Define your generation here. Generation What

لماذا سوريا؟

أكتبُ هذه المقالة من موقعي كمواطن مصري لم يسعفه الحظ أن يزور سوريا من قبل، أو بالأحرى لم يسعفه الحظ في زيارة أي بلد خارج مصر، بالرغم من مرور ما يقرب من ربع قرن على وجودي في هذا العالم.

أحاول في المقالة سرد حكايتي مع ما حدث وما زال يحدث في سوريا، ذلك الصراع الذي أدين له بالكثير، وبالأخص في تغيير نظرتي للأمور من حولي في هذا العالم. أكتب الكلمات وأشعر أنها تخرج من شخص موتور عقليًا، وكأنني كنت في انتظار موت نصف مليون شخص حتى تتغير نظرتي للأمور في العالم، ولكنني على كل حال أشعر برغبة ملحة في كتابة تلك الحكاية الهامشية بالنسبة لكل العالم، والمحورية بالنسبة لي.

تحاول المقالة الرد على السؤال الذي دائمًا ما يواجهني: لماذا سوريا؟ لماذا تتابع ما يحدث في سوريا؟ ما الذي يجعلك تهتم بما يحدث هناك؟

في حقيقة الأمر يفاجئني كثيرًا هذا السؤال، لأنني أعتقد أن السؤال الأدق، والذي أوجهه لنفسي أيضًا، هو: لماذا لا نتابع ما يحدث في سوريا؟ لماذا لا نهتم بما يحدث في اليمن؟ لماذا يحدث من حولنا كل هذا الدمار والقتل ولا نهتم به كثيرًا، وإن اهتممنا يكون اهتمامنا عابرًا، غرضه إرضاء الضمير، أو بمعنى أصح إسكات وخزاته؛ ذلك الاهتمام الذي وجدناه في وقت الحصار والقصف الذي تعرضت له مدينة حلب في نهاية العام الفائت، ومن قبله حين خرجت صورة الطفل الكردي إيلان، وقبلهما ما حدث في مضايا والزبداني، ثم يعود الصمت ليخيم على العالم وكأن لسان حاله يقول: لا نريد كل هذا العنف المكثف في بقعة واحدة، لأننا لا نستطيع أن نحتمله، ولكن يمكن أن نتغاضى عن ذلك العنف الذي اعتدنا عليه من وفاة بضعة عشرات فقط يوميًا في أماكن متفرقة من الأرض السورية.

انحصرت الأمور بالنسبة لي في الثنائية التاريخية بين حكم سلطوي بمسحة علمانية وحكم ديني، وكان خياري هو الحكم السلطوي بالطبع.

سؤال الهوية

حين بدأتُ متابعة ما يحدث في سوريا، كان ذلك بعد إتمامي لخدمتي العسكرية التي قضيتُ فيها عامًا وواحدًا وأربعين يومًا، انتهت مع بدايات عام 2013. كنتُ في ذلك الوقت ذلك الشخص المسيحي المذعور من وجود الإخوان المسلمين على رأس السلطة في مصر. وجود نظام حكم ديني هو الأمر الذي يمكن أن يزلزل كيان أي شخص ينتمي لأقلية دينية ما. ذلك هو ما حدث معي بالضبط، فقد تناسيت كل الشعارات المتعلقة بالحرية والعدالة والحياة الكريمة التي نادت بها ثورة يناير، وما أصابني هو ذلك الانحصار حول الذات، والتمحور حول الأنا الهوياتية التي تخشى على حياتها وعلى حياة أسرتها، وعلى ما قد يفرضه علينا هؤلاء الإسلاميون الذين آلت لهم مفاتيح القصر الجمهوري في مصر.

الأمر يذكرني بما حدث معي بعد أحداث يناير 2011، فبالرغم من أنني شاركت في المظاهرات التي خرجت في يوم 28 يناير، إلا أنني أتذكر جيدًا أنه في الأيام والشهور التالية تملكني ذلك الخوف من المستقبل، وما قد يحمله لنا من وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة، فنزلتُ لميدان التحرير وكنت أشارك في تلك النقاشات المتعلقة بإقناع المعتصمين بضرورة المغادرة وترك الفرصة لعودة الأمور إلى طبيعتها، أو بمعنى أصح عودة السلطوية للتمكن من كيان الدولة، لأن الاستقرار الوهمي المقرون بالاستبداد أصبح خيارًا أفضل من المستقبل غير واضح المعالم.

