Define your generation here. Generation What
معنى أن ينضج المرء تحت «ضوء القمر»
 
 
خوان يعلم شيرون السباحة
 

يركض شيرون وتركض خلفه مجموعة من الأولاد، يريدون اللحاق به، ربما لضربه أو للسخرية منه، يستطيع شارون التسلل إلى أحد المنازل المغلقة للاختباء به، ويظل الأولاد خارج المنزل المغلق، في انتظاره حتي يخرج ليستمروا في ما كانوا يفعلونه.

يتتبع فيلم «ضوء القمر»، للمخرج وكاتب السيناريو باري جينكنز قصة صبي أسود تعوزه الثقة بالنفس، لا يتعامل  زملاؤه معه بطريقة عادية، وإنما يضايقونه ويسخرون منه.

أخرج فيلم «ضوء القمر.. Moonlight» وكتب السيناريو له باري جينكنز. وقام ببطولته ألكس هيبرت وأشتون ساندرز وتريفانت رودِس في دور شيرون (طفلًا ثم مراهقًا ثم رجلًا) وجادن بينر وجارل جيروم وأندريه هولاند في دور كيفن (طفلًا ثم مراهقًا ثم رجلًا) وناعومي هاريس (أم شيرون) وماهرشلا علي (خوان).

ينتهج الفيلم ثلاثة مسارات فى تمثيل شخصية شيرون، عبر رؤية متقنة من العلاقات المعقدة في حي فقير بمدينة ميامي الأمريكية، حي ينتشر فيه الفقر وتجارة المخدرات، ويتشكل فيه وعي شيرون من الصبا إلى المراهقة وصولًا إلى الرجولة، مع التركيز على هذه الفصول في حياته.

ينقل جينكنز السمات الشخصية لشيرون وظروف حياته وعلاقته بأمه (ناعومي هاريس) المدمنة على المخدرات، ومرحلة اكتشاف ميوله الجنسية كطفل، ثم كمراهق، إلى أن يصير رجلًا. في ثلاث فترات من حياته، تتشكل شخصية شيرون. ما يلتقطه في حياته كطفل لأم مدمنة، وكطالب بالمدرسة، لا يكفي  لمعرفة كيف هي الحياة، ومع نضجه فى القسم الثاني من الفيلم يتحول هذا الجهل إلى سلوك مضطرب، لأنه يكون في طور معرفة الرغبة الجنسية وميوله، وهي أعقد المراحل الثلاث للفيلم.

شيرون الصغير: ما هو «الشاذ»؟

في الفصل الأول، الذي جاء تحت عنوان «صغير»، يعثر خوان (ماهرشلا علي) على شيرون مختبئًا في أحد البيوت المغلقة، يتواصل معه ويُطمئنه، ثم يرتبط به موفرًا له، مع صديقته تريسا ( جانيل مونيه) درجة معينة من الدعم النفسي. وبغض النظر عن كون خوان تاجر مخدرات، نرى الرابطة بينه وبين شيرون في عدة مشاهد حميمية بينهما، كتعليم خوان السباحة لشيرون، نُشاهد رجلًا ناضجًا يُعلم طفلًا صغيرًا كيفية السباحة، يمسكه كي يطفو على الماء، ويؤكد له: «لن أفلتك من يدي، ثق بي.»

بوستر الفيلم

تتحول الحميمية إلى اهتمام، فتُثار التساؤلات الأولى في حياة شيرون عن أمه المدمنة على المخدرات. كما يتسائل شيرون ببراءة عن معنى كلمة «شاذ»، ما يدفع خوان وتريسا إلى محاولة التعامل مع هذه التساؤلات بهدوء. يشرح خوان لشيرون، الذي يسعى لفهم ميوله الجنسية الناشئة، بأن المثلي جنسيًا ليس شاذًا، وأنه كطفل لن يعرف إلا في وقت لاحق، ميوله الجنسية.

«ما هو الشاذ؟»، يظل هذا السؤال عالقًا أمام شيرون.

المراهقة: اكتشاف الجنس

يأتي الفصل الثاني ليصور فترة المراهقة، وهي الفترة المعنونة باسم «شيرون». يُظهر جينكنز مجددًا بعض التحديات التي واجهت شيرون الطفل، ولكن عبر صخب سن المراهقة. تأتي ذروة التحديات لدى استكشافه لميوله الجنسية مع صديقه كيفين، وأيضًا عبر العنف الذي يتعرض له من زملائه.

رُشح فيلم «ضوء القمر» للعديد من الجوائز المختلفة، حيث حصل على ثمانية ترشيحات لجوائز أوسكار، منها أفضل فيلم وإخراج وسيناريو وأفضل تصوير وأفضل ممثل في دور مساعد وأفضل ممثلة في دور مساعد وأفضل موسيقى تصويرية. كما رُشح لستة ترشيحات لجوائز الجولدن جلوب.

