Define your generation here. Generation What
رئيسان ونقيبان و21 عامًا غيروا علاقة الدولة بـ«الصحفيين»
الدولة تحولت من احتواء الصحفيين للصدام معهم.. والانقسام عنوان الموقف الصحفي
 
 
 
المصدر: محمد فوزي
 

«أحيلكم إلى الأزمة التي وقعت سنة 1995، عندما صدر قانون تنظيم الصحافة والذي رفضته النقابة. ماذا حدث؟ تمكنت النقابة من اتخاذ موقف قوي وموحد، لكن دون أن تخسر رئيس الجمهورية أو مجلس الشعب، وفي النهاية تمكنّا من تحقيق مطالبنا وعُدّل القانون».

جاءت السطور السابقة ضمن إجابة عبد المحسن سلامة، مدير تحرير الأهرام والمرشح على مقعد النقيب الصحفيين، على سؤال وجهته له الصحفية بجريدة المال إيمان عوف مضمونه «ماذا كنت ستفعل لو كنت نقيبًا للصحفيين وقت اقتحام النقابة؟».

أظهرالسؤال وإجابته كيف تُلقي أزمة اقتحام النقابة وتبعاتها بظلالها على انتخابات التجديد النصفي، التي ينتظرها الصحفيون الشهر المقبل.

مثّلت الأزمة صدامًا ربما يكون الأعنف في تاريخ صدامات نقابة الصحفيين مع السلطة السياسية. وأدّت إلى ظهور تيار من الصحفيين، يُحمّل مجلس النقابة الحالي وعلى رأسه يحيى قلاش مسؤولية الوصول إلى ما وُصف بـ«الطريق المسدود». بينما يرى تيارٌ آخر؛ أن مسؤولية الصدام تقع بالكامل على من اقتحم نقابة الصحفيين، في 1 مايو 2016.

تعتمد النقابة في كثير من الخدمات التي تقدمها على الدعم المالي الذي تتلقاه من الدولة، خاصة بدل التكنولوجيا الذي تصرفه شهريًا لأعضائها، ويتم استقطاعه من ضرائب أرباح الصحف من الإعلانات. ويُمثل البدل نسبة مهمة من دخول الصحفيين، خاصة مع الأزمة الاقتصادية التي تواجهها الصحف وتنعكس على أجور العاملين بها.

يخلق ذلك الوضع خيطًا مشدودًا تسير عليه النقابة دائمًا، بين الدفاع عن استقلاليتها من جانب، والحفاظ على الخدمات المقدّمة للصحفيين بعيدًا احتكاكاتها مع السلطة من جانب آخر. ربما يكون هذا ما يدفع الكثيرين من منتقدي قلاش إلى مقارنة أزمة اقتحام النقابة بأزمة إقرار قانون تنظيم الصحف سنة 1995.

يعلق صلاح عيسى على موقف الصحف قائلًا: «إن الكل تحمس في البداية، ظنًا منهم أن الرئاسة ستتخذ موقفًا محايدًا. غير أن هذا لم يحدث؛ فتراجعت الصحف عن دعمها للنقابة».

في السطور التالية يقارن «مدى مصر» بين الأزمتين، محاولًا استكشاف أوجه الاختلاف والتشابه بينهما، والوصول إلى إجابة على سؤال لماذا لم تصل أزمة اقتحام النقابة إلى تسوية مثلما حدث قبل 20 عامًا؟

بداية الأزمتين

كان عقد التسعينيات يمضي هادئًا رتيبًا، لا تجري فيه المياه إلا في الخفاء وتحت السطح. لكن؛ في منتصفه انفجرت أزمة بادرت بها السلطات.

في 27 مايو 1995، أقر مجلس الشعب قانونًا جديدًا للصحافة، يُغلّظ العقوبات في قضايا النشر، ويعدّل قانون نقابة الصحفيين، دون أن يُعرض القانون على النقابة أو المجلس الأعلى للصحافة أو حتى مجلس الشورى. وفي اليوم التالي نشرت الجريدة الرسمية مواد القانون للعمل بها. وحمل رقم 93 لسنة 1995، لكن الصحفيين اختاروا له اسمًا آخر: «قانون اغتيال الصحافة».

