Define your generation here. Generation What

بين الوثيقة والكلمة المنطوقة: أسيرات الطلاق الشفهي

أثار اقتراح الرئيس عبد الفتاح السيسي، أثناء كلمته بكلية الشرطة يوم 24 يناير الماضي، بإلغاء الطلاق الشفهي، جدلاً كبيرًا في الرأي العام ومؤسسات الدولة بين مؤيد ومعارض. وبعدما تعالت همهمات حول صمت الأزهر عن التعقيب على تصريحات الرئيس لأكثر من أسبوع، اجتمعت هيئة كبار العلماء بالأزهر في 5 فبراير، برئاسة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، لتصدر بيانًا طارئًا تعلن فيه بصراحة «وقوع الطلاق الشفهي متى توافرت أركانه الشرعية». كما ناشدت «جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها الحذَر من الفتاوى الشاذَّة التي يُنادي بها البعض، حتى لو كان بعضُهم من المنتسِبين للأزهر، لأنَّ الأخذَ بهذه الفتاوى الشاذَّة يُوقِع المسلمين في الحُرمة». لتحسم بهذا موقفها من اقتراح الرئيس، ثم تختتم البيان بأن «من حقِّ وليِّ الأمر شرعًا أن يَتَّخِذَ ما يلزمُ من إجراءاتٍ لسَنِّ تشريعٍ يَكفُل توقيع عقوبة تعزيريّة رادعة على مَن امتنع عن التوثيق أو ماطَل فيه». وهو نفس المضمون الذي أكد عليه البيان الصادر من مجمع البحوث الإسلامية بعدها بثلاثة أيام.

تباين موقفي مؤسسة الرئاسة والمؤسسة الدينية

حسب ما صرح به الرئيس، فقد جاء اقتراحه بناء على إحصائية قدمها له اللواء أبو بكر الجندي، رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، عن زيادة نسب الطلاق. وهو ما يثير سؤالين لابد من طرحهما ، الأول هو «هل أعدت مؤسسة الرئاسة تقريرًا عن الظروف والأسباب المؤدية لزيادة نسب الطلاق وخلصت لنتيجة ما، أم أن اقتراح الرئيس جاء بشكل عفوي بناء على حديث دار بينه وبين رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء؟» فلو كانت مؤسسة الرئاسة أعدت دراسة بهذا الشأن، فيجب نشرها على الرأي العام والباحثين المعنيين بإدارة نقاش مجتمعي موسع يتفق وأهمية الأمر، وإن كان اقتراح الرئيس ناتجًا عن محادثة شفهية بينه وبين اللواء أبو بكر الجندي، فلا يصح طرح اقتراحات تخص قضايا اجتماعية متشابكة ومعقدة بهذه الطريقة .

بيان هيئة كبار العلماء: العلاج الصحيح لزيادة نسب الطلاق يكون في رعاية الشباب وحمايتهم من المخدرات بكلِّ أنواعها، وتثقيفهم عن طريق الفن الهادف والثقافة الرشيدة

والسؤال الثاني: «إن كانت النسب التي وصلت إلى الرئيس، سواء بشكل رسمي أو غير رسمي، هي الإحصائيات الموثقة للطلاق الرسمي، فما علاقتها بالطلاق الشفهي الذي لا تملك أي جهة في الدولة إحصائيات عنه حتى الآن؟» اللهم إلا إذا كان الرئيس يقصد مشكلة إثبات الطلاق الشفهي للزوجات، وليس زيادة نسب الطلاق، ما يعني بدوره أنه تحدث عن مشكلتين منفصلتين لا عن مشكلة واحدة.

في حين أتى بيان هيئة كبار العلماء في تعقيبه أكثر وضوحًا ، حين قرر أن هناك مشكلتين؛ الأولى هي مشكلة إثبات الطلاق الشفهي، واقترح بخصوصها أن «من حقِّ وليِّ الأمر شرعًا أن يَتَّخِذَ ما يلزمُ من إجراءاتٍ لسَنِّ تشريعٍ يَكفُل توقيع عقوبة تعزيرية رادعة على من امتنع عن التوثيق أو ماطَل فيه». ولكن البيان لم يوضح أيضًا ما هي الحلول التي ستسهّل مهمة النساء في إثبات الطلاق الشفهي، حتى يتمكن «ولي الأمر» من معاقبة المتخلفين عن إثباته.

