Define your generation here. Generation What
متلازمة تشجيع أرسنال
أليكسيس سانشيز، أو كيف يهزمك أرسنال
 
 
 

كنت لتظن أن تكرار الهزيمة أمام بايرن ميونيخ بنفس النتيجة سيصاحبه رد فعل مختلف نوعًا، حتى وإن أفضى للاشيء مثل كل مرة؛ أي رد آخر غير «مستمر مع النادي» و«أداؤنا الرائع» و«ركلة الجزاء الظالمة»، ولكنك كنت مخطئًا بالطبع، وبلا شيء تلومه إلا سذاجتك، وسذاجتك ليست مشكلة أرسين فينجر.

أكبر هزيمة لأرسنال على ملعب الإمارات؟ لا بأس، فريقي نجح في تقديم المباراة التي أرادها. لكنها أكبر هزيمة للأندية الإنجليزية في دوري الأبطال على الإطلاق! نعم، ولكن مستقبلي مع أرسنال ليس محل شك. هل تعلم أن بايرن ميونيخ وصل للهدف رقم 27 في شباكك متساويًا مع سجل سيلتيك الاسكتلندي أمام برشلونة؟ أكيد، ولكننا سنحاول استثمار الروح التي لعبنا بها في الشوط الأول ونركز على المباراة المقبلة.

مع الوقت يتحول الأمر لمتلازمة ستوكهولم متكاملة الأركان، في حالة من الغرام مع الوضع المعتاد لا لشيء إلا كونه معتادًا، حتى يوشك مشجعو أرسنال أن يستلوا السكاكين ويحفروا أرسنال للأبد على صدورهم بالدم، في فخر حقيقي بالانتماءء الذي لا يزعزعه شيء، وأرسنال الذي سنظل نشجعه حتى لو انهزم 56-0 في مجموع المباراتين.

إنها المباراة المقبلة إذن، الباب الخلفي الذي يهرب منه كل مرة، دائمًا هناك روح ودائمًا هناك جودة ودائمًا هناك مباراة مقبلة لعينة، والانطباع هذه المرة يوحي لك أن المباراة المقبلة هي نهائي كأس العالم؛ لا شيء غيره يستحق أن تتجاوز عن هزيمة بعشرة أهداف لهدفين بهذه الثقة، ولكنها أمام لينكولن في كأس الاتحاد، البطولة التي تعلم يقينًا أن أرسنال لن يهزم السيتي واليونايتد وتشيلسي وتوتنهام ليفوز بها، وتليها مباراة ويست بروم في الدوري، وأي شيء غير الفوز بها قد يكون المسمار الأخير في نعش أرسين فينجر مع النادي، من يعلم؟ ربما يجدد لموسم واحد بدلًا من موسمين، ربما ينهزم ويضطر للتركيز على المباراة التي تليها، ربما يستثمر الروح أيضًا، بل ربما يركز بدون استثمار الروح أو العكس، المفاجآت دائمًا حاضرة ولا سبيل للتوقع مع أرسنال فينجر.

أليكسيس سانشيز

أرسنال حتى الموت

هناك نمط واضح متكرر يمكنك رؤيته في الحالات شديدة التطرف كأرسنال فينجر؛ مأساة ملحمية تستمر طويلًا مسببة أكبر كم ممكن من الإحباط والغم، ولا شيء ينبئ بقرب انتهائها، وفي الوقت نفسه تفسيرها بسيط غاية في السهولة، بسيط لدرجة مهينة يستحيل تقبلها أو تفهمها، أشبه بأن يسرق بيتك كل يوم لأنك تنسى إغلاق النافذة، أو أن تشاهد القناة نفسها للأبد لأنك لا تستطيع العثور على جهاز التحكم.

لذا وحتى لا تصاب بالجنون، سيحاول عقلك إيجاد التفسير البديل الذي يرضي غرورك ويشعرك بأنك أذكى من أن تسرق كل يوم لأنك تنسى إغلاق النافذة، في الواقع، الأمر ليس بتلك الأهمية فعلًا، فأغلب اللصوص يملكون ما يلزم لفتحها عنوة على أية حال، المشكلة ليست في النافذة يا صديقي بل في الأخلاق التي انعدمت والنفوس التي لم تعد كما كانت، مشكلتك أنك أطيب من اللازم والناس لا يقدرونك، تبًا للحكم والقرعة اللعينة التي لا توقعنا إلا مع برشلونة وبايرن ميونيخ، صدقني لولا طرد كوشيلني لكان لنا شأنُ آخر، دعك من التفكير في الأمر وليذهب العالم كله إلى الجحيم ويبقى أرسنال، وبالله عليك لا تنسى أن تنسى إغلاق النافذة.

