Define your generation here. Generation What
مصافحة محتملة بين الملك والرئيس لا تخفي التوتر مع السعودية
 
 

استكمالًا لمشهد التوتر القائم بين مصر والسعودية، يغيب وزير الخارجية السعودي عادل الجبير عن الاجتماع الدوري لوزراء الخارجية العرب، المقرر عقده غدًا في القاهرة، بحسب مصدر مسؤول في الأمانة العامة لجامعة الدول العربية. ورجح المصدر، الذي تحدث لـ «مدى مصر» شريطة عدم الكشف عن هويته، أن يمثل السعودية سفيرها لدى القاهرة أحمد القطان، وأن يغيب معظم وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي أيضًا عن الاجتماع. ويجيء ذلك في سياق توتر مصري سعودي وخليجي، وضغوط سعودية على دول خليجية فيما يخص علاقاتها مع مصر سياسيًا واقتصاديًا.

وبحسب آخر قائمة لرؤساء الوفود العربية المشاركة في الاجتماع حصل عليها «مدى مصر»، غابت أسماء الوزيرين السعودي والقطري أو أي ممثل للدولتين، بينما يمثل الإمارات وزير الدولة للشؤون الخارجية أنور قرقاش، والكويت نائب وزير الخارجية خالد سليمان الجارالله.

قائمة أسماء رؤساء الوفود المشاركة في اجتماع وزراء الخارجية

وتعود المشاركة الأخيرة للجبير في اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة إلى عام مضى، حينما انسحب أثناء كلمة الوفد العراقي احتجاجًا على إشادة العراقيين بأنشطة قوات الحشد الشعبي ضد تنظيم «داعش» في العراق، وهي القوات التي تتهمها الرياض بتلقي التمويل من إيران. ويعد غيابه عن اجتماع هذا العام ضربة للتوقعات بأن تكسر الزيارة جمود العلاقات الثنائية قبيل القمة العربية المرتقبة في عمان نهاية مارس الجاري.

إشارات التوتر مستمرة

استمرت إشارات التوتر في الظهور، على الرغم من إصرار سياسيي البلدين رسميًا على تأكيد قوة العلاقة بينهما، واعتبر البعض زيارة الملك السعودي للجناح المصري في مهرجان الجنادرية مطلع الشهر الماضي، إشارة على إمكانية تحريك الأمور العالقة فيما يخص قضايا خلافية عدة، على رأسها فعالية المشاركة المصرية في القوة العربية المقاتلة في اليمن، والخلاف الواضح حول تقديرات المسألة السورية، وأخيرًا عقبة التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير.

فقد قررت أربع شركات مصرية عاملة في مجال العقارات إيقاف مذكرات تعاون، كانت قد وقعتها مع الحكومة السعودية أثناء زيارة الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز إلى القاهرة في أبريل من العام الماضي. جاء ذلك عقب تراجعات في الاتفاقات الموقعة بين البلدين، كاتفاقية تصدير المنتجات البترولية من شركة أرامكو السعودية، وأيضًا وصول اتفاقية إعادة ترسيم الحدود البحرية بين البلدين إلى حائط سد عقب نقضها نهائيًا من القضاء المصري.

وفي أكتوبر الماضي، وخلال حديث أمام الندوة التثقيفية الثالثة والعشرين للقوات المسلحة، نفى الرئيس عبدالفتاح السيسي، أن يكون وقف شحنات البترول إلى مصر ردًا على مواقف مصر بخصوص سوريا، مضيفًا أنه فيما يتعلق بشحنات البترول «فإنه يخص اتفاقًا تجاريًا تم توقيعه في أبريل الماضي، ونحن من جانبنا اتخذنا الإجراءات المناسبة لتوفير احتياجاتنا ولا يوجد لدينا مشكلة في الوقود والبترول».

ويقول الباحث السياسي والكاتب السعودي عبد العزيز الخميس لـ «مدى مصر» إن «البعض يرى أن توقف اتفاقيات التعاون كان لأسباب فنيّة، ورأى البعض الآخر أنه لإساءة استخدام الدعم المقدم. وفي الحقيقة فإن هذه الاتفاقيات لا يمكن أن تستمر في ظل عدم استقرار العلاقات بين البلدين».

واتهم مصدر أمني مصري، طلب من «مدى مصر» عدم الكشف عن هويته، السعودية بخوض «حرب دبلوماسية ضد مصر بتحريض الخرطوم على فتح قضية حلايب وشلاتين بصورة جادة في مقابل مساعدات مالية تُقدم إلى السودان، ووعود صريحة بشراكات اقتصادية مع شركات أعمال خاصة مملوكة للسعودية».