 أما المشكلة الثانية فكانت زيادة نسب الطلاق، حيث اقترح البيان «أنَّ العلاج الصحيح لهذه الظاهرة يكون في رعاية الشباب وحمايتهم من المخدرات بكلِّ أنواعها، وتثقيفهم عن طريق أجهزة الإعلام المختلفة، والفن الهادف، والثقافة الرشيدة»، ولم يوضح أيضًا كيف سيساعد هذا النساء على توثيق الطلاق الشفهي عند إنكاره.

فيما عزا الرئيس سبب تزايد نسب الطلاق إلى تسرع الأزواج/ الرجال في التلفظ بالطلاق، أرجع الدكتور شوقي علام مفتي الديار المصرية، وفق ما نشره عبر حسابه على موقع فيس بوك، السبب «لتطبيق قانون الخلع»

 بيد أن الهيئة اختتمت بيانها بتوجيه رسالة إلى المطالبين بإلغاء الطلاق الشفهي، مفادها أن الناس الآن ليسوا في حاجة إلى تغيير أحكام الطلاق، بقدر ما هم في حاجةٍ إلى البحث عن وسائل تُيسِّرُ سُبُلَ العيش الكريم، ما بدا غمزًا للحكومة ومطالبة لها بتحمل مسؤولياتها تجاه الأزمة الاقتصادية الحالية وآثارها المجتمعية.

مواطنون لا أبناء

من الملاحظ أنه رغم الخلاف الواضح بين موقف الرئيس وموقف المؤسسة الدينية حول إجراءات معالجة «الطلاق الشفهي» إلا أن كلا من الخطابين تضمنا رؤى وصياغات سلطوية /أبوية تنظر لزيادة معدلات الطلاق كمشكلة تستوجب التدخل والاحتواء. فالرئيس/الأب أبدى انزعاجه من زيادة نسب الطلاق التي تؤدي من وجهة نظره «لزيادة نسب أطفال الشوارع وانتشار السلوكيات الغير منضبطة بما يهدد الأمة» ، بينما حذّر بيان هيئة كبار العلماء «من التسرُّع في هدم الأسرة، وتشريد الأولاد، وتعريضهم للضَّياع».

وفيما عزا الرئيس سبب تزايد نسب الطلاق إلى تسرع الأزواج/ الرجال في التلفظ بالطلاق، أرجع الدكتور شوقي علام مفتي الديار المصرية، وفق ما نشره عبر حسابه على موقع فيس بوك، السبب «لتطبيق قانون الخلع». وكان علام قد أعلن أثناء استضافته في برنامج «من ماسبيرو»، على التلفيزيون المصري، أن دار الإفتاء انتهت من إعداد ثلاث دورات، وبصدد تدشين الرابعة، لتأهيل الشباب المقبلين على الزواج لإدارة وترتيب المنزل، بالإضافة للجانب الشرعي في الحقوق والالتزامات للحد من حالات الطلاق.

لكن الطلاق/ الخلع في واقع الأمر ليس مشكلة في حد ذاته، فهو لا يعدو أن يكون قرارًا يدخل ضمن دائرة الإختيارات الشخصية «للمواطنات والمواطنين» في حياتهم الخاصة. واذا كانت هناك مشاكل حقيقية تكمن فيما يترتب عليه من آثار وفقًا للقوانين والإجراءات الحالية، فيجب أن تعد كل من مؤسسة الرئاسة والمؤسسة الدينية دراسات جدية وافية عن الأسباب والظروف والآثار المترتبة عليه، وتنتهي باقتراح الحلول المناسبة، بدلًا من إصدار التصريحات والبيانات الخطابية التي لا يتعدى تأثيرها صفحات الجرائد والوسائل الإعلامية. وعوضًا عن اهتمام الدولة المدنية بشكل وصائي بزيادة معدلات الطلاق/الخلع، يجب على سلطتها التشريعية التأكد من كون القوانين والإجراءات المنظمة للطلاق/ الخلع تضمن حقوقًا متساوية ومنصفة لكل من الطرفين، وبما يشمل رعاية الأطفال وحضانتهم .