انحصرت الأمور بالنسبة لي في الثنائية التاريخية بين حكم سلطوي بمسحة علمانية وحكم ديني، وكان خياري هو الحكم السلطوي بالطبع.

إذن كان الهدف الأساسي من وراء متابعتي لما يجري في سوريا هو الاطمئنان على أوضاع مسيحيي سوريا، وباقي أقلياتها من علويين ودروز وإسماعيليين ومرشديين. كان يتملكني ذلك الإحساس بالخطر المشترك الذي يتهددهم مثلما يتهدد مسيحيي مصر ومسيحيي الشرق بوجه عام. كنتُ ذلك الشخص الذي يصفه ياسين الحاج صالح في كتابه «الثقافة كسياسة» بالثقافوي، الذي يقوم بإحالة كل ما يحدث في عالمنا العربي للدين والهوية والنص الديني، وهنا بالطبع أعني النص الإسلامي السني.

أتذكر جيدًا وأنا أقرأ إحدى المقالات، التي تتحدث عن تاريخ العلويين في سوريا، كيف استوقفتني تلك الأساطير المتعلقة بالعلويين، وكيف أنها تشبه تلك المتعلقة بالمسيحيين هنا في مصر. أساطير من قبيل أن العلويين أشخاص ليست لديهم غيرة على نسائهم أو أعراضهم، ويقدمون نساءهم للضيوف. يقال شبيه ذلك هنا في مصر، حيث هناك تلك الأسطورة التي تقول بأن القس يدخل على الزوجة قبل زوجها، وخرافة أخرى مفادها أن المسيحيين في ليلة رأس السنة يطفئون الأنوار في الكنائس، ثم يبدؤون في تقبيل بعضهم بعضًا.

بمجرد ما انتهيت من قراءة المقالة أحسست أنني وجدت الحقيقة الغائبة، إنه الاختلاف الثقافي الناتج عن النص الديني إذن، الذي بسببه يعايرُ السنةُ العلويينَ في سوريا والمسيحيينَ في مصر بشرب الخمر، وبأن نساءهم لا ترتدين الحجاب، ما يجعلهم يسرحون بخيالهم ويطلقون كثيرًا من الأساطير التي تتحول مع الوقت إلى حقائق راسخة في أذهان كثيرين.

ذلك الإحساس نفسه بالانتصار وامتلاك الحقيقة أتاني حين كنتُ أقرأ رسالة ماجستير كُتِبَت عن تشكل الهوية العلوية في سوريا، وفيها يتحدث أحد العلويين في إحدى المقابلات عن أنه كان يتمنى لو أنه ولد مسيحيًا، حتى لا يشعر بالخجل ويتجنب الاستهجان الذي يواجهه من السنة لأنه علوي، هذا مع أن من المفترض أنه مسلم، ولكنه يشرب الخمر، ولا ترتدي نساء طائفته الحجاب.

كان يدور في داخلي صراعٌ محتدمٌ بين ذلك الصوت الذي يبرر قمع النظام خوفًا من وصول الإسلاميين إلى السلطة، وصوت آخر يتزايد حضوره مع الوقت مبديًا غضبه واستنكاره للصوت الأول نتيجة تغاضيه عن المشاهد الوحشية لممارسات النظام السوري ضد أولئك الذين انتفضوا ضده.

كنتُ دائمًا أنتظرُ الانتهاكات التي تحدث لبعض أتباع الأقليات الدينية على يد الجماعات الجهادية لأبرر القمع الذي يمارسه النظام السوري، مثل ما فَعَلَته جبهة النصرة ببعض أتباع الطائفة الدرزية في قرية قلب لوزة بجبل السماق في محافظة إدلب، تلك الحادثة التي نتج عنها مقتل ما يقرب من 200 مواطنًا من أتباع الطائفة. كنتُ أستخدم أحداثاً كهذه لإسكات الصوت الآخر الذي في داخلي، الصوت الذي يستنكر ممارسات النظام السوري بحق شعبه.

