Define your generation here. Generation What
العلاقة بالدولة تحدد الاصطفاف في انتخابات الصحفيين
 
 

تأتي المعركة الدائرة لانتخاب نقيب الصحفيين، والتجديد النصفي لأعضاء مجلس النقابة، وسط حالة استقطاب واسعة تتمحور حول علاقة النقابة بالدولة، وتأثير الظروف السياسية العامة على الانتخابات، وذلك على الرغم من الاتفاق الضمني بين أطراف الانتخابات المختلفة على تنحية المواقف السياسية جانبًا، والتركيز على العمل النقابي المهني.

لكن حضور السياسة تسيّد المشهد مع التصريحات المتعددة لنقيب الصحفيين السابق ضياء رشوان، خاصة تلك التي جاءت في حواره مع جريدة الوطن (الثلاثاء)، وأيضا في بيان إعلانه الانسحاب من الانتخابات القادمة، والذي وصف فيه قلاش بـ«مرشح القفز للمجهول»، في إشارة إلى معركة اقتحام قوة من الأمن لمقر النقابة في مايو الماضي، وتداعياتها التي وصلت بقلاش وإثنين من أعضاء المجلس إلى المحاكم، حيث من المقرر أن تصدر محكمة جنح مستأنف قصر النيل، السبت المقبل، قرارها بشأن استئناف النقيب ووكيل النقابة خالد البلشي والسكرتير العام جمال عبد الرحيم، على حكم حبسهم سنتين الصادر في نوفمبر الماضي بتهمة إيواء مطلوبين للعدالة.

قال رشوان في الحوار: «استطعت على مستويات متوسطة، ثم على أعلى مستويات الدولة، أن أصل إلى حل يرضينا جميعًا، وأن نضع أسسًا فى منتهى الشرف والكرامة، وكان أملي الوحيد أن يؤجل قلاش ترشّحه، وأرسلت إليه برسالة مباشرة بذلك، والدولة كانت مرحبة بالحل السياسي، لكن الشرط أن يؤجل [إعلان ترشحه] يومين. لكنه بادر بترشيح نفسه قبل الوصول إلى حل بيوم واحد، والحل لا يجوز فعله وهو مرشح، لأنه إذا لم ينفذه سيبدو وكأنه دعم له».

وقال مصدر مطلع على المفاوضات، فضّل عدم ذكر اسمه، إن «رشوان، من ضمن آخرين، قدموا هذا العرض، لكن لا أتصور أن ما كانت تنتظره المستويات العليا في الدولة هو مجرد تأجيل إعلان الترشح ليومين- كما قال رشوان- في النهاية ما الفائدة من التأجيل؟ [إن] ما كانت تنتظره هذه الدوائر؛ هو انسحاب قلاش من المعركة تمامًا. وما حدث أن قلاش رفض ذلك».

وفي لقاء تليفزيوني لعبد المحسن سلامة مع برنامج «يحدث في مصر»، وعد المرشح المنافس لقلاش بالتدخل لدى رئاسة الجمهورية في حال صدور حكم قضائي ضد منافسه على مقعد النقيب، والمرشحين لعضوية مجلس النقابة، خالد البلشي وجمال عبد الرحيم.

المفاوضات التي أفصح عنها رشوان، ووعد سلامة، أنهيا الشك حول تداخل الظرف السياسي العام مع تفاصيل انتخابات نقابة الصحفيين، في وقت يصفه الجميع بالاستثنائي على مستوى العمل النقابي، أو على مستوى تراجع الحريات العامة في مصر.

يقول الكاتب الصحفي مدحت الزاهد لـ«مدى مصر» إن الانتخابات هذه المرة «تأتي في ظرف دقيق جدًا، يرتبط بمساعي خنق المجال العام عمومًا، وفرض القيود على العمل الأهلي، وفي القلب منه النقابات». ويجد الزاهد فيما تلقاه الطبيبة والنقابية منى مينا في نقابتها مثالاً واضحًا على العصف بالعمل النقابي. وكذلك ما يواجهه نقيب الصحفيين، وعضوي المجلس خالد البلشي وجمال عبد الرحيم، المقدمين جميعهم للمحاكم.

