Define your generation here. Generation What
صدمة لا تقتلنا، فتشلّنا
 
 

لي تشاندلر حارس يقطن في كوينسي بماساتشوستس، يحرس أربع بنايات، ويدور عمله ما بين نزح الثلج وتنظيف المراحيض، وغالبًا ما يقع في الشجار مع المستأجرين.

من اللحظات الأولي لفيلم «مانشستر على البحر» نجده يعيش وحده، يذهب إلى حانة ما، يسكر ويتشاجر مع زبائن آخرين. باختصار، تبدو حياته بائسة إلي حد اليأس، ويبدو هو غير قادر على التواصل مع أحد من فرط الضجر، بالإضافة لملمح من العنف في سلوكه يتجلى في عدم قدرته علي مجاراة أي من يتحدث معه، نلاحظ ذلك مع كل نظرة وإيماءة. ولكن من خلال ذكريات الماضي، التي يستخدمها المخرج بكثافة، نراه شخصيةً أُخرى؛ يمزح مع زوجته راندي، أو مع ابن أخيه باتريك على متن قارب شقيقه الأكبر جو، فنعرف أنه كان فيما سبق قادرًا على الحياة.

كان لي فيما سبق قادرًا على الحياة

يتلقى لي مكالمة هاتفية، يخبَر فيها بأن شقيقه جو مات إثر نوبة قلبية. عند وصوله إلى المستشفى، يبدو مُتبلدًا وبعيدًا عن اللحظة والوضع برمته. يزور مسقط رأسه في مانشستر، المكان الذي غادره من قبل، ليبقى مع ابن أخيه باتريك، لكن رجوعه إلى مانشستر هذه المرة يمثل الرجوع من المنفى الاختياري الذي كتبه على نفسه. رغم سلوك لي المنغلق، ونظراته الهائمة التي تفشل دائمًا في التواصل مع مثيلاتها، وعدم استطاعته صياغة أحاديثه العادية بطريقة تناسب المواقف والسياقات المختلفة التي يجد نفسه فيها، فذكريات الماضي دائمًا ما تفضح طبيعته التي كانت على العكس ما سبق.

البعض لا يصل لمنطقة التقبُل أبدًا، يعيش بالصدمة وبذكرياته الأليمة لسنين. أردت صناعة فيلم عن هؤلاء الذين لا يستطيعون تقبل شيء ضخم ألمَّ بهم، كفقد شخص بموته

يمكن للمرء بناء عالمه الخاص داخل رأسه، وتكوين عالمه وحياته، الاحتفاظ بأشياء لنفسه وتفسير العالم وفق إحساسه وعقله، هكذا يرى المخرج الذي يتتبع هذا الإنسان في معاناته؛ لا يملي عليه كيف يتقبل الهزائم، لا يصنع التوتر الذي تتحدد بموجبه لحظات الخروج للأمان والإحساس بالطمأنينة، لا يقدم شخصيات قادرة على إدراك العالم بكل مأساويته كي تصل إلي نهاية تُرضي الحالمين منا أو حتى اليائسين، وإنما يُقدم التيه الذي لا يخرج منه البشر، عالم اليوم الصاخب المليء بالأحداث الهامة أحيانًا، والهامشية أحيانًا أُخرى، العالم الخاص الذي يعّذب الإنسان، والعام الذي تتحرك فيه الجماهير الغفيرة المضغوطة في حياتها اليومية. هذا الاضطراب يقتل الإنسان فى حياته العادية أكثر مما تفعل الحروب ويخلف الدمار. ما أثار اهتمام لونيرجان دائمًا في أفلامه القليلة هي العلاقات الإنسانية المضطربة، كما قال هو بنفسه للـ   «نيويوركر» الأمريكية: «البعض لا يصل لمنطقة التقبُل أبدًا، يعيش بالصدمة وبذكرياته الأليمة لسنين. لا أسعى في فيلمي لاجتذاب تعاطف الناس، لكني بالأحرى أردت صناعة فيلم عن هؤلاء الذين لا يستطيعون تقبل شيء ضخم ألمَّ بهم – كفقد شخص بموته. لماذا لا يوجد فيلم يُمثلهم؟ أردت صناعة فيلم عن شخص لم تستمر معه الحياة بأعجوبة كالآخرين».