وكأنه أمرٌ أشبه بالمستحيل أن أرفضَ ما قامت به جبهة النصرة في قلب لوزة، وأرفض أيضًا وأستنكر المذبحة الكيماوية التي ارتكبها النظام السوري في الغوطة الشرقية. بغض النظر عمّا سوف يحمله الغد، ما أراه اليوم هو نظام ينتهك حقوق شعبه ويمارس ضده أشكالًا وحشيةً من العنف. ذلك الغد المخيف الذي يحمل الإسلاميين هو غد متخيل قد يأتي ربما، ولكن ما أعاينه اليوم هو نظام سلطوي يفعل كل شيءٍ فقط للبقاء في السلطة. هناك أيضًا جماعات جهادية تسيطر على مساحات من الأراضي السورية وترتكب انتهاكات بحق السكان، الأمر ببساطة هو إدانة تلك الممارسات أيًا كان مصدرها.

السؤال هنا: هل تقاس المجازر بحجمها؟ هل ما حدث في رابعة العدوية في مصر يمكن مساواته بما حدث في حماة 1982؟ قتلت داعش عددًا أقلَّ بكثيرٍ ممن قتلهم النظام السوري، فهل يشكل ذلك فارقًا بين النظام السوري وداعش؟ هل طريقة القتل تشكل فارقًا؟ هل القتل عن طريق قطع الرؤوس يختلف عن الموت نتيجة التعذيب في الأقبية الأمنية التابعة للمخابرات الجوية أو فرع فلسطين؟

مع مرور الوقت، بدأ ذلك الصوت الداخلي الذي يمكن تسميته سؤال العدالة يعلو على سؤال الهوية.

في حقيقة الأمر لا أمتلك إجابة واضحةً عن ذلك السؤال، ولكن قناعتي الشخصية أن القتل قتلٌ أيًا كانت الوسيلة ودرجة بشاعتها، وأيًا كان العدد. حين أتخيل امتلاك داعش أو جبهة النصرة لسلاح طيران، أظن أنهم لن يوفروا استخدامه في حق المختلفين معهم سواء كانوا العلويين أو المسيحيين، أو حتى السنة الذين قد يخالفونهم في المنهج والعقيدة، ذلك التصور يتعارض مع ما طرحتُه بالأعلى عن الغد المخيف الذي لا أملك يقينًا تجاهه، ولكن لا بأس، هذا جزءٌ رئيسيٌ من الحيرة التي تتملكني عند التعامل مع ما يجري في سوريا.

سؤال العدالة

مع مرور الوقت، بدأ ذلك الصوت الداخلي الذي يمكن تسميته سؤال العدالة يعلو على سؤال الهوية. بدأت أبحثُ أكثر عن مذبحة حماة على سبيل المثال، بدلًا من تركيز بحثي على تاريخ الأقليات في سوريا. اكتشفتُ أن هناك تاريخًا آخر غير ذلك التاريخ الهوياتي، تاريخ من القمع الذي مورس على مدار عقود بحق عموم السكان السوريين. اكتشفتُ أنه لا يوجد أي مبرر يكفي ليجعلني أقبل بحصار مدينة لأيام عدة وقصفها جوًا وبرًا، ثم اقتحامها وتدميرها وقتل العديد من سكانها من قبل قوات طائفية تأتمر بأمر الأخ الشقيق لقائد البلاد. ما الذي يمكن أن يدفع أي شخص للقبول بما كان يحدث في سجن تدمر؟ حتى ولو كان الشيطان نفسه هو القابع داخل غياهب ذلك المكان الموحش.

أنا شخصيًا أشعر بالتخوف الدائم مما قد يحمله لنا المستقبل، ولكن الأكيد هو أن وجود السيسي على رأس السلطة في مصر لا يمثل أي ضمانة حقيقية لمستقبلٍ أكثر أمنًا لمسيحيي مصر.