ويؤكد الزاهد أن خريطة الانتخابات وشكل التحالفات المطروحة خلالها «تقول إن التيار الموالي للدولة يحاول تطهير النقابة من كل الأصوات التي خاضت معركة وطنية مثل معركة تيران وصنافير، وهي قضية صادر فيها حكم نهائي من القضاء لا يقبل الطعن».

وأضاف الزاهد «في معركة تيران وصنافير، النقابة لم تصدر بيانًا يحمل موقفًا واضحًا مباشرًا من القضية. لكن النظام يعي أنها فتحت أبوابها لهذه المعركة الوطنية، وأفسحت المجال للشباب المدافعين عن الأرض المصرية. وفي هذا السياق تشكلت المساعي الرامية لمعاقبة النقابة على هذا الموقف، وتشكل ما سمي بجبهة تصحيح المسار بهدف تركيع النقابة، وإعادتها إلى السيطرة السياسية».

عضو الجمعية العمومية، والناشط في النقابة، مصطفى البسيوني، يرى الأمر من زاوية مختلفة، ويقول «قضية الجزيرتين على أهميتها لم تكن هي المحرك السياسي الأول الذي يحرك الأمور داخل النقابة، بل كان اقتحام قوات الشرطة لحرم النقابة واعتقال صحفيين من داخل المبنى».

يرى البسيوني أن الاستجابة الواسعة التي أبدتها الجمعية العمومية للنقابة في اجتماعها غير الرسمي، أتت كرد فعل على ما أقدمت عليه الداخلية. مضيفًا: «أعتقد أن هذا ما فرض على الفريق المعارض للسلطة السياسية من المرشحين عدم استخدام هذه القضية في دعايته الانتخابية، بالإضافة لعدم رغبة أحد في المتاجرة بالقضية».

الصحفية وعضو جبهة الدفاع عن الصحفيين والحريات إيمان عوف، تأخذ الموضوع إلى سياقه التاريخي، تقول: «تاريخيًا، كانت الجمعية العمومية لا تجتمع بقوة، إلا تأثرًا بالظرف السياسي العام وتأثيره على الحريات العامة عمومًا، والمتعلقة بالصحافة خصوصًا. لو تحدثنا عن الزخم الحالي في الانتخابات، والذي تجلى في نزول عدد كبير من المرشحين ممن لهم مواقف ضد النظام السياسي، فهذا امتداد للمعركة التي بدأت على إثر اقتحام النقابة في مايو الماضي».

ترى إيمان أن الركود السياسي الذي شهدته البلاد قبل توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، والتي تنازلت الأولى بمقتضاها عن جزيرتي تيران وصنافير؛ هذا الركود أثر على العمل النقابي كذلك. «كانت المعارك محصورة في قضايا فصل الصحفيين، وهي قضية مهمة بالطبع، لكن الاشتباك معها لم يأخذ صفة النشاط الواسع. وغابت النقابة عن المعارك الكبرى المرتبطة بالحريات مثل معركة قانون التظاهر وزيادة الاعتقالات والاعتداءات على الصحفيين، وحتى تردي الأوضاع الاقتصادية العامة».

وأضافت عوف: «بعد الاقتحام تحولت الصورة تمامًا وكان هذا واضحًا في اجتماع الجمعية العمومية التي تلت الاقتحام، وخاصة عندما رفع جمهور الاجتماع سقف مطالب مجلس النقابة، وطالب باعتذار الرئاسة بدلًا عن اعتذار الحكومة.. وهي اللحظة التي بدأ فيها المحسوبون على الدولة تنظيم هجومهم على النقابة.. وهي نفس اللحظة أيضًا التي عادت فيها كل المشاكل المؤجلة من الفصل وعلاقات العمل والاعتقالات إلى السطح، وبات الاشتباك معها أكثر حدة.. في هذا السياق تأتي معركة الانتخابات، من قلب التفاعل مع الجو السياسي العام».

وعلى الرغم من انتشار مصطلحات «مرشح الدولة» في مقابل «مرشح الاستقلال»، إلا أن الصورة لم تعد بالوضوح المعهود داخل أروقة الجمعية العمومية للصحفيين. على سبيل المثال تشير إيمان هنا إلى أنه «في وقت ما كان ضياء رشوان هو مرشح الثورة في مقابل مرشح الإخوان المسلمين، الذين كانوا على رأس السلطة السياسية حينها، وفي الانتخابات التالية مباشرةً، كان رشوان هو مرشح الدولة في مقابل يحيى قلاش مرشح المعارضة».

وعلى الرغم من تعقيد الصورة، إلا أن هذا التغيير ليس فوضويًا كما يبدو. وهنا، يقول مصطفى البسيوني: «الصورة السياسية للجمعية العمومية لم تعد كما صورتها التقليدية، سواء بالنسبة لتيار الدولة أو لتيار الاستقلال. فمن ناحية الدولة، كان المعهود هو تقديم مرشح على مقعد النقيب له رمزية وتاريخ كبير، مثل إبراهيم نافع أو مكرم محمد أحمد، الآن الدولة لا تمتلك مثل هذه الرموز التقليدية. وكانت الدولة تقف بكل أجهزتها لدعم مرشحها، وتقدم له العديد من التنازلات السياسية والاقتصادية بهدف تصعيده، الآن الأمر مختلف ولا يبدو أن الدولة تستعد لتقديم أي تنازل يذكر. خاصة وأن هناك تساؤلات مطروحة لدى النظام حول الأهمية التي قد يوليها للمؤسسات القومية، في ظل سيطرته على الصحف الخاصة والقنوات الفضائية».

ووفقًا للبسيوني فإن تيار الاستقلال يشهد تغيرات واسعة بدوره، نجمت عن خفوت نفوذ الصحف الحزبية في الجمعية العمومية، لصالح أجيال الشباب العامل في الصحف الخاصة التي انضمت للجمعية العمومية منذ العام 2005، وأيضا بسبب خروج الشباب العاملين في الإصدارات الخاصة في الصحف القومية عن سيطرة الجيل القديم. «هذا التغير أدخل عدد من المشاكل في صفوف التيارات المعارضة للسلطة السياسية داخل النقابة، أهمها عدم إدراك هذه المجموعات أنها تستطيع تكوين تيار نقابي واسع».

لكن مع اشتداد الأزمة الاقتصادية، وإقدام العديد من المؤسسات الخاصة على فصل أعداد متزايدة من الصحفيين؛ بدأت بعض المعادلات تتشكل في مواجهة الدعاية الموالية للدولة، وصار هناك انقسام حول سبب أزمة النقابة مع الدولة. إلا أنه في حين تولي تيارات أولوية لحل أزمة سوء العلاقة بين الدولة والنقابة، ترى تيارات أخرى أن النقابة هي من زجت بنفسها في أزمة مع الدولة.

ولكن هناك خلاف آخر رصده البسيوني: «هناك قطاعات واسعة ترى أن تحسين شروط علاقات العمل المتعلقة بالصحفيين هي الهدف من النشاط النقابي، في مواجهة قطاعات لا تنتظر سوى الحصول على بعض الامتيازات الاقتصادية كزيادة البدل».

قد يختلف الجميع حول القدر الذي تتداخل فيه السياسة مع التعقيدات الانتخابية، لتشكل مع غيرها من العوامل، كالانتماء للمؤسسات القومية، أو حتى الأسباب الدينية والقطاعية، كامل الملامح الانتخابية، لكن يبقى الاتفاق على أن نتيجة هذه الانتخابات، ستشكل طبيعة علاقة الصحافة مع السلطة، وأن الحكم الذي ينتظره ثلاثة من قيادات النقابة، متهمين بإيواء صحفيين مطلوبين في قضية رأي، جميعهم أعادوا ترشحهم لذات المقاعد، سيكون هذا الحكم مسألة مفصلية في هذا الشأن.

اعلان