Define your generation here. Generation What
مخاوف توطين الفلسطينيين في سيناء تذهب بـ«الشراكة الأوروبية» للقضاء
 
 

فاجأ  أيوب قرّا، الوزير بالحكومة الإسرائيلية، الجميع يوم الأربعاء الماضي بتغريدة على موقع التواصل الاجتماعي تويتر حول تبني الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو «خطة الرئيس المصري السيسي بإقامة دولة فلسطينية في غزة وسيناء بدلًا من الضفة الغربية». وفي اليوم التالي تعززت المخاوف، بعد تصريحات ترامب في مؤتمر صحفي مع  نتنياهو، التي قال فيها إنه ستكون هناك عملية سلام كبيرة تضمن قطعة أكبر من الأرض، وتتضمن إشراك حلفاء عرب فيها.

على هذه الخلفية، أقام خالد علي، المحامي، دعوى قضائية للمطالبة بإعادة النظر في المادة 69 من اتفاقية «الشراكة الأوروبية» لوقف ما وصفه بـ«تنفيذ مخططات إعادة توطين الفلسطينيين بأراضي شبه جزيرة سيناء»، وفقًا لبيان صادر عن علي.

كانت مصر قد وقعت الاتفاق الأوروبي المتوسطي لتأسيس شراكة بين مصر من جانب والجماعات الأوروبية ودولها الأعضاء من جانب آخر في 25 يونيو 2001. ونُشر قرار رئاسي بالاتفاقية في الجريدة الرسمية مرتين: الأولى سنة 2002 وحمل القرار الرقم 335، والثانية في 2004 وحمل القرار الرقم 11.

ووردت المادة 69، موضوع الطعن، في الفصل الخاص بـ«التعاون حول منع الهجرة غير المشروعة والسيطرة عليها والمسائل القنصلية الأخرى». وتنص المادة على: «بعد دخول الاتفاق حيز النفاذ، يتفاوض الأطراف، بناء على طلب أي منهم، لإبرام اتفاقات ثنائية فيما بينهم، تنظم الالتزامات المحددة لإعادة توطين مواطنيهم. وتشمل هذه الاتفاقات أيضًا، إذا ما اعتبر أي من الأطراف ذلك ضروريًا، ترتيبات لإعادة توطين مواطني دول ثالثة. وتضع هذه الاتفاقات تفاصيل فئات الأشخاص الذين تشملهم، وكذلك أشكال إعادة توطينهم. ويتم توفير مساعدات مالية وفنية كافية لمصر لتنفيذ هذه الاتفاقات».

وطالب علي في صحيفة الدعوى بإلزام الدولة بإصدار قرار بحظر توطين مواطني أي جنسية أخرى غير الجنسية المصرية بأراضي شبه جزيرة سيناء، لمخالفة هذا التوطين دستور 2014، بحسب الدعوى. كما طالب الدولة باتخاذ الإجراءات القانونية والدستورية اللازمة لمراجعة وتعديل المادة 69 من اتفاقية الشراكة الأوروبية.

لماذا أُقيمت الدعوى؟

كتب علي على حسابه بموقع فيسبوك أنه «يبدو أن كافة الخيوط التي تتشابك يومًا بعد يوم تجبرنا جميعًا على التحوط، والتعامل بجدية مع كل ما يتعلق بمقترحات حل الصراع العربي الإسرائيلي التي تطرح في الآونة الأخيرة»، مشيرًا إلى تغريدة الوزير الإسرائيلي وتصريحات الرئيس الأمريكي.  

ورغم أن كلا الجانبين المصري والإسرائيلي نفيا لاحقًا وجود اقتراح مصري بإعادة توطين الفلسطينيين في سيناء إلا أن تغريدة قرّا وتصريحات ترامب أثارت المخاوف. وأشارت صحيفة الدعوى إلى عدد من المرات التي طُرح فيها نفس المقترح.

وصرّح علي لـ«مدى مصر» أن «المادة 69 غامضة جدًا، حتى وإن كانت متواجدة داخل هذا الباب الخاص بالتعاون حول منع الهجرة غير المشروعة والسيطرة عليها، فهي تظل عامة ومجهّلة بشكل يثير القلق من استخدامها ضمن محاولات توطين الفلسطينيين في سيناء».

وأضاف: «نحن نستند إلى حكم محكمة القضاء الإداري الصادر سنة 2013 بإحالة هذه المادة للمحكمة الدستورية العليا للنظر في مدى دستوريتها».