إثبات الطلاق وأجندة الحركة النسوية

بعيدًا عن تصريحات الرئيس الآخيرة، كان مطلب إثبات الطلاق وتقييد حق الرجل فيه، لوضع حد لمعاناة النساء المصريات، من أولويات الحركة النسوية الوليدة في النصف الأول للقرن العشرين، حيث طالبت هدى شعراوي في عام 1923، وكانت رئيسة الاتحاد النسائي المصري آنذاك، بتقييد حق الطلاق وتوثيقه أمام القضاء، كما دعت لتدشين المؤتمر النسائي العربي الذي انعقد في الثاني عشر من ديسمبر عام 1944 بالقاهرة، وحضرته 26 مندوبة تمثلن جميع البلاد العربية. خرج المؤتمر وقتها بعدة قرارات كانت منها المطالبة بتقييد حق الطلاق وإثباته امام القضاء.

وكانت أولى محاولات تطبيق هذا المطلب في منتصف السبعينيات حين تقدمت عائشة راتب، وزيرة الشؤون الاجتماعية والعضوة السابقة بجمعية هدى شعراوي، بمشروع قانون جديد للأحوال الشخصية، يقضي بتوثيق الطلاق أمام القاضي بدلًا من المأذون، وقد اشترك في صياغته الشيخ علي الخفيف أستاذ الشريعة في جامعة القاهرة، والشيخ محمد خاطر مفتي الجمهورية آنذاك. ولكن وفقًا لما حكته راتب لصحيفة «المصري اليوم»، فقد تعرض مشروع القانون للاستهجان، ما دفع الرئيس السادات لسحبه من مجلس الشعب.

قوانين الأحوال الشخصية بين الفقه والقانون

فرضت مقتضيات الحداثة المطردة في القرن الماضي على حكومات الدول العربية التدخل في تنظيم مسائل الأحوال الشخصية. ورغم صدور قوانين الأحوال الشخصية من قبل سلطات مدنية عنون قضاتها أحكامهم «باسم الشعب»، إلا أنها استندت بشكل كبير لنصوص دينية وتراث ضخم من الشروح والتأويلات والمذاهب الفقهية.

وبخصوص التشريعات، يعتبر المذهب الحنفي هو المذهب الرسمي لمصر منذ الغزو العثماني، وهو المذهب الذي اعتمده المشرع المصري  في قوانين الأحوال الشخصي، بحسب المادة 3 من القانون 1 لسنة 2000. ولكن المشرع قصر العمل به على ما لم يرد بخصوصه نص قانوني، محتفظًا لنفسه بحق سن القوانين بما تقتضيه المصلحة العامة، حتى ولو خالف مذهب الإمام أبي حنيفة، بل وحتي ولو خالف إجماع الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء وأخذ بأراء علماء آخرين.

واستكمالًا  لهذا النهج،  يجب على المشرع المصري  التدخل لإيجاد حل لمشكلة إثبات الطلاق الشفهي ودمج الحقيقة القانونية بالحقيقة الشرعية، من خلال سَنِّ تشريع يحسم الجدل الفقهي ويختار ما يراه مناسبًا للمصلحة العامة، درءًا للأضرار المترتبة على اختلاف الرأي الفقهي والرأي القانوني حول وقوع الطلاق الشفهي، وأثره على حرية عشرات الآلاف من النساء.

أمثلة لاجتهاد المشرع المصري:

  • الطلاق بالثلاث لفظًا واحدًا

نصت المادة الثالثة من القانون رقم 25 لسنة 1929 على أن «الطلاق المقترن بعدد لفظًا أو إشارة لا يقع إلا واحدة». وقد خرج المشرع المصري بهذا النص عن رأي الراجح من جمهور الفقهاء ومنهم أبو حنيفة، آخذًا برأي كل من محمد بن إسحق، وما نُقل عن علي وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف والزبير، وما نُقل عن مشايخ قرطبة ومنهم محمد بن تقي بن مخلد ومحمد بن عبد السلام ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس كعطاء وطاووس وعمرو بن دينار وقد أفتى به عكرمة وداود، وآخرين. وعلل المشرع هذا الموقف في البند 3 من المذكرة الإيضاحية قائلًا إن :

