Define your generation here. Generation What
لالا لاند.. المجد لشيطان الخسارة
 
 

إهداء: إلى الفاشلين

مثل قنص الفرصة من فم الحياة، مثل قبلة طويلة لم تكتمل في صالة السينما، يفتتح داميان تشازيل فيلمه الجديد «لالا لاند»، الذي كتبه وأخرجه، بمشاهد خاطفة متوترة وسريعة، وبكادرات متدفقة بالسخط والتحدي، ويقدّم بطليّه؛ ميا، وهي ممثلة طموحة تؤدي دورها إيما ستون، وسَاب، وهو عازفٌ لموسيقى الجاز على البيانو ويجسد شخصيته رايان جوسلينج، وهما يتبادلان نظرات ساخطة وعدائية، في مشهد افتتاحي للعمل يعج بالتكدس المروري. يبدأ عنوان الفيلم من عتبة مشاهده الأولى، وهذا ما كان.

 

ما يتضح من البداية أيضًا هو تلك القدرة العميقة على رسم الشخصيات بسرعة ودقة وعمق، فمن البداية يعرّف البطل نفسه بأنه مقاتل.

ساب، الشخصية المتمردة، المحلِّقة في سماء الخيال والأحلام والثورة بمنتهي العنفوان والحماس، يخوض صراعًا صريحًا مع شراسة الحياة وواقعيتها، يتلقى صفعاتها كلها حد الإنهاك والتعب. يبارز الحياة بالدفاع أولًا، دون أن يفقد الرغبة في التنازل عن حلم واحد بسيط من أحلامه الكبيرة. لا يقبل أن تقع منه أحلامه بطول حلبة صراعه مع الدنيا؛ فارس بقلب من ذهب، مثل طائر الفينيق، يموت ليبعث من الرماد، حتى تقع الدنيا من التعب وتنسحب راضخة أمام صلابة إرادته.

ينطلق الفيلم ولا يتوقف شريط العرض بعد ذلك، بشكل سريع ومنضبط الإيقاع في نصفه الأول، كما لو كان أشبه برقصة طويلة، تصوّر مشاعر الإعجاب والغزل والتجاذب والتحدي والبعد والقرب بين البطلين. تفانى صناع الفيلم في صنع واقع مواز يثير البهجة، كما يثير الرغبة والحماس للحب.

فوق حصان الخيال وباتجاه النجوم، ينتقل الفيلم لنقطة محورية، وفيها تترك ميا عشاء فاخرًا، رجلًا ثريًا، دنيا مريحة بكاملها، لتنطلق بأقصى ما تملك من قناعة وحرية وإدراك، لتلحق بموعد مع ساب لمشاهدة فيلم في أحد دور السينما بالمدينة. من هذا المشهد تحديدًا، يبدأ الفيلم، تشتعل القصة، ويولد الحب من لمسة يد، وينطلق المحارب هذه المرة غير وحيد في الصراع، بل معه حبيبته. يختاران الحب ويتنازلان عن الماديات، ويستعدان سويًا لمواجهة الحياة الشاقة المتعبة من أسفل درجات السلم. لا يسبب أي من هذا مشكلة أبدًا، طالما تلامست الأرواح وتشابكت الأيدي وحلّق المغرمون في سماء الأحلام. لتبدأ المعركة الحقيقية بكل واقعيتها الصادمة. يتنازل ساب عن حلمه وتخضع الثورية والعنفوان والطموحات القديمة لقيم الحياة الحديثة النمطية.

دون تفكير، وبلا شروط، يقف وحيدًا، يقبل المقايضة ويستمر في التحدي، يلاكم الدنيا والحظ في فريق موسيقي قليل الموهبة، عديم القيمة وتجاري التوجه. يُنهك جسده وتخور قواه في رحلات الترويج لموسيقى هو لا ولم يقتنع بها. يخضع تحت طائلة المادة، يتحول لمهرج رخيص في يد مصور يتلاعب به. كل ذلك لا يهم. لا شيء يوقف جموح المحارب في التضحية بذاته في سبيل الدفاع بكل قوة على جبهة أخرى، فيحول دفّة الصراع كليًا ويوجهها لأرض أحلام ميا، رافعًا راية الهزيمة بشكل مقلوب وساخرًا من الدنيا وكيدها.

لكنه، وبعد وصوله بها لأعلى سلم طموحاتها، بعد مساعدته لها لتضع خطواتها بثبات وقوة على عتبات النجاح، تتوقف ميا، عاجزة وشريدة وفاشلة. تقبل بالتضحية بساب، تدير له ظهرها، تتركه وحيدًا وتترك حياته وتنصرف للأبد، بلا أي محاولة للصمود أمام طوفان الحياة، بلا لحظة تفكير في التكامل. تسقط وحدها في قمة الشهرة والحياة السهلة، عكس ما كان في بدايتها. وتتركه، ليبدأ في ترتيب صفوفه وحيدًا، في محاولة فردية لإزاحة شيطان الحياة من كل المربعات التي سحبها الحظ منه من على رقعة الحياة، وحيدًا مثل كل مرة من جديد، بلا حبيب، لكن قلبه لا يخاف، لا يزال مليئًا بالأحلام، مثل أي فارس ينزع المعنى المطلق للخسارة والنصر.

