Define your generation here. Generation What

همسات العرب في الظلام لترامب ونتنياهو

في التحقيقات الجنائية يفسّر الشك لمصلحة المتهم، أما في التحليلات السياسية فالشك يُفسَر لمصلحة الأقوى، أو أن هذا ما ينبغي أن يكون.

لذلك فإن صمت جميع العواصم العربية على النتائج المعلنة لمحادثات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في واشنطن مؤخرًا، لابد أن يفسّر بأن هذه العواصم تعلم وتوافق، وأن ما لم يُعلن بعد أهم وأخطر.

لا أتحدث عن تصريح الوزير الإسرائيلي «الدرزى» أيوب قرا، بأن مشروع إقامة دولة فلسطينية بديلة في سيناء كان قيد البحث بين ترامب ونتنياهو، ثم عودة قرا بعد يومين للقول إن تصريحه كان غير دقيق، عقب تغريدة لنتنياهو نفسه تنفي تباحثه مع ترامب حول هذا المشروع، لأن مثل هذا المشروع والجدل حوله يخصان القاهرة وحدها، دون بقية العواصم العربية، ولنا على أية حال عودة للحديث عنه. ولكني أتحدث الآن عما أعلن، ولم ينفه أحد من الإسرائيليين أو الأمريكيين، ولم يعقب عليه أحد من العرب المعنيين.

لقد اتفق الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي، على إسقاط مبدأ «حل الدولتين» للمشكلة الفلسطينية، وعلى أن حل هذه المشكلة سيأتي في إطار صفقة إقليمية، وأن أحد جوانب هذه الصفقة هو بناء تحالف تُشارك فيه إسرائيل لمواجهة الخطر الإيراني، وقد أعلن الرجلان ذلك في مؤتمرهما الصحفي في البيت الأبيض، وأضاف نتنياهو من جانبه أنه يشعر لأول مرة في حياته أن العرب لم يعودوا يعتبرون إسرائيل عدوًا.

بعد 24 ساعة زاد رئيس وزراء إسرائيل الأمر وضوحًا في حديث لمحطة فوكس نيوز التليفزيونية الأمريكية، فقال إنه يتحدث الآن، كما تحدث من قبل مع الرئيس ترامب حول الخطر الإيراني، وسبل مواجهته بالنيابة عن الدول العربية، لأن هذه الدول اعتادت «الهمس في الظلام»، واختص بهذه الملاحظة دولتين، هما المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، دون استثناء الدول العربية الأخرى التي لم يحددها بالاسم. ثم أضاف أن هذه الدول العربية تشارك إسرائيل الرأي القائل بأن الخطر الذي يواجه الجميع هو الإسلام الراديكالي، وأن هذا الإسلام الراديكالي له مصدران، الأول إيران الشيعية، والثاني داعش السنية، ومن قبلهما القاعدة، ولا يرى العرب في منطقتهم -والكلام لنتنياهو حرفيًا- دولة قوية وقادرة على مساعدتهم ومصممة على مواجهة هذا الخطر سوى إسرائيل. لذلك أيضًا ستسعى إسرائيل والولايات المتحدة، للبحث عن السلام مع الفلسطينيين في هذا السياق الإقليمي الجديد.

هناك من يفسرون الصمت العربي المطبق بأن كل ما قاله ترامب ونتنياهو لم يكن مفاجئًا، لأن الأقوال والشواهد «المبشرة» به تواترت طوال العام الماضي في إسرائيل، وعدد كبير من العواصم العربية، وربما من قبل ذلك، وتحديدًا منذ آخر حرب إسرائيلية كبيرة على قطاع غزة. لكن هذا التفسير للصمت العربي غير كاف، لسبب بسيط هو أن التكهنات والأحاديث المرسلة، تحولت الآن إلى خطة عمل اتُفق عليها على أعلى مستوى رسمي بين واشنطن وتل أبيب، ويوشك الطرفان على المباشرة في التنفيذ، الذي يبدو أنه ينتظر القمة المصرية الأمريكية الوشيكة، والتي قد تعقبها قمة أمريكية سعودية.

يدعونا هذا الصمت للقلق من ناحيتين، الأولى هي التغييب المتعمد للرأي العام في الدول العربية عن هذه التفاهمات (مؤقتًا لا نقول «الترتيبات»)، والثانية هي أن ما سيقدَّم للعرب وما سيؤخَذ منهم في هذه الصفقة، لن يكون متوازنًا، فهذه هي طبيعة المساومات بين الأقوى والأضعف، ويأتي تغييب الرأي العام (تفضيلًا للهمس في الظلام) ليخصم من الرصيد المحدود المتاح للشريك العربي في الصفقة المخطط لها.