«من السياسة الشرعية أن يُفتح للجمهور باب الرحمة من الشريعة نفسها، وأن يُرجع إلى آراء العلماء لتعالج الأمراض الاجتماعية كلما استعصى مرض منها حتى يشعر الناس بأن في الشريعة مخرجًا من الضيق وفرجًا من الشدة. لهذا فكرت الوزارة في تضييق دائرة الطلاق بما يتفق مع أصول الدين وقواعده ويوافق أقوال الأئمة وأهل الفقه فيه، ولو من غير أهل المذاهب الأربعة، فوضعت مشروع القانون بما يتفق مع ذلك. وليس هناك مانع شرعي من الأخذ بأقوال الفقهاء من غير المذاهب الأربعة، خصوصًا إذا كان الأخذ بأقوالهم يؤدي إلى جلب صالح عام أو رفع ضرر عام بناء على ما هو الحق من آراء علماء أصول الفقه.»

  • نفاذ الخلع دون رضا الزوج

اتفق الفقهاء على حق الزوجة في طلب الخلع افتداء لنفسها، وإن كانوا اختلفوا حول شرط قبول الزوج للخلع من عدمه، وبينما اشترط أغلب جمهور الفقهاء موافقة الزوج، قرر المشرع المصري، وعملًا برأي فقهاء المالكية، أنه يحق للزوجة خلع نفسها بإرادتها المنفردة. ونص في المادة 20 من القانون رقم 1 لسنة 2000 على أن :

«للزوجين أن يتراضيا فيما بينهما على الخلع. فإن لم يتراضيا عليه وأقامت الزوجة دعواها بطلبه وافتدت نفسها وخالعت زوجها بالتنازل عن جميع حقوقها المالية الشرعية وردت عليه الصداق الذي أعطاه لها، حكمت المحكمة بتطليقها عليه.»

وترددت آثار هذا الموقف، الذي اعترض عليه البعض، بين جنبات المحكمة الدستورية العليا التي تصدت لعدة طعون على دستورية هذا النص، كان أهمها الطعن رقم 201 لسنة 23 قضائية الصادر في 15 ديسمبر 2012 الذي قرر أن النص لا يخالف أحكام الدستور استنادًا على:

القول باشتراط موافقة الزوج يؤدي إلى إجبار الزوجة على الاستمرار في حياة تبغضها، وهو ما يبتعد بعلاقة الزواج عن الأصل فيها، ألا وهو السكن والمودة والتراحم، ويجعل الزوج، وقد تخفف من كل عبء مالي ينتج عن الطلاق، غير ممسك بزوجته، التي تبغضه، إلا إضرارًا بها، وهو إضرار تنهى عنه الشريعة الإسلامية

«كان لزامًا، حتى لا يشق الأمر على القاضي، أن يتدخل المشرع لبيان أي من الرأيين أولى بالاتباع، وهو ما نحا إليه النص المطعون فيه، فأخذ بمذهب المالكية وأجاز للزوجة أن تخالع، إذا ما بغضت الحياة مع زوجها، وعجز الحكمان عن الصلح بينهما، فيخلعها القاضي من زوجها بعد أخذ رأي الحكمين، على أن تدفع إليه ما قدمه في هذا الزواج من عاجل الصداق. وليس ذلك إلا إعمالًا للعقل بقدر ما تقتضيه الضرورة، بما لا ينافي مقاصد الشريعة الإسلامية وبمراعاة أصولها. ذلك أن التفريق بين الزوجين في هذه الحالة، من شأنه أن يحقق مصلحة للطرفين معًا، فلا يجوز أن تُجبر الزوجة على العيش مع زوجها قسرًا عنها، بعد إذ قررت أنها تبغض الحياة معه، وأنه لا سبيل لاستمرار الحياة الزوجية بينهما، وأنها تخشى ألا تقيم حدود الله بسبب هذا البغض، مما حدا بها إلى افتدائها لنفسها وتنازلها له عن جميع حقوقها المالية الشرعية وردها الصداق الذي أعطاه لها. والقول باشتراط موافقة الزوج يؤدي إلى إجبار الزوجة على الاستمرار في حياة تبغضها، وهو ما يبتعد بعلاقة الزواج عن الأصل فيها، ألا وهو السكن والمودة والتراحم، ويجعل الزوج، وقد تخفف من كل عبء مالي ينتج عن الطلاق، غير ممسك بزوجته، التي تبغضه، إلا إضرارًا بها، وهو إضرار تنهى عنه الشريعة الإسلامية، وتتأذى منه العقيدة الإسلامية فيما قامت عليه من تكامل أخلاقي وسمو سلوكي، ويتنافى مع قاعدة أصولية في هذه الشريعة وهي أنه لا ضرر ولا ضرار. وحيث أنه لما تقدم، فإن النص الطعين يكون قد نهل من أحكام الشريعة الإسلامية منهلًا كاملًا، فقد استند في أصل قاعدته إلى حكم قطعي الثبوت، واعتنق في تفاصيله رأي مذهب من المذاهب الفقهية، بما يكون معه في جملته موافقًا لأحكام هذه الشريعة السمحة، ويكون النعي على مخالفتها ومن ثم مخالفة المادة الثانية من الدستور نعيًا غير صحيح بما يوجب رفضه».