فجّر إقرار القانون بهذه الطريقة أزمة بين نقابة الصحفيين والسلطة السياسية، وكان وقتها إبراهيم نافع يحتل منصب نقيب الصحفيين، غير أنه كان في مهمة عمل خارج البلاد. فدعى محمد عبد القدوس، وكيل النقابة وقتها، أعضاء المجلس إلى اجتماع عاجل، واتُخذت عدة قرارات، أهمها رفض القانون، والدعوة لجمعية عمومية في 10 يونيو 1995، ومؤتمر عام تمهيدي في أول يونيو.

يُعلّق نقيب الصحفيين يحيى قلاش، الذي كان عضوًا بمجلس النقابة وقتها، على المقاربة بين الأزمتين قائلًا: «وجه التشابه هو تعبير الأزمة فقط. احتاجت كلتا الأزمتين إلى حشد الجماعة الصحفية والوطنية خلف النقابة، واختلفت الأزمتان بعد ذلك في تفاصيلهما».

يرى قلّاش أن أزمة اقتحام النقابة في 2016 غير مسبوقة في تاريخ النقابات المهنية عمومًا، مضيفًا «كانت تمثّل صدمة أصابت جهازًا عصبيًا… اقتحام النقابة ولّد رد فعل تلقائي وعفوي. عندما ذهبت إلى مقر النقابة عقب الاقتحام وجدت مئات الصحفيين بالفعل متواجدين هناك، قبل حتى أن يتحرك مجلس النقابة».

على الجانب الآخر يرى قلاش أن أزمة 1995، أخذت وقتًا للتفاعل معها، فيقول: «لم يكن رد الفعل بنفس التلقائية، وإنما احتاج الأمر إلى التحضير لحشد الصحفيين عبر سلسلة من المقالات المدافعة عن المهنة، والاجتماعات التحضيرية للجمعية العمومية».

يتفق الكاتب الصحفي صلاح عيسى، أمين عام المجلس الأعلى للصحافة، مع ما قاله قلاش؛ بأن رد الفعل في 1995 لم يكن بنفس درجة العفوية. غير أنه يرى أن قرارات مجلس النقابة في أزمة الاقتحام «شابها التسرّع، ورفع السقف بشكل كبير».

كان عيسى أحد قيادات العمل النقابي في أزمة 1995، وكان عضوًا بمجلس النقابة في فترة سابقة امتدت بين عامي 1989 و1993. يحكي عيسى أنه تلقى اتصالا من الكاتب الصحفي الراحل مجدي مهنا – وكان عضوًا بمجلس النقابة وقتها- بعد إصدار القانون، وأخبره أن هناك دعوة وُجهت للنقابة لحضور «عيد الإعلاميين» الذي يحضره رئيس الجمهورية، وأن هناك اتجاهًا لمقاطعة الدعوة احتجاجًا على القانون.

يقول عيسى: «اقترحت أن يحضر جلال عيسى- وكيل النقابة وقتها- عيد الإعلاميين، وأن يقرأ بيانًا ينقل فيه رفض النقابة للقانون، ويطالب مبارك باستخدام صلاحياته الدستورية لإعادة القانون إلى البرلمان لمناقشته من جديد».

يشرح عيسى غرضه من هذه الخطوة قائلًا: «كان الهدف من ذلك هو تحييد رئاسة الجمهورية [تجاه] الأزمة، وتحويلها من خصم إلى حكم، رغم علمنا أن القانون صدر بمعرفة وموافقة مبارك».

يتابع أمين المجلس الأعلى للصحافة: «ما حدث في أزمة اقتحام النقابة في 2016؛ هو إلقاء كل الأوراق مرة واحدة على المنضدة»، مشيرًا إلى المطالبة بإقالة وزير الداخلية في البيان الأول لمجلس النقابة عقب واقعة الاقتحام.

بينما يرى قلاش أنه لم يكن ممكنًا اتخاذ موقفًا أقل من ذلك، ولا تأجيل اتخاذ القرارات أسابيع، «لفداحة ما حدث واختلافه عن أي أزمة أخرى مرت بها النقابة».  يشير عيسى إلى جانبٍ آخر قائلًا «ثورة يناير أعطت انطباعًا لدى جيل الشباب أن كل شيء ممكن، بينما كان المناخ في 1995 يدعو للحسابات وليس الجموح».