أتذكرُ جيدًا بعد عودتي من إجازة منتصف العام الدراسي في سنتي الجامعية الأخيرة بعد ثورة يناير 2011 في مصر، أنني وجدت مكتب الأمن الواقع على يمين باب الكلية، والذي كان يسكنه ضابطٌ برتبة رائد، قد تحول لمكتب إداري. لا أعلم لماذا شعرت بالسعادة عند رؤيتي لتلك اليافطة الصغيرة التي تم تغييرها، مع أن ذلك المكتب لم يكن يشهد وقائع تعذيب أو أي شيءٍ من هذا القبيل، ولكنه كان هو عين السلطة التي تراقب الطلبة والأساتذة، وترفع من خلاله التقارير لأمن الدولة.

حين أتذكرُ وقائع اقتحام الأقسام في مصر، وأقارنها بوقائع اقتحام المقرات الأمنية في مناطق خرجت عن سلطة النظام السوري، يأتي في ذهني ذلك السؤال: هل تم اقتحام تلك المقرات الأمنية في سوريا لأن المشتغلين بداخلها هم من الأقلية العلوية على سبيل المثال؟

اقتحمَ الناسُ مقرات الأمن الوطني والأقسام في مصر لأن تلك الأماكن كانت شاهدة على الإذلال والقهر الذي مورس بحق عديدين، تلك الأماكن التي أصبحت مصدرًا للفزع والرعب، والقائمون عليها يمارسون البلطجة باسم الدولة ويفرضون إتاوات هنا وهناك مثل قطاع الطرق. ما الذي يجعل الأمر مختلفًا في سوريا، بغض النظر عن هوية المشتغلين في الأجهزة الأمنية السورية، وعن هوية عموم المتظاهرين الذين خرجوا في شوارع سوريا؟ هناك مقراتٌ أمنية شهدت أقبيتها فظاعات وانتهاكات بحق العديد من المواطنين السوريين. السؤال هنا: لو كان النظام في سوريا سنيًا، هل كان ذلك يبرر القمع الممارس بحق عموم السكان؟ أليس عموم السكان المصريين هم من السنة، وكذلك الحال بالنسبة للمنتسبين للأجهزة الشرطية والأشخاص على رأس النظام؟ ولكن المسألة لم تكن لها علاقة بالطائفة، بل كانت لها علاقة بالقهر والقمع الذي مورس بحق السكان في البلدين على مدار عقود عدة.

بالطبع لا يمكن إنكار أن هناك مشكلة في الدين كما يشير ياسين الحاج صالح في كتابه «الثقافة كسياسة»، ولكن هناك مشكلة أخرى، وهي القمع والسلطوية المتفشية في كل بلداننا العربية. ولا يمكن بطبيعة الحال إيجاد مراجعة ونقد حقيقي للمسألة الدينية في بلداننا العربية في ظل نظم الحكم السلطوية، لأن ذلك ليس في مصلحة تلك النظم التي تقدم نفسها، وتقتات على كونها، حامية الأقليات وحاملة لواء الإسلام الوسطي التعددي، والبديل الوحيد للإسلاميين.

لو انتصر بشار اليوم كما انتصر والده بالأمس القريب في حماة، هل يعني ذلك انتصار الطائفة العلوية؟ وما معنى هذا الانتصار؟ ليس هناك أمانٌ دائمٌ في ظل حكم سلطوي، والأمر مشابه لوضع مسيحيي مصر. أنا شخصيًا أشعر بالتخوف الدائم مما قد يحمله لنا المستقبل، ولكن الأكيد هو أن وجود السيسي على رأس السلطة في مصر لا يمثل أي ضمانة حقيقية لمستقبلٍ أكثر أمنًا لمسيحيي مصر.

سيذهب السيسي كما ذهب مبارك، طال الأمر أو قصر، وسينفجر الوضع مرة أخرى في سوريا وسوف يشعر العلويون مرة أخرى بالتهديد الوجودي ذاته الذي شعروا به في نهايات السبعينيات وبدايات الثمانينيات، والذي يشعرون به في ظل الأزمة الحالية.

مؤخرًا أخبرتني أمي أن أحد بائعي الخضار في السوق كان يتحدث عن أن ثورة الجياع سوف تأتي وتزيح السيسي، و«ننتقم من المسيحيين». وصديقٌ لي كتب على فيسبوك مؤخراً أن بائع الفطائر قال له: «كله بسبب السيسي اللي جبتوه»، حين سأله عن سبب ارتفاع سعر الفطيرة.