إشكاليات إثبات الطلاق الشفهي

لطالما ارتبط تنظيم وسائل الإثبات القانوني بنشأة وتطور النظم القضائية الحديثة، ومع التقدم الحثيث  في تيسير طرق الإثبات لم يدع أحد إلغاء المسافة بين الحقيقة القانونية والحقيقة الواقعية، التي تضيق وتتسع وفقًا لتحضر المجتمعات الإنسانية ووفقًا لمواكبة القوانين لتطور طرق الإثبات .

وصحيح أن اعتماد النظم القضائية للحقيقة القانونية، والثابتة بطرق الإثبات القانونية، دون الأخذ في الاعتبار بالحقيقة الواقعية، قد يفضي أحيانًا لنتائج بالغة القسوة، ولكن لا يسع الدول المدنية التي تنظم قوانين وشؤون ومصالح عشرات الملايين من المواطنات والمواطنين، أن تعتمد على تقصي الحقيقة الواقعية مهما بدت أكثر شاعرية وعدالة. فهو أمر يتطلب «الإحاطة الكلية» بجميع الظروف والملابسات والوقائع بشكل يكاد يكون مستحيلًا من الناحية العملية. فالظلم العشوائي الناتج عن نظم منهجية يُرجى إصلاحها أفضل كثيرًا من عدالة قائمة على الظن والتخمين وتختلف أحكامها باختلاف الأشخاص والأماكن والظروف.

كان تقييد طرق إثبات الطلاق تعسفًا يلزم الزوجة بما لا تستطيع، فعادة ما يقع الطلاق الشفهي داخل منزل الزوجية الخاص

ولا شك أن مشكلة إثبات الطلاق الشفهي هي إحدى المشاكل المضنية التي تعاني منها النساء المصريات في المجال الخاص. فالزوجة التي طلقها زوجها شفهيًا، ثم رفض توثيق الطلاق، تضطر لرفع دعوى في محكمة الأسرة لإثبات واقعة الطلاق الشفهي، وربما تذهب لدار الإفتاء فتحصل على فتوى رسمية تفيد وقوع الطلاق شرعًا، بينما تظل بشكل قانوني زوجة لطليقها. ووفقًا للمادة 21 من القانون رقم 1 لسنة 2000، فلا يجوز للمرأة عند إنكار زوجها واقعة الطلاق الشفهي أن تثبت الطلاق إلا بالشهود والكتابة فقط، دون باقي طرق الإثبات المقررة قانونًا.

كان هذا التقييد في طرق الإثبات تعسفًا يلزم الزوجة بما لا تستطيع إلا فيما ندر، فعادة ما يقع الطلاق الشفهي داخل منزل الزوجية الخاص، أو يصرح به الزوج للزوجة في مكان آخر بحيث لا يطلع عليه غيرهما، فكيف يمكن للزوجة إذن الإتيان بشهود في هذه الحالة؟

أثار هذا شبهة عدم دستورية النص، حتى دُفع بعدم دستوريته فعلًا في القضية 1299 لسنة 2003 شرعي شبين الكوم، حيث قدّرت المحكمة جدية الدفع وقررت وقف الدعوى وإحالتها إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية نص المادة، لتصدر الأخيرة حكمها الذي يحمل رقم 113 لسنة 26 قضائية عام 2006، الذي قضى بعدم دستورية النص تأسيسًا على:

«أن المشرع قد انتهج في النص الطعين نهجًا مغايرًا في خصوص إثبات الطلاق عند الإنكار، فلم يعتد في هذا المجال بغير طريق واحد هو الإشهاد والتوثيق معًا، بحيث لا يجوز الإثبات بدليل آخر، مع تسليم المشرع في ذات الوقت – كما جاء بالمذكرة الإيضاحية للقانون رقم 1 لسنة 2000 المشار إليه – بوقوع الطلاق ديانة، وهذا النص وإن وقع في دائرة الاجتهاد المباح شرعًا لولي الأمر، إلا أنه – في حدود نطاقه المطروح في الدعوى الماثلة – يجعل المطلقة في حرج ديني شديد، ويرهقها من أمرها عسرًا، إذا ما وقع الطلاق وعلمت به وأنكره المطلق، أو امتنع عن إثباته إضرارًا بها، مع عدم استطاعتها إثبات الطلاق بالطريق الذي أوجبه النص المطعون فيه، وهو ما يتصادم مع ضوابط الاجتهاد والمقاصد الكلية للشريعة الإسلامية، فضلًا عما يترتب على ذلك من تعرض المطلقة لأخطر القيود على حريتها الشخصية، وأكثرها تهديدًا ومسًّا بحقها في الحياة.»

إذا يئست إحدى «المطلقات شرعًا» من إثبات طلاقها الشفهي، وحاولت استئناف حياتها مع زوج آخر، في ما يكون عادة زواجًا عرفيًا، قبل أن تثبت طلاقها من زوجها السابق بشكل قانوني، فستكون معرضة للوصم المجتمعي، بالإضافة لعقوبة الحبس، نظرًا لإرتكابها جريمة زنا، لجمعها بين زوجين وفقًا لقانون العقوبات المصري

حرّر هذا الحكم الزوجة من قيد طرق الإثبات الوارد في النص، وأباح لها إثبات الطلاق بكافة طرق الإثبات المقررة قانونًا. ولكن عبء الإثبات يظل واقعًا على الزوجة التي طلقها زوجها «شفهيًا» ثم رفض توثيق طلاقه، إضرارًا بها وبحريتها، التي تظل رهينة المحاكم لعدة سنوات في محاولة لإثبات هذا الطلاق. فهي وفقًا للأزهر ودار الإفتاء «مطلقة شرعًا»، ولكن وفقًا للقانون فزواجها «قائم». وبناء عليه، فإذا يئست إحدى «المطلقات شرعًا» من إثبات طلاقها الشفهي، وحاولت استئناف حياتها مع زوج آخر – في ما يكون عادة زواجًا عرفيًا- قبل أن تثبت طلاقها من زوجها السابق بشكل قانوني، فستكون معرضة للوصم المجتمعي، بالإضافة لعقوبة الحبس، نظرًا لإرتكابها جريمة زنا، لجمعها بين زوجين وفقًا لقانون العقوبات المصري. فالفتاوى الدينية ليست حجة قانونية يستند إليها القضاء في أحكامه، وحتى المجتمع الذي يتحرى الأراء الفقهية في أصغر التفاصيل لن يتسامح معها في هذه الحالة رغم كون الزوجة وفقًا للفتاوي الفقهية «مطلقة شرعًا».

وحتى ينهض المشرع المصري بمسؤوليته في سن تشريع يعالج إشكاليات إثبات «الطلاق الشفهي»  ويدمج الحقيقة الشرعية بالحقيقة القانونية، تظل الحالة الاجتماعية لكثير من النساء معلقة على رغبة أزواجهن في عدم توثيق الطلاق إضرارًا بهن، فلا هن متزوجات ولا هن مطلقات. ما يجبرهن على النزول عن كافة حقوقهن المالية للزوج، سواء عن طريق إقناعه بإثبات الطلاق أو عن طريق دعوى الخلع ليفتدين أنفسهن ويستعدن حريتهن مرة أخرى .

اعلان
 
 
مصطفى محمود