ويعلق نقيب الصحفيين: «من اختلقوا أزمة نقابة الصحفيين لم ينتبهوا أن هناك جيلًا جديدًا الآن، ولد أغلبه من رحم هذه الأزمة، التي ستترك أثرًا عميقًا عليه. ولهذا الجيل ستؤول نقابة الصحفيين في المستقبل، حتى لو تغير المجلس الحالي».

كيف تعاملت الدولة في الأزمتين

«في معركة 1995، كانت فكرة المفاوضة موجودة للوصول إلى حل سياسي وليس أمني، بينما في 2016 كان الجهاز الأمني حاضرًا بقوة في المشهد»، هكذا وصفت الكاتبة الصحفية أميمة كمال المشهد في كلتا المعركتين.

كانت كمال حاضرة في كلتا المعركتين، وشهدت كيف تعاملت الدولة مع كلا المشهدين. وتشير إلى تولى أسامة الباز، المستشار السياسي لرئيس الجمهورية سنة 1995، ملف الأزمة في مرحلة مبكرة، وكيف ساهم ذلك في مسار التفاوض الذي استمر عامًا كاملاً، من أجل إنهائها.

عندما حضر جلال عيسي، وكيل النقابة في 1995، عيد الإعلاميين وأعلن رفض الصحفيين القانون الجديد وطالب مبارك بإعادته للبرلمان، رد الأخير بمقولته الشهيرة «إحنا ما بنبيعش ترمس»، بحسب صلاح عيسى.

يحكي عيسى أنه تلقى اتصالًا هاتفيًا من الباز في اليوم التالي لانعقاد الجمعية العمومية، وكان ذلك إعلانًا عن توليه ملف الأزمة. بدأ الباز سلسلة من الاتصالات بكافة الأطراف المؤثرة في أوساط الصحفيين، يقول قلاش: «أجرى الباز اتصالات عديدة مع رموز وشيوخ المهنة من كافة التيارات وألوان الطيف للوصول إلى حل. وبدأت الدولة في تشكيل لجان لإعادة مناقشة القانون. ودخلت النقابة في مفاوضات مستمرة حول من يشارك في هذه اللجان. والتقينا رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء، ورئيس مجلس الشعب ووزير الإعلام والمجلس الأعلى للصحافة».

أتت تلك الاتصالات من جانب الباز بعد رفض مبدئي من جانب مبارك للتصعيد الذي قامت به النقابة. فعندما حضر جلال عيسي، وكيل النقابة في 1995، عيد الإعلاميين وأعلن رفض الصحفيين القانون الجديد وطالب مبارك بإعادته للبرلمان، رد الأخير بمقولته الشهيرة «إحنا ما بنبيعش ترمس»، بحسب صلاح عيسى.

يقارن قلاش بين رد فعل السلطة في 1995؛ وخلال أزمة اقتحام النقابة قائلًا: « [هذه المرة] كانت هناك حالة من فرض قانون القوة، حالة استقواء غير سياسية. كنا نجري اتصالات عديدة مع أطراف من داخل الدولة، وكلما اقتربنا من الوصول إلى حل، كان هناك من يمد يده من داخل مؤسسات الدولة لإفشال هذا الحل».

بعد اجتماع أعضاء الجمعية العمومية، في 4 مايو من العام الماضي، تواصلت نقابة الصحفيين مع رئيس الوزراء شريف إسماعيل وعدد من أعضاء مجلس النواب من الإعلاميين، للوصول إلى حل للأزمة، غير أن هذه المحاولات لم تستمر.

 يقول عيسى «كان واضحًا أن الأطراف التي كانت تمثل السلطة في هذه المفاوضات لم تكن مفوّضة لإيجاد حل. وكان واضحًا أن هناك إصرار لدى البعض داخل الدولة على اقتناص ردة فعل عفوية… للاستمرار في التصعيد».

يشير عيسى بـ«ردة الفعل العفوي» إلى المطالبة بإقالة وزير الداخلية وتقديم اعتذار من رئيس الجمهورية. ويرى أن نزوع الدولة إلى عدم التفاوض سببه «ما تمثّله وزارة الداخلية» في السياق السياسي الحالي: «وزير الداخلية يمثل الدولة في معركتها ضد الإرهاب، ويسقط من الشرطة يوميًا شهداء. الصدام جاء مع هذه المؤسسة في ظرف خاص جدًا أعطاها قوة وثقل… بالبلدي أصبح لها خاطر كبير عند الرئاسة».

