Define your generation here. Generation What
فيلم «الوصول»: كيف نتفاهم لغويًا مع الكائنات الفضائية؟
 
 

تناول عدد من الأفلام الأمريكية، وبشكل عدائي، فكرة نزول الكائنات الفضائية إلى الأرض، وكان منها «يوم الاستقلال» لرولاند إيمرتش، «حرب العوالم» لستيفن سبيلبرج، «هجوم المريخ» لتيم بيرتون، و«علامات» لنايت شاملين. ولكن لم تتخط هذه النوعية من الأفلام التصور النمطي عن كيفية التخلص من هذه الكائنات عن طريق الحرب، كما أنها، وباستثناء «علامات» لشاملين الذي تناول الآثار النفسية لرب أسرة فقد إيمانه بعد حادث مقتل زوجته، لم تتناول أي تعقيدات نفسية أو لغوية، تخرج عن مشاهد الحرب الملحمية بين البشر والكائنات الفضائية.

صحيح أن فيلم «الوصول Arrival» هو الآخر يستعرض ثيمة الكائنات الفضائية، ولكن أحداثه تدور  بشكل مغاير للأفلام المذكورة. حتى وإن كان يقترب إلى حد ما من فيلم «علامات» لشايملن فى خلق شخصياته المضطربة، ولكنه يتخطاه بإدماج أفكار أُخرى في عمق الموضوع الرئيسي، كالزمن واللغة والتواصل الإنساني. الفيلم المقتبس عن القصة القصيرة «قصة حياتك» لتيد تشاينج أخرجه دينس فيلنوف، وكتب السيناريو له إريك هاشيرر، وقام ببطولته إيمي أدمز وجيريمي راينر ووفورست وايتكر.

يبدأ الفيلم بمشهد للزجاج الذي يفصل بيتًا عن الفضاء الخارجي المطل على شاطئ هادئ لبحيرة ما. اليوم يبدو غائمًا، ربما هو وقت الشروق أو الغروب. لا نرى إلا شاطئًا وشجرة والمدى الذي تلامس فيه السماء ماء البحيرة. ثم تبدأ لويز بانكس (إيمي آدمز) في إلقاء مونولوج ترثي فيه ابنتها الوحيدة التي فقدتها بسبب المرض: «كنت أعتقد أن هذه بداية قصتك. الذاكرة شئ غريب. هي لا تعمل بالطريقة التي اعتقدتها. نحن مقيدون جدًا بالزمن.. بنظامه».

بعدها يبدأ الفيلم في تناول قصة هبوط غرباء، من مكان ما في الفضاء، إلى 12 موقعًا مختلفًا في جميع أنحاء العالم. تنضم بانكس، أستاذة اللغويات، إلى وحدة بحث من الجيش الأمريكي أقيمت في أحد المواقع الـ12 في ولاية مونتانا، وتصبح وظيفتها محاولة ترجمة ونقل لغة الغرباء والتواصل معهم.

في نفس الوقت الذي يتصاعد فيه القلق في العالم من هؤلاء الغرباء، ويُنظر فيه إليهم باعتبارهم تهديدًا، يعقد فريق بحثي اجتماعات منتظمة مع اثنين منهما، وتبدأ لويز في التواصل معهما وتنجح، عن طريق استخدام مساعدات بصرية باستخدام الكتابة على لوح عريض، في تجميع وتسجيل سلسلة من الرموز المرسومة من جانب الغرباء، التي توازي بعض الأسماء والمصطلحات اللغوية.

أول معلومة ننقلها للغرباء: أنا إنسان

الحبكة الرئيسية للفيلم تنقل إمكانية تجاوز اللغة للزمن، وتوسع مفهوم الزمن باتجاه مستويات عدة غير خطية. بشكل ما، قدم فيلنوف و هاشيرر فيلمًا بعيدًا عن مبالغة أفلام الخيال العلمي، فإلى جانب موضوعاته الأساسية، مثل الكائنات الفضائية والزمن والحتمية الطبيعية والاختلافات بين اللغتين المنطوقة والمكتوبة، وازن النص السينمائي بين الخيال العلمي والقصة الدرامية والإنسانية للويز. تستعرض الحبكة الرئيسية للفيلم، التي صنعها فيلنوف وهاشيرر بإتقان، التداخل بين الحياة الخاصة للويز التي فقدت ابنتها، وبين حياتها المهنية كأستاذة للغويات، اختيرت ضمن الفريق البحثي المنوط به التعامل مع الغرباء. نختبر هذه التقاطعات عبر مشاهد الفيلم المختلفة، فمع احتدام الضغط النفسي على لويز، تتراءى لديها مشاهد لابنتها عند التواصل مع كتابة الغرباء. ومع تصاعد أحداث الفيلم، تتكاثف هذه الرؤى لتضع لويز في ارتباك دائم بين علاقة تلك الرؤى بلغة الغرباء وكتابتهم.