في السياق نفسه، قال مسؤول مصري رفيع سابق، زار السعودية مؤخرًا، إن مسؤولين إماراتيين وكويتيين أبلغوه بتعرضهم لضغط سعودي لوقف المساعدات إلى مصر، لكن البلدين أبلغا الرياض أن «تلك مخاطرة غير محسوبة، وأنهما مستمران في تقديم هذا الدعم»، بحسب المسؤول.

وفيما اختلفت التقديرات حول حجم الدعم الاقتصادي المقدم من دول الخليج إلى مصر بعد أحداث 30 يونيو التي أطاحت بالرئيس الأسبق محمد مرسي، إلا أن لرئيس الجمهورية تصريحًا يعود لفترة ترشحه للانتخابات الرئاسية، يقدر دعم دول الخليج للاقتصاد المصري بأكثر من 20 مليار دولار، خلال شهور معدودة بدءًا من 30 يونيو 2013.

ويعتبر دبلوماسي مصري سابق، كان قد باشر تنسيق العلاقات المصرية العربية في عصر مبارك، أن «طريقة إدارة العلاقات المصرية السعودية الحالية غير اعتيادية»، لافتًا إلى أن «التقليدي في العلاقات الثنائية، كان يقتضي مشاركة البلدين في صنع القرارات العربية الكبيرة، والتلميح دون إفصاح عن مطالب مصرية بالمساعدة، أو عتب سعودي على مواقف مصرية، دون أن تخرج الأمور عن كون مصر لها وضعية القيادة في العالم العربي».

حدود التوتر

لكن المسؤول المصري يعتبر أن التهدئة غير مستبعدة في ظل بعض الإشارات، وأن هناك حدودًا لأي توتر، موضحًا أن «السعودية لديها تطمينات من القاهرة بأنها ستحصل على الجزيرتين في كل الأحوال. لكنها أيضًا تلوم القاهرة على إساءة التعامل مع هذا الملف». بينما يقول الخميس: «مسألة الجزيرتين لا يجب أن تُترك لتؤثر على العلاقات. قد يكون اللجوء للعمل تحت إشراف لجنة تحكيم دولية هو المخرج الوحيد، ومصر لديها تجربة مشابهة في النزاع حول مدينة طابا».

كانت المحكمة الإدارية العليا قد قضت في 16 يناير الماضي بأن السيادة المصرية على جزيرتي تيران وصنافير مقطوع بها، وحكمت المحكمة، بإجماع الآراء، برفض طعن الحكومة على حكم محكمة القضاء الإداري ببطلان التوقيع على اتفاقية إعادة ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، التي كان من ضمن نتائجها تنازل مصر عن الجزيرتين، مؤكدة أن الحكومة لم تقدم ما يقر بسعودية الجزيرتين، ما ساهم في تصاعد سريع للخلاف.

ويقول المسؤول السياسي المصري إن «زيارة الملك سلمان للجناح المصري في مهرجان الجنادرية والكلمات التي تحدث بها، هي أمر يجب أن يؤخذ في الحسبان في تقدير مجمل العلاقات المصرية السعودية. لأن الأخيرة، وإن كانت لا تزال تمارس الضغوط على الجانب المصري لحثه على تسليم تيران وصنافير، فهي أيضًا لا تريد المضي للتطرف في هذا الصدد، وهذا يعود لأمرين مرتبطين ببعضهما: الأول، أن مصر دولة ذات شأن عربي كبير. والثاني، أن السعودية لا تريد تقديم نفسها باعتبارها الدولة الأهم عربيًا وهي في خلاف مع دولة بحجم مصر».

ويلوم الخميس «أصواتًا مصرية وسعودية في الإضرار بالعلاقات، ليس فقط بين الحكومتين بل بين الرأي العام المصري والسعودي، وهذا ليس أمرًا جديدًا، حيث تتكرر مثل هذه الأمور إما مدفوعة بغريزة الابتزاز، أو التوجه الحزبي الإخواني أو اليساري، أو بإملاءات خارجية من دول يسوءها تطور العلاقات بين البلدين».

وبرغم وعي الطرفين بخطورة إحداث تراجع كبير في العلاقات الثنائية، يتوقع أن يترك التوتر آثاره على الدعم الذي كانت السعودية تقدمه بصورة سخية لمصر بعد الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي.

وكان لتلقي مصر وديعة سعودية بقيمة 2 مليار دولار أثر كبير في حسم موافقة صندوق النقد الدولي على القرض المقدم إلى مصر في نوفمبر 2016. إلا أن مصادر كانت قد أكدت لـ «مدى مصر» أن السعودية قد تلجأ إلى مطالبة مصر برد الوديعة، في سياق الضغط السياسي عليها.