مشاهد الوحدة والانقسام

رغم تباين الاتجاهات السياسية لأعضاء مجلس نقابة الصحفيين خلال أزمة 1995؛ إلا أن المجلس لم يتعرض للانقسام مثلما حدث خلال أزمة اقتحام النقابة العام الماضي.

تصف أميمة كمال المشهد في أزمة 1995 قائلة: «كان صحفيو المؤسسات القومية حاضرين جنبًا إلى جنب مع صحفيي الصحف الحزبية، ولم يحاول أحد أن يخالف إجماع الجمعية العمومية أو يدفع في اتجاه انقسام مجلس النقابة. لم يجرؤ أحد على الذهاب إلى الأهرام لحضور اجتماعات مغلقة شبيهة بجبهة تصحيح المسار».

ويؤكد عيسى أن كل الصحف الحزبية التزمت بقرارات الجمعية العمومية التي انعقدت يوم 10 يونيو 1995، وكان من ضمنها الاحتجاب في يوم محدد احتجاجًا على إقرار قانون الصحافة، مضيفًا «أما الصحف القومية فبعضها التزم الصمت، والبعض الآخر اتخذ مواقف معادية». غير أنه لم تتشكل جبهات معادية لقرارات مجلس النقابة من داخل الجماعة الصحفية.

ويُفسّر عيسى ذلك السلوك قائلًا: «أظن أن إبراهيم نافع استشعر أن السلطة قد تصرفت بجموح، وأنها أصدرت القانون دون استشارته، فلم يكن يملك إلا الانصياع للجمعية العمومية التي كانت قد بدأت في التحرك، مرجئًا احتواء الموقف إلى لحظة لاحقة».

ويتابع «كان لإبراهيم نافع ثقله بين المؤسسات القومية، وقد كان يرأس مجلس إدارة الأهرام وقتها»، في إشارة إلى أن موقعه ساهم في منع أي محاولات لتكوين «جبهات معادية» لمجلس النقابة التي كان يرأسها.

وترى أميمة كمال أن بدء الأزمة خلال غياب نافع خارج البلاد، ومبادرة مجلس النقابة والجماعة الصحفية للتحرك دون انتظاره، جعل من الصعب على نافع التراجع عما اتخذ بالفعل من قرارات.

يختلف ذلك المشهد كثيرًا عن أزمة اقتحام النقابة العام الماضي. فلم يستمر دعم الصحف لموقف النقابة إلا يومين، بعدها تراجع ذلك الدعم، وتحول إلى هجوم في بعض الحالات. كما جاء تشكيل جبهة تصحيح المسار بمشاركة خمسة من أعضاء مجلس النقابة ليضيف المزيد من الانقسام إلى المشهد.

يقلل عيسى من تأثير جبهة تصحيح المسار واجتماعات الأسرة الصحفية التي استضافتها مؤسستي الأهرام ووكالة أنباء الشرق الأوسط، غير أنه يعلق على تغير موقف الصحف قائلًا: «إن الكل تحمس في البداية، ظنًا منهم أن الرئاسة ستتخذ موقفًا محايدًا. غير أن هذا لم يحدث؛ فتراجعت الصحف عن دعمها للنقابة».

استمرت أزمة القانون 93 لسنة 1995 لمدة عام، حتى أُلغي في يونيو 1996، وأٌقر قانون جديد للصحافة، مازال ساريًا حتى الآن. بينما لا تزال أزمة اقتحام النقابة قائمة لم تنتهي. وتحدد تبعاتها مسارات العمل النقابي خلال الفترة المقبلة. فقد تؤدي في النهاية إلى فوز تيار داخل الجمعية العمومية يرى أن حماية استقلال النقابة أولوية، حتى لو أتى ذلك على حساب علاقتها بالسلطة السياسية؛ أو هيمنة تيار آخر يرى أن النقابة عليها أن تحافظ على ذلك الخيط الممدود بينها والسلطة أيًا كان الثمن.

اعلان