بالتأكيد لم يكن المسيحيون العاملَ الحاسمَ في مجيء السيسي إلى سدة الحكم في مصر، ونعم لقد فضّل كثيرٌ من المسيحيين السيسي بعد فترة حكم الإخوان وما أنتجته من خوف في نفوسهم، ولكن السيسي تمتع بشعبية كبيرة في أثناء فترة الانتخابات، وتلك الشعبية اعترف بها حتى أشدُّ معارضيه.

تصريحُ الإسلاميين الدائم بأن المسيحيين لهم دورٌ كبيرٌ في وصول السيسي إلى سدة الحكم، إنما يحمل في طياته حقيقة انفصالهم عن الواقع إلى جانب الطائفية الفجة في خطابهم، كما أنه يتعارض مع ما يروجون له دائمًا من انخفاض عدد المسيحيين بالنسبة لمجموع السكان المصريين إلى حد إيصال تلك النسبة إلى 5% فقط. حسنًا، إذا كانت هذه النسبة صحيحة فكيف لـ 5% فقط من السكان تحديد المسار السياسي لبلد بأكمله؟

وكما لم يأتِ المسيحيون وحدهم بالسيسي، لم يأتِ العلويون وحدهم بحافظ الأسد، على الاختلاف الكبير في الظروف والسياقات وأدوار النخب بين البلدين. وهنا أتحدثُ عن عموم المسيحيين وعموم العلويين، بغض النظر عن الدور الذي تلعبه الكنيسة المصرية حاليًا في تأييدها الفج للنظام، أو الدور الذي تلعبه النخبة السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية من أبناء الطائفة العلوية في سوريا.

في البلدين تحسب الطائفتان بالمجمل على نظم الحكم الديكتاتورية القائمة، ويمكن القول إن كثيرًا من المسيحيين المشرقيين وسائر أبناء الأقليات الدينية، يفضلون نظم حكم استبدادية تخوفًا من المستقبل الذي قد يأتي بالإسلاميين. ذلك التخوف مشروعٌ من وجهة نظري، ولكنه لا يعني الركون إلى الوضع الحالي بالطبع، وعلى الجميع، الأكثريات والأقليات، أن يبحثوا عن صيغة أفضل للحياة في هذه المنطقة من العالم، بعيداً عن ثنائية الحكم السلطوي أو الحكم الديني، التي تشبه الدائرة المفرغة أو المتاهة التي ليس لها مخرج.

هل تقاس المآسي، وبالتبعية حجم تعاطفنا معها وإعطائها أولوية على جدول أعمالنا المزدحم، بعدد الضحايا الذي تخلفه تلك المآسي؟

تذكرني هذه الثنائية بثنائيات «الأسد أو نحرق البلد» و«الجوع أو الركوع»، تلك العبارة التي كتبت على أحد الجدران قرب مضايا والزبداني المحاصرتين من قبل قوات النظام السوري. ذلك التخيير، أو بمعنى أدق الإكراه على الاختيار بين أمرين كليهما أسوأ من الأخر، كما تم تخيير سكان حلب الشرقية بين الخروج أو الموت تحت أنقاض مدينتهم. 

عن مركزية الصراع السوري في عالم اليوم

في حديثه على منصة TEDX، حاولَ باري أندريوس، مديرُ إحدى منظمات المجتمع المدني العاملة في سوريا، الإجابة عن السؤال: لماذا لا يهتم أحدٌ بسوريا؟

في معرض إجابته يوضح أندريوس أن إحدى المنظمات الإنجليزية استطاعت جمع ما يقرب من 95 مليون جنيه إسترليني من أجل ضحايا أحد الإعصارات المدارية التي ضربت الفلبين، ونتج عنها وفاة خمسة آلاف شخص، في حين تم جمع 20 مليون فقط من أجل سوريا التي كان قد مات فيها ما يقرب من 160 ألف شخص في وقت إلقاء تلك المحاضرة، في يونيو من عام 2014.

من ضمن الأسئلة الجديرة بالتأمل، والتي طرحها أندريوس في حديثه، هو سؤال: «لماذا نظهر الكثير من التماهي، وليس التعاطف (empathy not sympathy)، مع الأمور التي لا يمكن التحكم بها مثل الكوارث الطبيعية كالزلازل والتسونامي، في حين أننا لا نظهر القدر نفسه من التعاطف مع الأمور التي هي من صنع الإنسان مثل الحروب والصراعات؟». في محاولته للإجابة عن السؤال الذي طرحه بخصوص عدم الاهتمام لما يحدث في سوريا، كان السبب الأول من وجهة نظر السيد أندريوس هو التحيز ضد الشرق الأوسط، والكمية الهائلة من الدماء التي سالت في تلك المنطقة على مدار العقود الفائتة، والفكرة السائدة بأن تلك المنطقة مفقود الأمل بها. في بداية حديثه قال السيد أندريوس إن «لكل جيل مأساته، ومأساة جيلنا هي سوريا».

تلك المقولة ذكرتني بالسؤال الذي طالما شغل بالي: هل تقاس المآسي، وبالتبعية حجم تعاطفنا معها وإعطائها أولوية على جدول أعمالنا المزدحم، بعدد الضحايا الذي تخلفه تلك المآسي؟ وعلى سبيل المثال، هل يجب أن تحتل المأساة السورية مركزًا متقدمًا على المأساة اليمنية، نظراً للعدد الأكبر من الضحايا، والقدر الأكبر من الدمار الذي خلفه الصراع السوري؟ في حقيقة الأمر لا أمتلك إجابة قاطعة عن ذلك السؤال.

«ياللي بين الأمم تنادي، موت وخيّم عبلادي، هجرة وقتل وخطف وجوع، قلبي اتمزع بين الضلوع، تنزف دم ونار ونور، مأساة اتخطت البحور، سوريا عولادها تنادي بين الردم وبين القبور». هكذا يناجي «أيهم أحمد» الفلسطيني السوري وطنه، أيهم هو ذلك الموسيقي الذي اشتهرت صورته وهو يعزف على البيانو وسط الدمار في مخيم اليرموك بدمشق، تلك الصورة التي شبهها البعض بأدريان برودي في دوره في فيلم عازف البيانو (The Pianist)، والذي كان يجسد فيه قصة موسيقار يهودي استطاع النجاة خلال الحرب العالمية الثانية من المذابح التي كانت ترتكبها الجيوش النازية بحق اليهود. نجح أيهم أيضًا في الخروج من سوريا، واللجوء إلى ألمانيا التي كانت تطارد قواتها الموسيقار اليهودي وبني جنسه.

أعتقدُ أن العالم، والغرب بالأخص، تعامل مع الصراع في سوريا بمبدأ الاحتواء، وترك الجميع يفتكون ببعضهم بعضًا على تلك البقعة من الأرض. قناعتي الشخصية هو أنه كان هناك شبه إجماع على ترك الصراع ليتعفن.

بعيدًا عن قواعد النظام السياسي العالمي، وبعيدًا عن كل النظريات السياسية في عالمنا اليوم، يتم ترحيل الحديث دائمًا إلى ما حدث نتيجة التدخل الخارجي في العراق وليبيا، حينما تتم إثارة مسألة ترك الصراع السوري، هكذا بدون البحث عن حل سياسي جاد وعادل؛ وكأن الطيران الأمريكي الذي لا يبارح السماء السورية ليس تدخلًا، أو أن الصفقة الكيماوية التي تم عقدها حين اخترق بشار الأسد خط أوباما الأحمر في الغوطة ليست تدخلًا. إنه تدخلٌ لصالح مرتكب المجزرة..

ذلك الأمر يعيدني إلى ما ذكرته في المقدمة من مسألة عدم تحمل العالم لعنف مكثف في يوم واحد، وكأن أوباما لم يحتمل موت 1400 شخص في يومٍ واحد، ولكن ليس لديه أدنى مشكلة في وفاة نصف مليون شخص على مدار ست سنوات، وتشرد ملايين البشر بفعل التدمير الذي تعرضت له بيئات الحياة بفعل البراميل المتفجرة، التي زاد استخدامها بكثرة بعد صفقة الكيماوي التي عقدها السيد أوباما مع الروس.