بالإضافة إلى الموسيقى التصويرية الرائعة للفيلم، التي أبدعها نيكولاس بريتل، واستخدمها جينكنز بحرفية في إخراج مشاهده، جاء التصوير عاملاً حاسمًا في صنع الصور التي تنقل الصراع الداخلي المحتدم في نفس شيرون. في الفصل الأول، تتقلص الكاميرا مع شيرون الصغير لإظهار كيف يتعامل كصغير في عالم مرعب، بالإضافة لمشهد السباحة على الشاطئ حيث يعلمه خوان السباحة، وتبدو فيه الكاميرا مختبئة وراء الأمواج، تتجسس على المشهد الحميمي. في الفصل الثاني، تتحرك الكاميرا باهتزاز واضح متعقبة التوتر النفسي لشيرون المراهق، ترتبط به ارتباطًا وثيقًا وهي تتبعه خلال هذه الفترة الانتقالية الصعبة، ولكن سرعان ما تتحلى الكاميرا بالثبات و الوضوح الكامل عندما يكون شيرون مع كيفن، وهو ما يتضح بشدة فى الفصل الأخير من الفيلم.

تُمكن رؤية الفيلم كفيلم مهتم بالقضايا الكبرى، مثل الهوية والجنسية المثلية، إلى جانب لمحات سريعة من المجتمع الفقير في مدينة ميامي، وتجارة المخدران وإدمانها، ولكن رؤية جنكينز السينمائية ترتكز على جعل إنسانية شيرون هي المعيار الأصلي لقصته، فبخلاف علاقته مع أمه المدمنة، وأزمته في الشعور بجنسانيته المُحدّدة، حافظ السرد السينمائي على القصة عبر فصوله الثلاث، فمع الأصوات والمشاعر الأولى التي أحس بها شيرون في طفولته، يأخذنا السرد لنفس المعضلات عبر مرحلتي المراهقة والرجولة. نستشعر صمته المؤلم من خلال احتياجه للتواصل الإنساني الحميم وصراعه مع المحددات الجنسية التقليدية.

الأم (ناعومي هاريس)

بعيدًا عن عالم المخدرات؛ عن إدمانها والإتجار فيها، وعن نمطية تصوير الفقر والتمييز العنصري ضد السود، يمتد السرد منحيًا كل المكونات الكبرى لأفلام صُنعت وستُصنع عن هذه الثيمات، ويبدع رؤية عن بائع مخدرات يندمج إنسانيًا  وبشكل حميمي مع طفل أهملته أمه بسبب المخدرات. في مشهد يقع في قلب الفصل الأول للفيلم، يرى خوان أم شيرون وهي تتعاطى المخدرات في الشارع، فيذهب إليها لإجبارها على عدم التعاطي والذهاب إلى منزلها. وتبدأ مواجهة غريزية بين الأم وخوان عن طفلها. تتهكم عليه، مشيرة لكونه تاجر مخدرات، وتسأله «أنت من ستربي ابني؟»، ثم تتحول هذه المواجهة الغريزية إلى مواجهة شارع، إلى مساومة بين بائع ومشتر علي المخدرات، وتسأله «هل ستبيعني المخدرات؟»

الرجولة: بنيت نفسي بصعوبة

باتجاه الرجولة ينطلق هذا الطفل في رحلة بلوغه ومعرفته لنفسه واستكشاف العالم عبر علاقة حميمية أخرى مع صديقه كيفين. وهو ما نشاهده في الجزء الأخير من الفيلم؛ فيصبح شيرون رجلًا مفتول العضلات، يبدو أن الحياة أنضجته، وجعلته صارمًا بحيث أصبح تاجرًا للمخدرات هو الآخر. يتلقى مكالمة هاتفية من صديقه القديم كيفن، يدعوه لزيارة المطعم الذي يعمل به. يسأل كيفين «كيف أصبحت هكذا؟»، يُجيبه شيرون: «لا شيء.. بنيتُ نفسي بصعوبة، وهذا ما أنا عليه الآن».

الفيلم مأخوذ عن قصة «الأولاد السود يظهرون باللون الأزرق في ضوء القمر» للكاتب تاريل ألفين ماكراني

تتعلم الشخصيات معنى أن يكون المرء ناضجًا. تطبع الحياة بصمتها على كل شخصية؛ حاول شيرون وكيفن معرفة كنه حياتهما، ويبدو أنهما وجدا طريقًا مفتوحًا لعلاقتهما، وأكثر حميميًا من أن يوصف كمجرد علاقة جنسية. تتلاقى العيون في صمت، وعبر حوارغير متكلف، يعرفان ما يريدان.

 يقف شيرون الصغير ويبدو أزرقَ في ضوء القمر.

اعلان
 
 
حازم يحيى