بشيء من التفصيل لهذه النقطة نتساءل: ما الذي ستقدمه إسرائيل في هذا التحالف ضد إيران؟

بداية، يجب الاعتراف بالحق المشروع للسعودية والإمارات وسائر دول الخليج في القلق من عدوانية السياسة الإيرانية، وتدخلها في الشؤون الداخلية لأغلب هذه الدول، ومن مساندتها لنزعات التمرد والعنف والانفصال لدى بعض الشيعة فيها، فما الذي ستقدمه إسرائيل لدول الخليج لمواجهة كل ذلك؟

إنها بالقطع لن ترسل قوات برية أو جوية، لأن عقيدة إسرائيل هي أن جنودها لا يقاتلون ولا يقتلون إلا من أجلها، ولأن الحكومات العربية لا تستطيع مواجهة شعوبها باستقدام قوات إسرائيلية ظاهرة إلى أراضيها، ومن ثم فكل ما ستقدمه إسرائيل هو معلومات استخبارية، ونصائح استراتيجية، ومعونات تكنولوجية، بالإضافة لتسهيل التفاهمات السياسية والاستراتيجية بين العواصم العربية والولايات المتحدة الأمريكية.

وماذا ستطلب إسرائيل أو تأخذ في المقابل؟

المعلن حتى الآن هو التطبيع الكامل العلني مع الدول العربية الخليجية، وقبول الصيغة الإسرائيلية الأمريكية لحل المشكلة الفلسطينية في إطار إقليمي!

أما غير المعلن كجزء من الصفقة، وإن كان معلنًا كاستراتيجية طويلة المدى في كثير من مراكز البحث الاستراتيجية في إسرائيل والولايات المتحدة، هو أن يقود التطبيع مع دول الخليج ثم العراق وسوريا بعد التسوية، إلى فتح جميع هذه الأسواق أمام الصادرات الإسرائيلية، بحيث تتحول إسرائيل إلى العملاق الاقتصادي الإقليمي، وفقًا لرؤية شمعون بيريس في الجمع بين التكنولوجيا والإدارة الإسرائيلية «المتقدمتين» وبين رؤوس الأموال الخليجية، وبين الأيدي العاملة في بقية الدول العربية.

وبالطبع سيكون العملاق الاقتصادي، الذي هو عملاق عسكري أصلًا، عملاقًا سياسيًا وسط أقزام.

قبل أن ننتقل إلى البدائل المقترحة لحل المشكلة الفلسطينية في إطار إقليمي، كما يريد نتنياهو وترامب، يلح علينا السؤال التالي: هل فات الوقت على إمكانية البحث عن حل إقليمي لا تهيمن عليه إسرائيل، ليس للمشكلة الفلسطينية فحسب، ولكن أيضًا للصراع العربي الإيراني، وفي قلبه الصراع السني الشيعي؟

مثل هذا الحل الذي نتساءل عنه يتطلب مبادرة شاملة تقودها مصر والسعودية وتركيا، كما يتطلب إدراكًا إيرانيًا للمخاطر الجسيمة المترتبة على تهديداتها المستمرة لوحدة وسيادة اليمن والدول العربية الخليجية، فضلًا عن العراق وسوريا ولبنان، وهي مخاطر لا تتمثل فقط في دفع الخليجيين نحو إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني، وتسليمها زمام القيادة الإقليمية، ولكنها تشمل أيضًا تهديدات جدية وجذرية لإيران نفسها، عندما تتعاون جميع الدول السنية في المنطقة ضدها تحت القيادة الأمريكية الإسرائيلية، خاصة إذا كان الرئيس الأمريكي هو دونالد ترامب الذي جعل المواجهة الساخنة ضد إيران أحد أركان حملته الانتخابية، وجزءًا رئيسيًا من سياسته الخارجية بعد دخوله إلى البيت الأبيض.

هذا الخطر المحدق بإيران، والتغيير المنتظر في قيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية (بعد وفاة المرشد الحالي المسن للجمهورية) قد يتيحان فرصة لنجاح المبادرة المصرية السعودية التركية المقترحة، للتوصل لاتفاق شامل مع طهران للأمن الجماعي في الخليج والجزيرة العربية و كذلك في المشرق العربي، لكن إمكانية تضامن مصر والسعودية وتركيا في تقديم مبادرة كهذه، تعترضها الخلافات المتفجرة بين القاهرة وأنقرة منذ سقوط حكم جماعة الإخوان المسلمين لمصر، وهنا تقع مسؤولية خاصة على السعودية للوساطة بين الطرفين، فهل هذا ممكن؟