يقول البعض إن لا ذنب للغرب في ما نعيشه؛ فهذه مشكلتنا نحن، فلماذا نلوم الغرب على ما اقترفته أيدينا؟ فلننظر إلى الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند الذي دائمًا ما عبر عن رفضه التام لبقاء الأسد في السلطة بعد ما فعله بشعبه، ولكن الرجل نفسه يبيع السيسي أسلحة بمليارات الدولارات، حتى أصبح أحد أفضل زبائنه، بل وكان الرجل من بين الحاضرين لافتتاح المشروع الوهمي المسمى بقناة السويس الجديدة، ذلك المشروع الذي ابتلع مليارات الدولارات هو الآخر من أجل صورة تذكارية للسيسي وهو يشير إلى رمال الصحراء. كل تلك المليارات تذهب هنا وهناك، في حين لا يجد المصريون الأسرة في المستشفيات، ويخرج عليهم السيسي ليأمرهم بالتقشف. يبدو أنه كان على أحدهم أن ينصح الأسد بشراء السلاح من الفرنسيين، لكي يتوقفوا عن المطالبة برحيله.

أعتقدُ أن العالم، والغرب بالأخص، تعامل مع الصراع في سوريا بمبدأ الاحتواء، وترك الجميع يفتكون ببعضهم بعضًا على تلك البقعة من الأرض. قناعتي الشخصية هو أنه كان هناك شبه إجماع على ترك الصراع ليتعفن، ولكن يبدو أن أوروبا تفاجأت بوجود صراع في منطقة تسمى سوريا فقط حينما وجد الأوروبيون أشخاصًا غريبي البشرة واللغة على أبوابهم يطلبون اللجوء، وأظن أن لسان حال الأوروبيين كان يقول: كيف أتوا إلى هنا؟ لماذا لم يموتوا في صمت مثل من ماتوا هناك؟ ماذا نفعل الآن؟ يبدو أن المشكلة هي أن المأساة «تخطت البحور» كما قال أيهم في أغنيته.

هؤلاء اللاجئون أصبحوا ورقة ضغط سياسي، وسلعة تباع وتشترى ولها ثمن يقبض، فنجد الأتراك يحصلون على ثلاثة مليارات يورو نظير الإبقاء على اللاجئين عندهم ووقف حركة تدفقهم للقارة البيضاء، ثم نجد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يقوم بتهديد الاتحاد الأوروبي بفتح الحدود أمام اللاجئين الراغبين في التوجه لأوروبا، وذلك على خلفية مطالبة البرلمان الأوروبي بتجميد مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد.

التعامل مع اللاجئين لا ينطلق في حقيقة الأمر من أرضية إنسانية، ولكن يأتي على خلفية التخوف من قدومهم إلى البلدان المانحة التي تقوم بمنح تمويلات لحكومات بلدان الجوار السوري. وكأن لسان حال أوروبا يقول: حسنًا، فلتبقوهم عندكم ونحن سوف ندفع المقابل!

تذكرني الأحاديثُ التي تخرج من وقتٍ لآخر عن البحث عن دول تستضيف المهاجرين الذين تنوي أوروبا إخراجهم من أراضيها، بالمشاهد التي أراها في الأفلام المصرية عن تلك العائلة التي تقرر التخلص من فرد فيها يعاني من مرض نفسي بإرساله إلى مصحة نفسية، أو ذلك الفرد كبير السن الذي يتم إرساله لدار رعاية المسنين. هنا سوف تقوم المخيمات بالدور نفسه الذي تلعبه المصحات النفسية ودور رعاية المسنين، الاحتواء مرة أخرى.