واستبعد المسؤول المصري الرفيع السابق أن تعود السعودية لتقديم «الدعم السخي» لمصر، مضيفًا أنه ربما يشهد الوضع تحسنًا في حالة استلام الجزيرتين، «حتى في هذه الحالة فلن يعود الدعم للصورة التي كان عليها قبل تفجر الأمر». ووفقًا للمسؤول نفسه، «التزمت الدولة بإسكات الأصوات التي استاءت السعودية من المدى الذي ذهبت إليه في انتقادها. كما تراجعت عن إرسال الإشارات عن أي فرص لانفتاح محتمل مع إيران».

سوريا مصدر للمزيد من التوتر

تبقى الحالة السورية مصدرًا إضافيًا للتوتر بين البلدين. وكان وزير الخارجية المصري سامح شكري قد أقر بوجود خلاف مع السعودية بشأن الملف السوري في سبتمبر الماضي. وقال في مقابلة صحفية أجراها في نيويورك إن المملكة «تركز على ضرورة تغيير نظام الحكم أو القيادة السورية، ومصر لم تتخذ هذا النهج».

ويعتبر المسؤول المصري أن «الملف السوري هو القضية التي تستعد القاهرة فيها للذهاب بعيدًا في المواقف المتعارضة مع تلك المطروحة سعوديًا، وذلك على أرضية الحفاظ على الأمن القومي المصري، والذي ترى القاهرة أن بقاء الرئيس بشار الأسد يصب في صالحه من منظورين. الأول: هو إبعاد وصول الإسلاميين للحكم حتى لو بصيغة تشاركية. والثاني هو التأكيد على فكرة أن التظاهرات والاحتجاجات تسيء لصالح الأوطان، وأن الربيع العربي كان وبالًا على الشعوب».

بالتالي تسعى القاهرة إلى وقف اعتبار النظام السوري نظامًا غير شرعي بالكلية، وتعتزم أن تجري مشاورات مع الدول العربية، على هامش قمة عمان المرتقبة، في هذا الشأن، بحسب المسؤول، الذي أضاف أنه «من المنتظر ألا تجد مصر تأييدًا في ذلك المسعى، سوى من الجزائر، والتي ليست راضية هي الأخرى عن الدور الذي تريده السعودية لنفسها كقائد للمنطقة العربية عقب الربيع العربي».

ومن المنتظر للقمة العربية المزمع عقدها في الأردن أن تلقي بالكثير من الضوء على العلاقات الثنائية، سواء أثناء إجراء مشاوراتها، أم في الأيام القليلة التي تليها، حيث تنتظر السعودية نتائج ضغوطها على ملف آخر، اعتبرته القاهرة من حقوقها السيادية التي لا تمس، حتى لو من قبل الحليف الخليجي الأقوى، هو ما يتعلق ببقاء وزير الخارجية المصري سامح شكري.

ويؤكد دبلوماسي مصري، ودبلوماسي أوروبي يعمل في القاهرة، لـ «مدى مصر»، وجود ضغوط سعودية مكثفة في الأسابيع الماضية، وجدت قبولًا لدى بعض الأجهزة المصرية، لإقالة شكري. وقال الدبلوماسي المصري إن «السعودية لم تسعد كثيرًا بلقاء شكري مع وزير الخارجية الإيراني [محمد جواد] ظريف في الولايات المتحدة على هامش اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة العام الماضي. كما أن التشاور مع السعودية خلال الشهور الماضية شهد تراجعًا حادًا ترى السعودية أن شكري كان السبب فيه».

وقد تحفظت القاهرة على الطلب «لما فيه من تدخل في الشأن الداخلي»، وعبّرت عن تمسكها بشكري خاصة مع اقتراب قمة عمان. وأجرت الحكومة الشهر الماضي تعديلًا وزاريًا شمل تسعة حقائب لم تتضمن الخارجية، وضمت الزراعة، والتربية والتعليم، والاستثمار والتعاون الدولي، والتموين والتجارة، والتنمية المحلية، والتخطيط، والتعليم والبحث العلمي، والنقل، ووزارة الدولة لشؤون مجلس النواب.

في كل الأحوال، يبدو أن قمة عمان المرتقبة ستكون مؤشرًا هامًا على أفق تطور العلاقات بين البلدين، بالذات إذا طرحت مصر مسألة إعادة تقييم العلاقة العربية مع نظام الأسد،ما قد يؤدي لازدياد الشرخ مع السعودية. «إذا كان الأمر يتعلق بمصافحة [بين الرئيس والملك] أو لقاء يشمل العاهل الأردني أو غيره من القادة العرب، فهذا وارد. لكن يبقى أن هناك بالطبع حالة من الشد والجذب بين البلدين، وهناك أيضًا حدود لما يمكن أن يذهب إليه التصعيد، وأظن أن هذا أمر يدركه الطرفان»، يضيف المسؤول المصري السابق رفيع المستوى.

اعلان
 
 
أسمهان سليمان