لا بد أن نقر ونعترف أن الأجيال الشابة من القيادات الخليجية تفضل المسار الأمريكي الإسرائيلي، ولا بد أن نعترف أيضًا أن متاعب تركيا مع الأكراد، وانشغالها بالأزمة السورية، وحاجتها للتفاهم مع روسيا التي تحاصرها شمالًا بحكم الجغرافيا، وجنوبًا بحكم وجودها المسلح في سوريا، كل هذا يجعلها أقل لياقة من ذي قبل للانخراط في قيادة جهد إقليمي يستبعد الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية على المنطقة، ولابد ثالثًا من الاعتراف بأن متاعب مصر الاقتصادية، وكذلك متاعبها في الحرب ضد الإرهاب، وفي الصراع الداخلي ضد جماعة الإخوان المسلمين، «المتحالفين» مع تركيا، تجعلها هي الأخرى أقل لياقة من ذي قبل.

لهذا السبب ربما يكون البديل الأكثر واقعية الآن هو عدم التسرع في الانخراط في الخطط الأمريكية الإسرائيلية التي اتفق عليها كل من ترامب ونتنياهو، وإبقاء كل الخيارات مفتوحة في الوقت الراهن، انتظارًا لبلورة بديل إقليمي آخر، أو سعيًا لتحسين الشروط المعروضة على العرب في الصفقة المقترحة من واشنطن وتل أبيب.

و نعود إلى ما يُسمى بـ «مشروع الدولة الفلسطينية البديلة في سيناء»، الذي قال وزير إسرائيلي إنه كان على مائدة البحث في القمة الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة، قبل أن يتراجع خطوة واحدة ليقول إن تصريحه افتقر إلى الدقة.

هنا لدينا عدة ملاحظات:

أولًا: المشروع ذاته ليس جديدًا، وسبق طرحه في عدة مناسبات بحثية ودبلوماسية رسمية، إذ اقترحه الرئيس الأمريكي الأسبق بوش الابن على الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، واقترحه على مبارك كذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي نفسه، وفي المرتين رفضت مصر، وهذا معروف للكافة.

ثانيًا: إن نفي طرح الموضوع للبحث بين نتنياهو و ترامب، جاء في صيغة تغريدات وتدوينات إلكترونية، ولم يأت في صيغة بيانات رسمية.

ثالثًا: النفي جاء من مصادر إسرائيلية فقط، ولم تشارك فيه المصادر الأمريكية.

رابعًا: إن الرد المصري جاء أيضًا من مصدر ثانوي، هو المتحدث باسم وزارة الخارجية في مداخلة تليفزيونية، وصيغ في عموميات تحيل إلى مواقف سابقة، حين تحدث عن أن مصر طالما أيدت حل الدولتين في أرض فلسطين التاريخية. ولا يعني هذا بالضرورة أن القاهرة تقبل مشروع تبادل الأراضي مع إسرائيل لإقامة دولة فلسطينية بديلة في سيناء، كما يقضي المشروع الأصلي، ولكنه ربما يعني انتظار الاطلاع على مزيد من المعلومات.

خامسًا: من يعرف القليل عن أساليب الدعاية الإسرائيلية، أو ما يسمى بـ «الحرب النفسية»، يدرك أن إطلاق بالونات اختبار يكون مقصودًا لإثارة الجدل حول محظور بعينه، لكي يتحول ما كان محظورًا الحديث عنه مع استمرار الجدل إلى شيء مألوف، ثم مقبول في نهاية المطاف.

سادسًا: إن حديث ترامب ونتنياهو عن صفقة إقليمية، واتفاقهما علنًا على إسقاط حل الدولتين يفتح الطريق لكل الاحتمالات.

سابعًا: إن سابقة الرفض الشعبي للتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية الشقيقة، هو أقوى سلاح في يد المفاوض المصري في مواجهة أية مطالب أمريكية أو إسرائيلية أو فلسطينية في سيناء.

ثامنًا وأخيرًا: المؤكد أن لدى ترامب تصورًا مسبقًا واضح المعالم لما يسميه بـ «الحل الإقليمي»، لأنه كان قد تحدث عنه عدة مرات في أثناء الحملة الانتخابية، وأن هذا التصور معلومٌ لدى الدول العربية، ومنها مصر، وكما نتذكر فقد بررت مصر سحبها لمشروع إدانة الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية في اللحظة الأخيرة في شهر ديسمبر الماضي من أمام مجلس الأمن، بأنها تريد إعطاء الرئيس الأمريكي الجديد فرصة السعي لحل المشكلة الفلسطينية دون قيود مسبقة!

فهل ترددت هنا أيضًا همسات في الظلام؟

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد