Define your generation here. Generation What
عن المأساة العادية في «مانشستر»
 
 

كيف يمكن أن تكمن المأساة في أكثر الأشياء اعتيادية في حياتنا؛ الموت؟

مشاهدة فيلم «مانشستر على البحر» هي تجربة مُثقلة للروح والفكر، حتىّ أني لم أستطع مشاهدته كاملًا إلا بشكل متقطع. يحكي الفيلم عن «لي تشاندلر»، العامل الأجير الذي يعود إلى مدينته الصغيرة مانشستر- بعد أن تركها منذ زمن لأسباب سنعرفها لاحقًا- لدى تلقيه خبر وفاة شقيقه بأزمة قلبية. يجد لي نفسه في ورطة حين يعلم أن ابن شقيقه المراهق باتريك قد أصبح تحت وصايته لحين بلوغه الـ21 عامًا، ثم تتوالى الأحداث لنرى ما ستؤول إليه علاقة لي وباتريك.

في البداية يظهر لي كرجل صامت، سريع الغضب والعراك، يتحدث بمرارة طوال الوقت؛ يبدو مهزومًا بشكل كبير دون أن نعرف السبب. بعد فترة، نعلم أنه فقد أطفاله في حريق منزله منذ عدة سنوات بسبب إهمال شديد من جانبه، ما أدى إلى انفصاله عن زوجته راندى، وانتقاله من مانشستر إلى بوسطن.

«مانشستر على البحر» هو التجسيد الأمثل للمعاناة الإنسانية في الحياة العادية، التي نحياها جميعًا دون أن نتصور فيها مأساةً تراجيدية متفِردة. اختبر لي تجربة الموت في أطفاله كما نختبر جميعًا تجربة الموت في من نحب. لا حبكة رئيسية في الفيلم، أو لحظات تفجر في الأحداث أو التوائات سردية، وإنما يسير الفيلم في رتابة الحياة العادية، كأنك تشاهد فيلمًا تسجيليًا عن أسرة أمريكية لا يحدث لها إلا ما يحدث للآخرين. الموت والفقد بشكل عام هما المرتكزان الرئيسيان للفيلم اللذان تتمحور حولهما الأحداث. يحاول لي بشدة تجاوز مشاعر الفقد والوحدة والذنب التي تعتصره، لكن هل تمثل تلك المشاعر حدثًا استثنائيًا؟

أظن أن الإجابة لا، بل هي مشاعر متجذرة في التاريخ الإنساني والوجودي، بلّ ومُكملة لإنسانيتنا بشكل ضخم، كما يقول فريدريش نيتشه. لم تقع مأساة استثنائية على الطريقة الإغريقية الأبوليّة، حتى يتحول لي من الشخص الضاحك المرح إلى ذلك الشخص المنهزم المقهور الزاهد في النساء كالقديسين. هناك نقطة تحول بالتأكيد، لكنّها «المأساة العادية التي تحدث للجميع»، كما يمكن أن نطلق عليها. هكذا هو العالم للكثيرين؛ الكثير من الدروس غير المستفادة مع الكثير من النهايات غير الواضحة. قبل الحادث، كان لي سكيرًا يعمل في إصلاح المنازل، وهذا ما ظل عليه بعد الحادثة أيضًا، لا مراجعات دينية أو سلوكية دارت، لا شيء، ظلّ لي نفس الشخص باستثناء أنه أصبح مُحطمًا! ينتهي الفيلم، كما هي الحياة، بلا إجابات: هل لا يزال لي يحب زوجته السابقة؟ هل سيرى باتريك مرة أخرى؟ هل يمكن له تجاوز ماضيه؟ لا نعلم!

في مشهد بديع، يقف لي ناظرًا إلى بحر مانشستر من خلف الزجاج ثم يضرب الزجاج بقوة حتى تدمى يده. بحر مانشستر الفسيح –الذي أمضى فيه الكثير من الأوقات المرحة- أصبح كالصخرة التي تجثم على صدره؛ لا يستطيع هزيمة هذا المكان كما أخبر باتريك لاحقًا. في مشهد أخر، تخبره راندي بأنها ستلد قريبًا طفلًا أخر من زوجها الجديد، ويتردد لي للحظات ثم يخبرها أن عليه الذهاب لفعل شئ ما. هو يهرب من حقيقة غرقه في الماضي الذي تجاوزته راندى، ومن حقيقة أنه سيظل غارقًا فيه للأبد.

هكذا يقدم لنا مخرج الفيلم وكاتبه، كينيث لونرجان، لوحة مغرقة في الواقعية عن الأسى الذي نحمله جميعًا بداخلنا ونسير به مُثقلي الظهر. ما يخبرنا به الفيلم هو أن المأساة والخلاص يكمنان في التفاصيل، وأن الأشياء الدقيقة المجهرية هي ما تجعلنا قادرين على الوقوف على الأسرار العظيمة للحياة، كما يخبرنا الكاتب إدواردو جاليانو.

في المشهد الختامى، يجلس لي مع باتريك للصيد، كما كانوا يفعلون في الماضى، في محاولة أخيرة للانتصار على الزمن والموت والفقد وبحر مانشستر.

اعلان
 
 
شريف جمال سالم