رُشح فيلم «الوصول» للعديد من الجوائز المختلفة، حيث حصل على تسعة ترشيحات لجوائز البافتا البريطانية، منها أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل سيناريو عن عمل مقتبس وأفضل ممثلة في دور رئيسي. كما رُشح في الجولدن جلوب الأمريكية لجائزة أفضل ممثلة في دور رئيسي وأفضل موسيقى تصويرية. بالإضافة لترشحه لثماني جوائز أوسكار، منها أفضل فيلم وأفضل إخراج وأفضل تصوير وأفضل سيناريو مأخوذ عن رواية أصلية. كما رشح لأفضل صوت سينمائي و أفضل خلط صوتي.

ترى فرضية النسبية اللغوية، والمعروفة باسم «فرضية سابيروورف»، أن بنية اللغة المستخدمة تؤثر على رؤية الناطقين بها للعالم وإدراكهم له، وأن مستويات اللغة تحدد الأفكار والمعرفة الإنسانية لناطقيها. استوحى الفيلم أفكارًا مشابهة تخص مفهوم الزمن والكيفية التي يتفاعل بها مع اللغة ليخلقان معًا نسقًا من الواقع الخطي، يُشكّل بدوره عملية الإدراك والوعي كما نعرفه على كوكب الأرض.

هكذا يكتب «الغرباء» في الفيلم

يظهر هذا في النهج الذي مارسته لويز في تحليلها للرموز والرسومات المستخدمة من جانب الغرباء، الذين يظهرون كظلال متراقصة على شاشة ويصفهم الفيلم بأنهم «هيبتابود»، أي «ذوي الأرجل السبع». تخبر لويز العقيد ويبر (فورست وايتكر)، أن نوع التواصل هو ما يحدد الغاية منه، فإذا كان التواصل باللغة تكون النتيجة إدراكًا لغويًا لماهية الأشياء، وإذا جرى التواصل عن طريق مفهوم القوة، تكون النتيجة أفكارًا عن أسبقية القوة ومعضلة الهزيمة والنصر. تسأله: «إذا كان كل ما أعطيتك هو مطرقة؟»، فيكمل: «كل شئِ سيصبح مسمارًا».

بعد مغادرة الغرباء سلميًا، وبعد التفاعل المشترك بين اللغويات والتفسيرات العلمية للحدث، يعود السرد لمشهد الزجاج الذي يفصل البيت عن الفضاء الخارجي المطل على شاطئ البحيرة؛ المنظر أيضًا غائم، ولكن لويز حاضرة هذه المرة، تنظر عبر الزجاج، ويعود صوتها ليُخبرنا: «رغم معرفة الرحلة وعواقبها، فإني أُعانقها وأرحّب بكل لحظة منها». ثم تبدأ قصة حياة هاناه كما نُقلت إلى لويز عن طريق الرؤى التي تشاهدها. تسألها البنت: «لماذا اسمي هاناه؟» فتجيب الأم بأن اسمها مميز لأنه ينتمي إلى الأسماء المتناظرة، التي تمكن قراءتها من الجهة المعكوسة بنفس تسلسل الحروف عند قراءتها الأصلية.

قد يحيل هذا الحوار إلي كتابة الغرباء، التي تظهر كرسم أو كنسق منحوت من العلامات، لا تعبر، عكس اللغات الإنسانية، عن أصوات، لأن الأصوات زمانية وتستغرق وقتًا، بينما نسق العلامات الذي ينتجه الغرباء ذو طبيعة دائرية، يتفاعل مع كل المفاهيم الموجودة في نفس الوقت، ويُمثل المعني بصريًا بشكل لا يتقيد بالزمن، الذي يصبح غير خطي في هذه الحالة، ويتيح تحرك المعاني والمفردات بسلاسة بين الماضي والحاضر والمستقبل.

تتهاوى الذاكرة بين ذكريات وأحلام الماضي، وبين رؤى وتطلعات المستقبل، فتتفاعل مع اللغة لخلق عالم واسع تستعيد فيه لويز الذاكرة، سواء ما كان منها يسترجع الماضي أو يستشرف المستقبل، وهي تنظر إلى إيان (جيرمي راينر) بينما يغادر الغرباء، وتحتضنه لأول مرة في حياتها، قائلة له: «كنت نسيت كيف كان رائعًا أن تحضنني».

لقد «تذكرت» ببساطة كيف سيحتضنها في المستقبل.

اعلان
 
 
حازم يحيى