وكانت دعوى قضائية سابقة أمام القضاء الإداري قد طلبت مراجعة المادة نفسها وتعديلها، استنادًا إلى نص المادة المنشور في الجريدة الرسمية سنة 2002. وقررت المحكمة في 28 مايو 2013 بإحالة المادة إلى المحكمة الدستورية العليا للنظر في مدى دستوريتها. ويحاول علي في دعواه أن يعيد طرح الأمر مرة أخرى استنادًا إلى أن المادة 69 المنشورة ضمن قرار آخر في الجريدة الرسمية سنة 2004، لم يشمله الطعن الأول.

يتابع علي: «القضاء الإداري تعامل مع هذه المادة بجدية واستشعر خطورتها. وكل ما نطلبه هو أن تُلزِم المحكمة الدولة بإعادة النظر في هذه المادة وجعل نصها أكثر وضوحًا وتحديدًا، مما يمنع استخدامها في غير حالات مواجهة الهجرة غير الشرعية».

وكان علي قد نشر اليوم، الأحد، على صفحته بموقع فيسبوك فقرة من قرار محكمة القضاء الإداري، الصادر سنة 2012، بإحالة المادة 69 إلى «الدستورية العليا». وجاء في هذه الفقرة أن «المادة غير دستورية وتتعارض مع مبدأ استقلال الدولة وسيادة شعبها على أراضيه»، وأن مفهوم «إعادة التوطين» يحتاج إلى شرح.

وأضافت المحكمة، وفقًا لعلي، أن مفهوم إعادة التوطين قد تنصرف دلالته إلى «الأعمال التي قامت بها الدول الاستعمارية لتغيير التركيبة السكانية لأوطان ودوّل معينة إما بهدف إحلال سكان جدد محل سكان إقليم أو دولة كما حدث فى فلسطين، أو بهدف السيطرة على الحكم كما حدث فى جنوب أفريقيا، أو لضم إقليم إلى دولة الاحتلال كما حدث فى الجزائر قبل استقلالها».

من هو الوزير الإسرائيلي أيوب قرّا؟

لقرّا، الذي كان يشغل منصب وزير التعاون الإقليمي بالحكومة الإسرائيلية عن حزب الليكود حتى الشهر الماضي، تاريخ من المواقف المحرجة والتصريحات غير التقليدية المثيرة للجدل، لم يبدأ مع تغريدته الخاصة بتوطين الفلسطينيين في سيناء. فقد اضطرّت الخارجية الإسرائيلية، في أكتوبر من العام الماضي، إلى الاعتذار رسميًا للحكومة الإيطالية بسبب تصريحات قرّا التي قال فيها إن الزلزال الذي أصاب وسط إيطاليا سببه قرار اليونسكو بإنكار أي صفة يهودية لـ«جبل الهيكل» بالقدس. وسبق تصريح قرّا زيارة الرئيس الإيطالي لإسرائيل، مما دفع وزارة الخارجية للاعتذار إنقاذًا للزيارة.

وفي شهر نوفمبر الماضي، أفشى قرّا على حسابه بموقع فيسبوك معلومات تخص شأنًا عسكريًا صدر بشأنه قرارًا بحظر النشر، قبل أن يقوم بحذف ما كتبه سريعًا. كما ادعى عقب انتخاب ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية أنه قام بلقائه في واشنطن وليس فقط بنيامين نتنياهو، وأرفق ذلك بصورة لنفسه في مبنى الكابيتول.

ووصف الكاتب الإسرائيلي شلومو إلدر، في مقال بموقع المونيتور، الوزير بأنه يبحث دائمًا عن لفت أنظار الإعلام، مضيفًا أن الحقيبة الوزارية التي كان يتولاها حتى الشهر الماضي بلا فائدة فعلية في الوقت الراهن. فقد تأسست الوزارة سنة 1999 أثناء حكومة شيمون بيريز، وكانت تهدف إلى تعزيز التعاون مع السلطة الفلسطينية والدول المجاورة لإسرائيل. وأضاف إلدر أنه مع الأوضاع السياسية خلال السنوات الماضية كادت الحكومة أن تلغي الوزارة توفيرًا لميزانيتها.

هل تمثّل «إعادة التوطين» بابًا خلفيًا إلى سيناء؟

يقول السفير المتقاعد حسين هريدي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إن «الأطماع الإسرائيلية في سيناء معروفة ولم تتغير منذ عقود».

ويصف ما جاء في المؤتمر الصحفي بين ترامب ونتنياهو بأنه «بالونة اختبار لقياس ردود الأفعال»، إلا أنه يؤكد أن المادة 69 لا علاقة لها بالفلسطينيين، ولا يمكن استخدامها لإعادة توطينهم في سيناء.

يقول هريدي: «هذا البند قد أثير أثناء مباحثاتنا مع الاتحاد الأوروبي، وهو متعلق بالأساس بالقواعد المنظمة للتعامل مع المهاجرين غير الشرعيين، وذلك في حالة مرورهم من مصر في طريقهم لدول الاتحاد الأوروبي».