أول أفلام لونيرجان الروائية الطويلة كان «يمكنك الاعتماد عليّ»  والذي عُرض 2000، ونال  ترشيحين لجوائز الأوسكار منها أحسن سيناريو، ويتناول قصة طفلين تيتّما بعد وفاة والديهما في حادث سيارة، وعلاقتهما ببعض بعد النضوج، والآثار النفسية التي لم تُغادر قط الأخ الأصغر. أما فيلمه الثاني فكان «مارجريت»، وأُنتج عام 2005 وتأخر عرضه حتى عام 2011 لأسباب إنتاجية، ويتتبع  الآثار التي عانت منها فتاة شابة من حادث حافلة بشع، كانت متواطئة بطريقة عبثية في وقوعه.

تعبّر سينما لونيرجان عن عجز الإنسان عن تجاوز الفقد خلال حياته واستحالة التخلّص منه، برميه خارج الذاكرة. الموت والفقد، كمحركين رئيسيين للأحداث، هما أهم ثيمات لونيرجان فى رؤيته السينمائية، فبهما تتحدد علاقات الشخصيات مع بعضها، وهما أيضًا ما يسحبانها من العالم.

يغرق لي في دوامة من الحزن، ويستخدم لونيرجان رؤيته السينمائية لالتقاط هذا الشعور؛ المدينة الساحلية التي غالبًا ما تبدو ملبدة بالغيوم، المرفأ الممتلئ بالقوارب الخالية، والطرق الطويلة المرصعة بالثلوج، والمحفوفة بسكون تام، سكون يشبه الصقيع الذي نقلته إلينا المشاهد البصرية الغنية للفيلم، مع استخدام ذكريات الماضي، والتي تُدمج في الفيلم بسلاسة ولكن دون سابق إنذار.

مدينة ملبدة بالغيوم ومرفأ ممتلئ بالقوارب الخالية

يضع لونيرجان، في مشهد طويل يقع في وسط الفيلم، ذروة الألم النفسي للماضي، من خلال مناقشة وصية الأب مع المحامي، وتنص على أن يكون لي هو الوصي الشرعي لابن أخيه باتريك. يرتبك لي الذي يرى أنه غير قادر على القيام بهذه المسؤولية، فليس من السهل التعامل مع مأساوية الفقد والعزلة التي تعيشها الشخصية. يستعيد لي في هذا المشهد فصلًا من ماضيه؛ فقدانه لأطفاله، ونستكشف المأساة التي عاشها قبل مغادرته لمدينته. يُمكن فهم عودته إلى مانشستر، باعتبارها العودة لعذاب الذكريات، لمأساة فقدانه أطفاله الثلاثة الصغار، كل هذا بالإضافة لموسيقى هاندل التي تبدو كأنها مرثية للذكرى.

يضع لونيرجان رؤيته الإنسانية في مشهد يجمع بين لي وراندي زوجته السابقة. يبدأ المشهد براندي عندما تراه في الشارع، فتطلب منه البقاء لتحدثه. تتخلص من صديقتها لتخبره أن قلبها انفطر لما حدث لهما، وتؤكد له أنها تعلم أن قلبه أيضًا انفطر، وألا شيء كبير لديها ليقال، وتسأله إذا كان يود أن يلتقي بها مرة أخرى لتناول الغداء. يسألها: «هل تعنين أنا وأنت؟»، ثم يتواصل الحديث بصعوبة بالغة من جانب راندي.

ليس بإمكان أحد نقل المشهد الحسي شديد الرهافة بين لي وراندي في سطور، لكن الحوار، بالإضافة لتصوير لوينرجان العادي للمشهد، بلا بهرجة أو عاطفية مبالغ فيها، يحملان كمًا من المشاعر بمقدوره لملمة الحياة الممزقة لهما. تبكي راندي قليلًا، وبعد ذلك كثيرًا، ولا تستطيع إخباره بما تريد لصعوبة اللحظة، والتي سبقها ماض من الذكريات. فقط تنجح في إخباره  بأنها لا تزال تحبه، ويتركها لي، منسحبًا غير قادر على المواصلة.

يقدم الفيلم لنا رؤية لانسحاب الإنسان من الحياة، والذي لا يأتي عبر الموت وحسب، وإنما مع كل نَفَس يلفظه لي. عدم تقبل ما وصلت إليه حياته هو العامل الرئيسي الذي أصبح عقيدة يتمسك بها في مأساته. يبتعد لونيرجان بالطبع عن المثالية، فلا يرمي رؤيته الإنسانية لشخصياته ليتلقاها المشاهد كرؤية مقدسة، كما لا يضع الطرق الممهدة بالإيمان لشخصياته، لتواصل هذه الحياة بعدها؛ راندي، التي استطاعت المضي قدمًا في حياتها رغم المعاناة، تزوجت وأنجبت طفلًا آخر، وهي بطبيعة الحال كانت القادرة علي بدء الحوار مع لي عندما رأته ماضيًا أمامها بالشارع، وهي القادرة أيضًا على البوح بوجعها والاشتباك مع الأقدار، بعكس لي، الذي يقف على النقيض منها؛ لم يستطع التخلص من المأساة ولا حتى مواصلة حواره معها، فيأخذ في التأتأة بكلمات لم يُكتب لها الخروج من فمه، ثم ينسحب من المواجهة. الانسحاب هو الموقف الراسخ دائمًا في حياة لي.

التأتأة بكلمات لا تخرج من الفم

كان أداء كايسي أفلك وميشيل ويليامز رائعًا. بطريقة ما مثّلت تعبيرات وجهيهما مرآة، عكست ذواتنا وحقيقة إخفاقنا الدائم في الهرب من أعباء الذاكرة المُثقلة بالمُعاناة. وأتاح لنا بالطبع السيناريو المُعد ببساطة، والذي بنى شخصياته وأحداثه بعيدًا عن المبالغة، رؤية قدر من سمات المجتمع المديني وتفاعلاته المعقدة وعلاقاته المتداخلة الصعبة، التي يربطها المخرج بمدينة مانشستر الأميركية، لتصبح المدينة أيضًا شخصية أساسية، تتعامل معها الشخصيات بريبة تارة، وبرهبة تارة أُخرى.

يبدو الحوار متناسقًا مع رؤية لونيرجان السينمائية. في لحظات محددة، وفي أحاديثها العادية، تقع الشخصيات في إساءات فهم. هذا التوتر يخلقه المخرج أحيانًا كثيرة، لأسباب تتعلق بظروف خاصة بالمحادثات العادية، مثل عدم استطاعة شخصية ما التواصل بطريقة مفهومة مع أخرى على الهاتف لسوء تغطية شبكات الإتصالات، أو لسوء التفاهم الناتج من طبيعة الشخصيات المعقدة التي ربما تعاني انفصالًا اجتماعيًا، نتيجة لأسباب نفسية انعزالية، أو حتى ربما لأمور طبيعية جدًا تقع في الحوارات العادية مثل المقاطعات التي تحدث عادة في الحوارات بين أكثر من شخصية، والتي تنتج  ضجيجًا خاليًا من أي معنى. قد يكون لخلفية لونيرجان المسرحية تأثير على كيفية دمج حوارات شخصياته، مثل عدم القدرة على إيصال المعنى واضحًا، بحيث تكون الحوارات التى يتضمنها مختزلة ولا تشكّل رؤية شاملة للحياة. ويبدو أن هناك رابطًا ما في كل أعماله، حيث نعرف دائمًا، وبشكل واضح، أوجه القصور في شخصياته، وآليات تعاملها مع الضغوط النفسية والتوترات العاطفية المفروضة عليها، ولكن مع كل هذه المعرفة، تنتهي القصة دون أي حل حقيقي. عدم وجود الدافع الحقيقي للمتابعة وعدم وجود شيء ما يشي بمستقبل يلوح بالأفق، كل هذا يتجلى في الحوارات.