سانشيز لم يحفر أرسنال للأبد على صدره مثلنا، لم يكفه أن أرسنال منحه الفرصة لمجاورة أساطير كتشامبرلين وولكوت وميرتساكر وجيرو، بعد أن كان يهيم على وجهه في حواري برشلونة، ويفوز بجائرة أفضل لاعب في الدوري الإيطالي

مع الوقت يتحول الأمر لمتلازمة ستوكهولم متكاملة الأركان، في حالة من الغرام مع الوضع المعتاد لا لشيء إلا كونه معتادًا، حتى يوشك مشجعو أرسنال أن يستلوا السكاكين ويحفروا أرسنال للأبد على صدورهم بالدم، في فخر حقيقي بالانتماء الذي لا يزعزعه شيء، وأرسنال الذي سنظل نشجعه حتى لو انهزم 56-0 في مجموع المباراتين.

وهو أمر لا يختص به مشجعو أرسنال وحدهم، بل هو شائع جدًا في هذه البقعة البائسة من العالم، فإذا نظرت حولك ستجد أعظم نادي في الكون وآخر هو أسلوب حياة، بالتالي من الطبيعي أن يكون «يوم ما يلعب أرسنال ليَّ عيد»؛ نادي يخسر بنتيجة 10-2 فيخرج مدربه مؤكدًا أنه باقٍ للأبد أو حتى يقرر هو الرحيل، ولكن يوم ما يلعب عيد لأن الكرة قد ابتلعت كل المساحات الخالية التي تركها إحباط السياسة والقومية والحياة الشخصية، ولا سبيل لتعويضها إلا بمبالغات شبيهة، وقواعد مبتذلة من طراز الانتماء الأبدي والوقوف خلف الفريق، وكأننا مشجعون حقيقيون لا مجرد متابعين يتظاهرون بذلك، وكأن مشاهدة كرة القدم مهمة انتحارية تحتاج لهذا الكم من المزايدات البلهاء، بل والتضحية بغرضها الأصلي أثناء ذلك وتحويلها لحرب يفوز فيها الأكثر معاناة وبؤسًا.

الموت لسانشيز

بالطبع وسط كل هذا التستوستيرون الذي يبحث عن منفذ، يبدو سانشيز المتخاذل فريسة جاهزة للالتهام، لأنه لم يحفظ جميل أرسنال وجروء على السخرية من الفريق، فسانشيز لم يحفر أرسنال للأبد على صدره مثلنا، لم يكفه أن أرسنال منحه الفرصة لمجاورة أساطير كتشامبرلين وولكوت وميرتساكر وجيرو، بعد أن كان يهيم على وجهه في حواري برشلونة، ويفوز بجائرة أفضل لاعب في الدوري الإيطالي، ما زال يحاول إغلاق النافذة في عناد غير مفهوم، وعليه أن يتقبل السرقة اليومية مثلنا أو يرحل في صمت، وليلعن الله زمن المرتزقة الذين لا يعرفون حرفًا عن الانتماء والوفاء.

هذا أشبه ما يكون برد فعل الدولجي الذي يرى أن بذاءة المظاهرات هي العائق الرئيسي أمام الإصلاح الاقتصادي، بل ويصاحبه نفس الظواهر من سكيتزوفرينيا حادة وذاكرة انتقائية، تنسى أنه على مدار ثلاثة مواسم كان هناك لاعب أو اثنين فقط في الفريق يمكن القول فعلًا بأنهم يفعلون كل ما في وسعهم، وأن سانشيز سيتصدر تلك القائمة بالتأكيد، وأنه ليس مطالبًا بالاعتذار لأي أحد، بل في الواقع هو الوحيد الذي يستحق اعتذارًا من الجميع، بعد أن أضاعوا من عمره ثلاث سنوات ليكتشفوا أن هناك شريكًا أفضل لكوشيلني من ميرتساكر، ولا يعلم إلا الله كم سيستغرقوا من وقت حتى يحل التغيير على باقي المراكز، وكم حتى يدركوا أنهم أنفقوا ربع مليار باوند على الانتقالات في المواسم الخمسة الأخيرة مقابل 150 مليون فقط للغريم تشيلسي، وأن حجة الأموال صارت أسخف من بذاءة المظاهرات.

