجة الثانية، يتعرضن للظلم فقط لكونهن نساء، ويفترض منهن دائمًا أن يلعبن أدوار اجتماعية معينة.

لقد اخترتها مسارًا لي، لأني أؤمن كما تقول جيردا ليرنر في تعريفها للوعي النسوي وأدوات العمل والمقاومة بأنه «يجب على النساء التحالف مع نساء أخريات للتخلص من أشكال الظلم الواقع عليهن، وأخيرًا أنه يجب عليهن تقديم رؤية بديلة للنظام الاجتماعي، بحيث تتمتع فيه النساء مثلهن مثل الرجال بالاستقلالية وحق تقرير مصيرهن». ومن أجل طرح مسار وتصور نسوي سياسي بديل قابل للنقاش والتفاوض مع كافة الأطراف، المجتمع والدولة، وفي الساحات القضائية وتحت القبة التشريعية، يجب أن تُمثل النساء في المجال العام بصورته الأوسع، وفي المجال العام السياسي على وجه الخصوص.

إن التمثيل العادل للنساء سواء في الحياة النيابية والسياسية أو في سلطات الدولة المختلفة (قضائية، تنفيذية وتشريعية)، لا يعزز فقط وجودهن عدديًا، ولكن من ناحية المنظور أيضًا. فطرح منظور مختلف بخلفية اجتماعية وسياسية مختلفة، لأن تجارب النساء الحياتية مختلفة عن تجارب الرجال، وحتى وإن كانت قريبة للدولة أو ليست نوعية أو ذات رؤية نسوية، لم يكن بالشيء السيئ، فتجربة نسوية الدولة، وإن اختلف عليها البعض، قد أتت إلينا بمكاسب لصالح النساء، كتعديلات قانوني الجنسية والأحوال الشخصية، الذي عرف بعد ذلك بقانون الخلع أو رئاسة سيدة كالسفيرة مرفت التلاوي للمجلس القومي للمرأة، ودورها في التعديلات الدستورية وقانون العقوبات ومعركة النساء في القضاء.

ولأني أؤمن أن العمل السياسي في مصر يجب أن يسلك الطريق الإصلاحي، حتى لو كان الهدف تقدميًا؛ يجب أن نستخدم أدوات الدولة الإصلاحية، عن طريق التفاوض والتحالف والعمل الجبهوي، ببناء تكتل يعمل بشكل مؤقت أو دائم على طرح رؤى وبدائل ذات منظور نسوي لأخذ أكبر مكسب للنساء.

لذلك أرى دائمًا أن عملي في المساهمة في تربية كوادر نسائية شابة في الأحزاب الديمقراطية المصرية المختلفة، تعي بمشاكل وتحديات النساء وتؤمن بالتضامن النسوي وكيفية طرح أجندة سياسية من منظور مختلف والتفاوض عليها، من أهم مشروعات حياتي التي قررت أن اتخذها مسارًا دائمًا، وإن اختلفت الجهات التي أعمل بها.

اعلان