ويضيف: «يمكنك أن تجد نفس المضمون، ولكن بصياغات مختلفة في كافة الاتفاقيات بين الاتحاد الأوروبي ودول شمال أفريقيا مثل تونس وليبيا والجزائر والمغرب، خاصة أن عددًا كبيرًا من مواطني هذه الدول متواجد في أوروبا، وكذلك تمثّل دول جنوب البحر المتوسط نقطة عبور المهاجرين إلى جنوب أوروبا».

يشرح أحمد رفعت، أستاذ القانون الدولي بجامعة بني سويف، مفهوم «إعادة التوطين» الوارد في الاتفاقية أنه المقصود به إعادة المهاجرين غير الشرعيين إلى بلادهم. فيقول إن المقصود هنا أنه في حالة سفر مواطنين مصريين إلى أوروبا بشكل غير شرعي، فإنه، وفقًا للفقرة الثانية من المادة 68 من الاتفاقية، تلتزم مصر بإعادة توطينهم، بمعنى قبول عودتهم لمصر مرة أخرى.

وتضم الاتفاقية بنودًا لإعطاء أولوية المشروعات وبرامج التعاون التي «تخفف ضغوط الهجرة، خاصة بتحسين ظروف المعيشة، وخلق الوظائف، وأنشطة توليد الدخل، وتنمية التدريب في المناطق التي يفد منها المهاجرون»، كما جاء بالاتفاقية.  

يتابع رفعت أن اتفاقيات إعادة التوطين دائمًا ما تضم بنودًا لتوفير برامج مشتركة للتدريب وخلق فرص العمل اللازمة لاستيعاب المهاجرين غير الشرعيين في أوطانهم بعد إعادتهم لها.

ويضيف أن الاتفاقية بوضعها الحالي، فيما عدا المادة 69، معنية بشكل أساسي بمواطني مصر ودول الاتحاد والجماعات الأوروبية، وتحديد كيفية التعامل مع المهاجرين غير الشرعيين من البلدين.

أما بخصوص المادة 69، فيشرح رفعت الغرض منها بأنها «تتيح لطرفي اتفاقية الشراكة الأوروبية أن يتفقا على توطين مواطنين دولة ثالثة في أراضيهم (مصر أو أوروبا)، إلا أنها تشترط إبرام اتفاقيات إضافية خاصة بذلك».

يضرب رفعت مثالًا توضيحيًا بإمكانية إبرام اتفاقية بين مصر وإيطاليا، على سبيل المثال، لإعادة توطين نسبة من المهاجرين السوريين المتواجدين في إيطاليا في مصر، وذلك بعد توفير المساعدات الكافية للقاهرة لتتمكن من استيعابهم، أو العكس في حالة أن المهاجرين السوريين المتواجدين في مصر، وترغب الأخيرة في إعادة توطينهم بإيطاليا.

ويضيف أن دول الاتحاد الأوروبي لديها اتفاقيات شبيهة لتوزيع اللاجئين على الدول المختلفة للاتحاد بنسب متفاوتة بحسب القدرات المختلفة للدول المستضيفة للاجئين.

وينفي رفعت أن يكون «إعادة التوطين» يشمل منح الجنسية، مؤكدًا أن شروط منح الجنسية من الأمور السيادية للدول، وليست ضمن القضايا ذات «الاهتمام الدولي»، كحقوق الإنسان وأوضاع اللاجئين. وتنظم الاتفاقيات الدولية القضايا التي تقع ضمن دائرة الاهتمام الدولي، ولا تتطرق إلى الأمور السيادية الخاصة بكل دولة، بحسب رفعت.

يستند علي في النهاية إلى عمومية المادة، لدعم مخاوفه أن تُستخدم لتوطين الفلسطينيين في سيناء قائلًا لـ«مدى مصر»: «ماذا لو هاجمت إسرائيل قطاع غزة بشكل دفع الآلاف من الفلسطينيين للهرب إلى سيناء؟ ستعطي المادة 69 الفرصة لمصر وأي من دول الاتحاد الأوروبي الفرصة أن يوقعا اتفاقية لإعادة توطين الفلسطينيين في مصر في مقابل مساعدات، وهذا ما نحاول أن نُلزم الدولة بعدم حدوثه».

على الجهة المقابلة يحتج السفير السابق على إدخال القضاء في هذا الشأن، قائلًا: «الاتفاقية من أمور السياسة الخارجية التي تقع ضمن أعمال السيادة. والقضاء الإداري ليس له ولاية على أعمال السيادة. وما يحدث هو تغول من القضاء على السلطة التنفيذية، وإذا ما استمر ذلك فلن تكون لمصر سياسة خارجية».

اعلان