طاقم العمل: لونيرجان وأفلك وهيدجس

أمضى أفلك ساعات مع لونيرجان في مناقشة شخصية لي تشاندلر، ليس فقط من خلال الحوار المكتوب، ولكن أيضًا من خلال الأفعال و اللغة الجسدية. لاحظ أفلك، لدى قراءته للنص المكتوب، أن لي كان ممسكًا بحقيبة أثناء ما كان يري احتراق منزله. وحكى عن هذا المشهد قائلًا في نفس التقرير بالـ«نيويوركر»: «كان هذا مشهدًا واحدًا من عدة مشاهد قليلة قرأتها، فكرت، ما الذي يجري هنا؟ فكرت، حسنًا، إذا كان لا بد له أن ينزعج، فيمكنني أن أؤدي الشعور بالضيق. ولكن لماذا يريد لي إمساك الحقيبة؟  ثم، عندما قمنا بأداء المشهد، حيث لي لا يصرخ، لا يُصاب بنوبة جنون إثر رؤيته لمنزله المحترق، وإنما فقط ينحني على نفسه إلى الأسفل، في تلك اللحظة شعرت بأن إمساك الحقيبة هو نوع من المواساة أو نوع من التشبث بشيء لا يزال موجودًا، وبهذه الطريقة أيقنت أن المشهد يجب أن يخرج هكذا».

ذهب الأب في رحلة صيده اليومية المُعتادة، ثم لم يعد، لا نداءات استغاثة ولا إشارات على الرادار، ولا أي شئ، اختفى إلى الأبد

ليس فقط أن لي لم يكن مجهزًا ليصبح الوصي الشرعي لباتريك، ولكنه ليس مستعدًا كذلك للعودة لمانشستر، موقع الحادث، مكان ذكراه الأليمة، وحيث لا تزال تعيش راندي طليقته. ومع عدم وجود خيارات حقيقية أخرى أمامه،  يقرر مغادرة مانشستر، ونقل كل الشؤون القانونية لباتريك إلى صديقه جورج، الذي سيتبناه مع زوجته.

في مشهد قرب نهاية الفيلم، يخبر لي باتريك بنيَّته، فيسأله هذا بدوره: «لماذا لا تبقى هنا؟» يكرر لي: «لا أستطيع التغلب على هذا، لا أستطيع التغلب على هذا». يواجه لي الصدمة، التي لا تقتله، كما لا تجعله يتجاوزها، وبدلًا من ذلك، تتركه مشلولًا. وهو، واعيًا بهذا المصير، لا يتقبل أي شيء ولا يرفض أي شيء. انسحاب لي من الحياة، هو أحد الانسحابات الإنسانية الكبرى، يُشبه انسحاب جريجور سمسا وجوزيف كيه، البطلين الكافكاويين، لا يعبر عن روح ماتت بقدر ما يُعبر عن روح انسحبت من واقع ترفضه.

في نهاية الفيلم، يقوم لي بعمله المعتاد؛ إصلاح بعض المواسير عند أحد المستأجرين. يحكي له المستأجر عن اختفاء أبيه في عام 1959، حيث ذهب الأب في رحلة صيده اليومية المُعتادة، ثم لم يعد، لا نداءات استغاثة ولا إشارات على الرادار، ولا أي شئ، اختفى إلى الأبد.

اعلان
 
 
حازم يحيى