لا يحاكي الفيلم ذلك النمط الكلاسيكي المعروف في أفلام هوليود السابقة، مثل «صندوق الموسيقى» أو «غناء تحت المطر» أو «قصة من الحي الغربي»، كما لا يضع نفسه في تحدٍ مع جنون هيتشكوك ولا رومانسية فيكتور فلمنج ولا أفكار وودي ألن المؤرقة. لا يعلن نفسه بوصفه فيلمًا عميقًا يناقش مشاكل الهوية أو السياسة. يدير ظهره لهذا وذاك، ويتوجه نحو صنع حالة من البهجة الخالصة والبسيطة، شديدة الإتقان بلا فلسفة أو تعقيد. من هنا تظهر عبقرية الفكرة. لا يخاطب أصحاب الأفكار سابقة الحكم على كل ما هو بسيط وغير نمطي. لا يهتم بكون البعض سيصنفونه كـ«فيلم بسيط». هو فيلم بسيط، وتلك هي عظمة الأحلام، وكذلك الأفلام. يزيح فكرة الاستعراض الخالص، وينسج نصًا سينمائيًا يتنقل بمرونة بين الرقص والموسيقى والحكي والحوار، في سلاسة وبلا تعقيد.

لا يجب حتى أن نتوقع مثلًا أن يحتمل هذا الجيل الجديد من المشاهدين، ممن لم يعاصروا الموجة الاستعراضية الجامحة لأفلام الستينات والسبعينات، قبول ذلك التيار الرومانسي بنفس الحفاوة، إلا لو كان يخاطبهم بنفس اللغة والسرعة. كما تنقل مقالات النقد الغربية ، فقد حافظ السيناريو على الثيمات الرئيسية للحكاية، وتعامل منطق الفيلم مع عنصري الرقص والغناء ومشاهد الحكي الصامت بالحركة والموسيقى، بمعاصرة تحسب له. لا هو فيلم يستنسخ الماضي، ولا فيلم يستهين بعقلية مشاهديه. لا، لم يكن فيلمًا من هذا النوع إطلاقًا. بل كان فيلمًا يعتمد على الحكي كما يعتمد على الرقص والإيقاع، حملت التعبيرات الحركية فيه نصًا موازيًا للقصة بمختلف جوانبها بشكل شديد الذكاء وسهل الاستيعاب، حتى في استخدام تقنيات الحكي الموازي والفلاش باك والنبوءة المتأخرة.

في مشهد شهير، تبوح ميا بجوهر الفكرة كلها، على شكل كلام ملحن، وأداء تمثيلي استعراضي، يذكرنا بمونولوجات المسرح الشهيرة، حين تُستدعى بعد فشل تجربتها المسرحية الأولى لأداء منفرد، كان مدخلًا لها لعالم جديد؛ مرثية للأحلام الضائعة، بكاء على الفرص الخائبة، وتحية قوية لشيطان الخسارة الذي تتجرد معه فكرة مثالية الأحكام. لا شيء يقيني حتى الخسارة، هي في الحقيقة انتصار للقلوب الشجاعة، للثائرين على العادية وثقل الحياة، للهاربين من قيود الشكليات المعروفة والثابتة، الأغبياء الذين يؤمنون بأنفسهم ويحلمون حد الحياة بلا كلل.

يتداخل النص السينمائي مع النص المسرحي بحميمية؛ مشاهد تتحرك في سرعة دون الوقوع في ثغرات درامية ساذجة. من هنا كانت موسيقى فن المسرح وجمالياته وتقنياته حاضرة، راسخة بقوة، لا يمكن اقتلاعها من جذور الحبكة والقصة، كانت تفرض نفسها واضحة جلية، كنص مواز يحتمل التأويل، لكن لا يقبل الحذف.

لقد تسيد الحلم، و أدت الثورية والبطولة والشجاعة دورًا محوريًا، راسخًا وثابتًا، بتلقائية متفائلة، في مواجهة قسوة الواقع، وميكانيكية الأحكام وعنفوان الإقصاء والتهميش والنفي. هو ذلك الانتصار للشجاعة، لقلوب الفرسان الجدد، حين يُصبح العالم وكل ما فيه في مواجهة سخافة عادية لا تحتمل. قصة بسيطة عابرة، تعبرنا ونمر عليها كل يوم، لكن لا ننتبه لها من فرط قسوة الحياة. يقدم هذا الفيلم التحية إلى السينما والغناء وموسيقى الجاز وإلى فن التمثيل والمسرح، ولكل أولئك الذين يحاربون من أجل تحقيق حلمهم. ما أسهل الأحلام، وما أصعب طريق الوصول؛ أشد قسوة من الحلم ذاته وأقل إنسانية. المحور الأساسي يدور حول حكاية حب رومانسية يهزمها الواقع، ولكن الحلم والخيال يعيدان إليها الاعتبار، والمجد للشجعان.

ولعل بوسع المرء أن يدرك مدى تفرد «لالا لاند»، إذا حاول أن يتذكر آخر مرة شاهد فيها فيلمًا كوميديًا جديدًا، يستعرض علاقة عاطفية بين شاب وفتاة على نحو يبعث الأمل والسعادة في قلوب مشاهديه، دون أن يثير النفور أو ينطوي على تهكم وسخرية. لذلك، كان من الحتمي ظهور ردود أفعالٍ عكسية، متباينة حد التفاوت، لتلك الحفاوة الكبيرة بالفيلم، وهو موقفٌ لا يعود فقط إلى عدم حماسة البعض له، وإنما إلى أن هؤلاء يعتبرونه أيضًا عملًا ضعيفًا، وواهيًا لحدٍ يجعله، من فرط ضعفه، قابلًا للطيران في الهواء، تمامًا كما حدث لبطليه أثناء مخادعتهما لواقعية الحياة والفرار لمرصد جريفيث للفلك بعد ليلة طويلة، وبعد أن فشلا في تبادل قبلة في عتمة صالة السينما.

 

اعلان
 
 
محمد عثمان الفندي