Define your generation here. Generation What
المجلس اﻷعلى للمدفوعات: خطوة «واحدة» للأمام
 
 

أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي، يوم الإثنين الماضي، القرار الجمهوري رقم 89 لسنة 2017، بإنشاء المجلس القومي للمدفوعات؛ بهدف خفض استخدام أوراق النقد خارج القطاع المصرفي، ودعم وتحفيز استخدام الوسائل والقنوات اﻹلكترونية في الدفع بديلًا عنه، ودمج أكبر عدد من المواطنين في النظام المصرفي، وضم القطاع غير الرسمي إلى القطاع الرسمي، وتخفيض تكلفة انتقال اﻷموال، وزيادة المتحصلات الضريبية، طبقًا لما جاء في القرار، الذي جاء تنفيذًا لقرارات أصدرها المجلس اﻷعلى للاستثمار في اجتماعه اﻷول، برئاسة السيسي، في نوفمبر الماضي.

وبرغم الهدف الطموح وراء إنشاء المجلس، الذي يوجب قرار إصداره جميع الوزارات والمصالح واﻷشخاص الاعتبارية بالالتزام بقراراته، إلا أن صعوبات كبيرة تواجه هذا التحول إلى عالم أقل استخدامًا ﻷوراق النقد وأكثر اعتمادًا على الجهاز المصرفي.

يُنشأ المجلس الجديد برئاسة رئيس الجمهورية، وعضوية رئيس الوزراء، ومحافظ البنك المركزي، ووزراء: الدفاع والإنتاج الحربي، والتخطيط والإصلاح الإداري، والداخلية، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والعدل، والمالية، ورؤساء: جهاز المخابرات العامة، وهيئة الرقابة اﻹدارية، والهيئة العامة للرقابة المالية، ونائب محافظ البنك المركزي المختص بنظم الدفع، ووكيل المحافظ أو وكيل المحافظ المساعد للبنك المركزي المختص بنظم الدفع، ورئيس مجلس إدارة أحد البنوك، ومستشار قانوني، ومقرر للأعمال يحدده المجلس دون أن يكون له صوت معدود.

أحد أهم أسباب التوجه الجديد هو محاولة دمج الاقتصاد غير الرسمي أو الموازي في الاقتصاد الرسمي، ويُقصد باﻷول كل النشاطات الاقتصادية التي تتم بعيدًا عن مظلة الحكومة الاقتصادية. وبحسب دراسة عن الاقتصاد الموازى أعدها اتحاد الصناعات ونُشرت نتائجها منذ أيام، يمثل الاقتصاد غير الرسمي 40% من حجم الاقتصاد المصري ككل، لتبلغ قيمته 2.2 تريليون جنيه، وهو «ما تسبب في ضياع 330 مليار جنيه قيمة الضرائب المهدرة على خزينة الدولة».

يتفق رامي عرابي، الاقتصادي بشركة «فاروس القابضة»، مع نتائج الدراسة، ويقول إن نسبة الاقتصاد غير الرسمي الكبيرة تعني أن هذا الحجم من اﻷعمال يعتمد على مرافق الدولة، لكنها بدورها لا تعرف شيئًا عنه، ولا يدخل ضمن الحسابات الرسمية لحجم النشاط الاقتصادي في مصر.

ويضيف عرابي أن أحد طرق التعامل مع هذه اﻷزمة هو تشجيع الاعتماد على النظام المصرفي بديلًا عن اﻷوراق النقدية، موضحًا: «التعامل باﻷوراق النقدية يحتمل الكثير من أوجه الفساد، لكن إتمام المعاملات المالية عبر البنوك سيدفع النشاط الاقتصادي غير الرسمي إلى الاندماج في الاقتصاد الرسمي».

 العائق اﻷكبر: الفساد

من جهته، يرى هاني توفيق، الرئيس السابق للجمعيتين المصرية والعربية للاستثمار المباشر، أن العائق اﻷكبر أمام التوجه الجديد هو نفسه العائق أمام أي محاولة للإصلاح في مصر: الفساد المؤسسي والراسخ. ويعتبر أن تغليظ العقوبات على التهرب الضريبي وعدم الانضباط والالتزام باللوائح والقوانين، أحد أهم الخطوات المطلوبة بالتوازي مع التوجه الحكومي الجديد في تقنين التعاملات النقدية والتوسع في الاعتماد على النظام المصرفي.

بالنسبة لتوفيق فإن التوجه نحو الاعتماد على النظام المصرفي ضروري لمواجهة الفساد. ويضرب مثلًا بما يحدث في الدول المتقدمة في التعامل مع النقد. «في أمريكا مثلًا، لا يمكنني إيداع عشرة آلاف دولار في بنك دون سؤالي عن مصدر هذه اﻷموال»، يقول توفيق، معتبرًا أن هذا الانضباط يتسبب في ضبط عمليات الفساد، ويضيف: «لو طُبق هذا في مصر، سيصبح صعبًا أن يتلقى أحد المواطنين رشوة بمبلغ كبير ﻷنه لن يتمكن من إيداعها في البنك دون سؤاله عن مصدرها، ولن يتمكن من استخدامها في صورة نقد إذا كانت العمليات المالية اﻷساسية تتم عبر البنوك».