التفسير المنطقي الوحيد لكل ذلك أنه لم يرد التأهل لدوري الأبطال في الموسم المقبل من الأصل، ربما تجنبًا لمزيد من الكوميديا، ومزيد من الخماسيات المذلة، ومزيد من ابتسامات سانشيز المستفزة

هذه هي الحقائق التي يحتاج الجميع للتركيز عليها بدلًا من الطرد والحكم والقرعة؛ حقيقة أن فينجر أجلس سانشيز على الدكة في مباراة ليفربول لأنه أراد اللعب بطريقة «مباشرة» طبقًا لتعبيره، وطريقته المباشرة عَنَت أن أرسنال سيلقي ركلة المرمى للمهاجمين مباشرة، لهذا أشرك ولبيك حتى يستفيد من طوله في التقاطها، وغالبًا كان هذا ما برر به قراره لسانشيز، لذا لم يكن غريبًا أن يبتسم الأخير حينما تلقى أرسنال الهدف الأول بنفس الطريقة بالضبط، ربما تُستهجن فعلته في أي نادٍ آخر وأي ظروف أخرى، ولكن في موقف مشابه كان الضحك هو رد الفعل المنطقي الوحيد.

فلندع جانبًا حقيقة أن هذا الأسلوب من اللعب هو ما أتى فينجر للقضاء عليه في المقام الأول، ولنغض النظر عن كونه فضّل أيوبي وتشامبرلين عليه رغم أنهم ليسوا أفضل حالًا في الهوائيات، مع أنها حقائق جديرة بالتحليل بدورها، ولنفترض أن الأسوأ قد حدث رغم أن فينجر نفسه قد نفاه، وأن سانشيز قد أساء لزملائه في التدريب، وأن جلوسه على الدكة كان من قبيل العقاب، وسنجد أنفسنا أمام مشهد كوميدي آخر، يتغير فيه العقاب تبعًا لمجريات المباراة، وإن كان القرار قد أتى من رأس فينجر مباشرة فإننا -للدهشة- أمام موقف كوميدي كذلك، لأن هذا يعني أن الرجل فضّل عدم إشراك نجمه الأول والأوحد في مباراة مهمة قد تحدد تأهله لدوري الأبطال من عدمه، بل وفي ظل غياب نجمه الثاني كذلك، ما لا يمكن وصفه إلا بالتخريف ولا شيء غيره.

التفسير المنطقي الوحيد لكل ذلك أنه لم يرد التأهل لدوري الأبطال في الموسم المقبل من الأصل، ربما تجنبًا لمزيد من الكوميديا، ومزيد من الخماسيات المذلة، ومزيد من ابتسامات سانشيز المستفزة، ولكن بقليل من التجرد ستتذكر أن المدرب الوحيد الذي نعرف أنه خسر بعشرة أهداف لهدفين، بعد أن عانى من ظلم تحكيمي واضح كذلك، كان باكو خيميث مدرب فاييكانو المجنون، والذي أقيل قبل نهاية الموسم وهبط فريقه؛ هذا هو المستوى الذي نتحدث عنه، وللصدفة فقد خرج بعدها ليتحدث عن ركلة الجزاء الوهمية والطرد القاسي أيضًا، ورغم أنه لم يمتلك سانشيز ولا أوزيل ولا جماهير عريضة ولا جيل لا هزيمة، ولا حتى 45 مليون يورو لينفقها على لاعب مثل تشاكا، ولكنني أتذكر بوضوح أن الجميع ماتوا ضحكًا وقتها ولم يكتفوا بالابتسام.

كل ما علينا فعله هو مراجعة القليل من سانشيز في المواسم الأخيرة، لنرى مراحل التحول التدريجي من أقصاها إلى أقصاها، وهو ما نتجنبه عمدًا لأننا نعلم أننا سنَعْلق في المرحلة قبل الأخيرة، وأن سانشيز هو أحد القلائل الذين عاملوا أرسنال بما يستحقه فعلًا، وإن كان في هذا النادي شخص واحد طبيعي لم يفقد عقله بعد فهو أليكسيس، لأنها قد تكون المرة الأولى منذ فترة طويلة التي يفقد فيها أرسنال نجمه الأول لسبب غير المال، فإن رحل سانشيز ليوفنتوس أو بايرن، فغالبًا لن يحصل على راتب أعلى من الـ 180 ألفًا التي تعرضها عليه إدارة أرسنال، فعكس ما قد يظنه الكثيرون، لا يوجد أي كم من الأموال سيجعلك تشاهد القناة نفسها للأبد، خاصة إن كان جهاز التحكم موجود في عالم موازي.

اعلان