هؤلاء اللاجئون أصبحوا مثل المادة المحفزة لليمين المتطرف في أوروبا وفي الغرب بصفة عامة. وفي حقيقة الأمر، أنا لا أحاول هنا أن أجد علاقة سببية من خلال نموذج انحدار إحصائي بين صعود اليمين في الغرب وأزمة اللاجئين والصراع السوري، حيث يبدو أن قول ذلك لا يعجب بعض الأشخاص الذين أعرفهم على المستوى الشخصي، والذين يرون، كما يرى الغرب تمامًا، أن منطقتنا ليست لها أي أهمية في هذا العالم، ولا تلعب أي دور في تشكيل نظامه الدولي. ولكن السؤال الذي أجده يقفز إلى ذهني: لماذا كل ذلك الزخم في أوساط اليمين في أوروبا وأمريكا الآن؟ يمكن حسم الجدل بين من يرى أن من بين العوامل المهمة التي أدت لصعود اليمين في عالم اليوم هو ما يحدث في سوريا وأزمة اللاجئين الناتجة عنه، وبين من يرى أن صعود اليمين في العالم هو نتيجة حتمية، ويأتي نتيجة تراكم عوامل عدة على رأسها فشل الطبخة النيوليبرالية لتسيير الاقتصاد. يمكن حسم ذلك الجدل من خلال نموذج انحدارٍ متعدد، يكون متغيّره المستقل هو صعود اليمين، في حين أن المتغيرات التابعة هي الصراع السوري إلى جانب النيوليبرالية الاقتصادية وغيرها من العوامل الأخرى، ولكن على هؤلاء أن يقوموا بجمع البيانات اللازمة ودفع التكاليف اللازمة للقيام بمثل تلك المهمة، طالما أنهم أقحموا السياسات النيوليبرالية الاقتصادية في النقاش. تلك السياسات النيوليبرالية، وسياسات إجماع واشنطن التي عايشناها لما يقرب من ربع قرن، شهدنا خلاله العديد من الأزمات الاقتصادية التي توجت بالأزمة الاقتصادية العالمية في العام 2008. ولذلك فإن سؤالي هو: لماذا الآن؟ ولا أدعي امتلاك إجابة وافية له.

الأمر لم يتوقف فقط على ترك الصراع ليتعفن، ولكن أصبحت سوريا هي المكان الذي يمكن أن نتخلص فيه من «النفايات». هذه المرة «النفايات» ليست نووية ولكنها جهادية، والأمر هنا لم يتوقف على الغرب فقط، ولكن حتى الدول العربية وعلى رأسها السعودية التي تركت جهادييها يخرجون تحت أعينها لتضرب عصفورين بحجر واحد، فتتخلص من هؤلاء الجهاديين، وفي الوقت نفسه يحاربون بالنيابة عنها في القتال المقدس بين السنة والشيعة، الذي تشكل إيران طرفه الثاني، وتستقدم له الميليشيات الشيعية.

أصبحت سوريا ملتقى جهاديي العالم تحت أعين وأنظار جميع أجهزة مخابرات الدول التي قدم منها هؤلاء الجهاديون، وكان ذلك واضحاً في حالة أوروبا، التي فوجئت مرة أخرى حين وجدت أن بعض هؤلاء الجهاديين قد لا يموتون هناك في سوريا، وقد يعودون مرة أخرى ليجاهدوا في الداخل الأوروبي.

أظن أنني أعرف إلى حد ما لماذا سوريا، ولكن ما لا أعرفه هو لماذا ليست اليمن أو العراق أو ليبيا أو غيرها من مناطق الصراعات في منطقتنا وفي عالمنا ككل.

أودُّ في النهاية أن أؤكد على أن كل ما سبق هو سردٌ لتأملات شخصية، قد تبدو في نظر بعض الأشخاص غير واقعية في كثير من الأحيان، ولكن بئسَ الواقعيةُ إن كانت تتمثل في التعامل مع ما يحدث في سوريا والشرق الأوسط باعتباره أمراً حتمياً، أو بأن هذا هو قدر تلك المنطقة من العالم. لا أستطيع أيضا أن أنكر أنني لا أزال في حيرة كبيرة مما جرى، وما زال يجري هناك في سوريا، لكن ما أنا متأكدٌ منه ومرتاحٌ له هو أنني لا أمتلك أي حقيقة بخصوص ما يجري حولي في هذا العالم، وبأن تلك الحيرة أفضل كثيراً من الجمود والثبات على موقف واحد باعتباره الحقيقة الكاملة.

ينشر باتفاق خاص مع موقع «الجمهورية» السوري.

اعلان
 
 
بيشوي مجدي