وبحسب النشرة اﻹحصائية الشهرية الصادرة عن البنك المركزي المصري في ديسمبر الماضي، بلغ حجم النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي في أكتوبر الماضي أكثر من 373 مليار جنيه، مقابل حوالي 240 مليار جنيه ودائع جارية في الشهر ذاته.

أزمة ثقة في البنوك

يضيف عرابي أن تشجيع الاعتماد على النظام المصرفي يساهم في زيادة موارده بما يسمح بالتوسع في عمليات الاستثمار. لكن تبقى ثقة المصريين في استخدام البنوك، التي يرى عرابي أنها ما زالت ضعيفة، إحدى عقبات التوسع في الاعتماد على النظام المصرفي بديلًا عن النقد.

طبقًا لتقديرات أعلن عنها محمد الإتربي، عضو مجلس إدارة «اتحاد بنوك مصر» ورئيس مجلس إدارة بنك مصر، خلال مؤتمر اتحاد المصارف العربية في سبتمبر 2015، لا يتجاوز عدد المصريين المتعاملين مع البنوك المحلية نسبة 10%.

بدوره، يشير عرابي إلى بعض الجهود التي تبذلها الحكومة لدفع المواطنين إلى التعامل داخل النظام المصرفي، أهمها تفعيل صرف مرتبات موظفي الدولة عبر البنوك بديلًا عن النقد المباشر.

كانت وزارة المالية حددت يوم 14 أبريل المقبل كآخر موعد لصرف مرتبات موظفي الحكومة نقدًا، على أن يتم صرف المرتبات اعتبارًا من يوم 15 أبريل 2017 بكروت الـ ATM، والتوقف عن صرف أي مستحقات للعاملين خارج منظومة الدفع والتحصيل اﻹلكتروني، حسبما نشرت جريدة المساء.

وعلى الرغم من استحسان الخطوة، إلا أن عقبات أخرى ما زالت تواجه هذا التحول. يقول عرابي إن قطاعًا مهمًا من العاملين في الاقتصاد الرسمي لا يتوجه إلى تقنين أعماله بشكل رسمي، ليس هربًا من دفع اﻷموال والضرائب ولكن بسبب صعوبات عمليات التقنين نفسها. «على سبيل المثال، المقاهي والكافيهات تعمل بعيدًا عن الدائرة الاقتصادية الرسمية، وتدفع أموالًا كثيرة في شكل رشاوى كي تتمكن من الاستمرار في العمل بهذا الشكل»، يقول عرابي مضيفًا أن «أصحاب هذه اﻷعمال لديهم استعداد لدفع هذه اﻷموال بشكل رسمي لكن تعقيد إجراءات تقنين اﻷعمال والحصول على هذه التراخيص تدفعهم للبقاء في العمل بشكل غير رسمي».

ويرى عرابي أن تشجيع المواطنين على الاعتماد على النظام المصرفي لا بد أن يواكبه تسهيل إجراءات دخول النشاطات الاقتصادية غير الرسمية إلى الاقتصاد الرسمي.

من جانبه، اعتبر المركز المصري للدراسات الاقتصادية قرار إنشاء المجلس اﻷعلى للمدفوعات «بمثابة قفزة كبيرة لتفعيل استراتيجية واضحة المعالم لضم الاقتصاد غير الرسمي والحد من تداول السيولة المرتفع خارج الجهاز المصرفي»، وذلك في بيان نشره تعليقًا على القرار.

وأضاف البيان أن تفعيل هذه المنظومة يتطلب اتخاذ خطوات أخرى؛ كإصدار وزارة المالية قرار بعدم الاعتراف بأي معاملات نقدية تقوم بها مصلحة الضرائب إلا إذا تمت عبر الجهاز المصرفي، ومنع تقاضي أي جهة حكومية لمستحقات أو رسوم تفوق قيمتها 1000 جنيه إلا من خلال حساباتها البنكية، وتقديم حوافز للمواطنين والتجار على حد سواء ﻹتمام التعاملات المالية من خلال البطاقات اﻹلكترونية، والتوسع في إنشاء فروع للبنوك في المحافظات والمناطق النائية.

حلول قد تسبب صدمات

وكأحد الحلول الممكنة للمساهمة في دفع التوجه الجديد، يقترح توفيق «تغيير شكل العملة». وهي الخطوة التي يرى أنها ستدفع المواطن للتخلي عن أمواله الموجودة خارج النظام المصرفي، والتوجه بها للبنوك لاستبدالها، مضطرًا ﻹثبات مصدرها ودفع ضرائبها. ويضيف: «هذا هو ما جرى في الهند؛ توافقوا على خصم قيمة 15% كضريبة على اﻷموال مجهولة المصدر مع السماح ﻷصحابها بإيداعها، واستمرار مراقبة هؤلاء اﻷشخاص بعدها لمعرفة طبيعة نشاطاتهم».

من جانبه، يبدي عرابي اعتراضه على حلول كهذه؛ موضحًا أن الخطوة الهندية أثرت بالسلب على معدل نمو الاقتصاد هناك. وأنها قد تتسبب في صدمة كبيرة للاقتصاد المصري.

ورغم اتفاقه مع عرابي على أن تغيير شكل العملة قد ينجم عنه مشاكل كبيرة، إلا أن توفيق يستدرك قائلًا إن هذا لا يعني دراسة هذا الحل للوصول إلى صيغة أكثر دقة لتنفيذها.

اعلان
 
 
محمد حمامة