Define your generation here. Generation What

أربعة أسباب تبيّن لماذا يتوجّب على التعليم المدرسي الإجباري السقوط

في مقاله المنشور بموقع «سايكولوجي توداي»، يعدد الكاتب بيتر جراي أربعة أسباب تدفعه للاعتقاد بأن نظام التعليم المدرسي موشك على الانهيار، وأن المزيد والمزيد من الطلبة والطالبات يلجأون الآن إلى التعليم بطرق مختلفة وبديلة و«طبيعية»، أو كما يسميه «التعليم الموجه ذاتيًا». ينشر «مدى مصر» هنا الترجمة الكاملة للمقال بالاتفاق مع الكاتب.

ترجمة: أيمن الحسيني

لقد وُصفت بالمتفائل المجنون والمستبشر والمثالي الحالِم. كيف لي أن أؤمن بأن نظامنا للتعليم المدرسي الإلزامي (الإجباري) في سبيله للانهيار؟ يُشير الناس إلى أن نظام التعليم المدرسي أصبح الآن أقوى من نواحٍ عديدة من أي وقتٍ مضى. فهو يستحوذ على المزيد من وقت الأطفال، ويبتلع المزيد من المال العام، ويوظّف المزيد من الناس، وأصبحت الحكومة تسيطر عليه – وعبر مستويات حكومية أعلى من السابق – بإحكامٍ متزايد عن أي وقتٍ مضى. وبالتالي ما الذي يدفعني لأن أؤمن أنه بسبيله للانهيار – بطيئًا في البداية وبصورة أسرع بعدها – على مدار السنوات العشر المقبلة أو نحو ذلك؟ أُقدّم هنا أربعة أسباب (اقتبستها من الموقع الإلكتروني للتحالف من أجل تعليم موجه ذاتيًا):

أولًا: مدارسنا الإجبارية باتت ضارة بالأطفال على نحوٍ متزايد وواضح للجميع

كانت المدارس مقبولة منذ عقود لأنها بالدرجة الأولى لم تكن تقتطع الكثير من وقت الشباب. وتمتع الأطفال والمراهقون بوفرة في الوقت بعد المدرسة، وفي العطلات الأسبوعية، وطوال الصيف من أجل القيام بالأنشطة الموجهة ذاتيًا. لكن على مَر السنوات، توغل نظام التعليم المدرسي داخل حياة الأطفال والعائلات على نحوٍ متزايد، ومُخلّ أكثر من أي وقتٍ مضى. فطالت مدة العام الدراسي (بلغت الآن متوسط 5 أسابيع أطول مما كانت عليه في خمسينيّات القرن الماضي). وارتفع عدد سنوات الانتظام المتطلبة. كما زاد حجم الواجبات المنزلية على نحوٍ بالغ، خاصة في مدارس المرحلة الابتدائية. وفي المقابل، انخفض وقت الفسح المدرسية، أو استُغني عنها تمامًا. وانخفض معدل الأنشطة الترفيهية، مثل الفنون والموسيقى، من المناهج الدراسية بصورة منتظمة لصالح مزيد من الوقت لكتابة أوراق العمل والتجهيز للاختبار. وأصبحت لدى المعلمين حرية أقل في الحياد عن المنهج الدراسي الموحد، وهناك عبء أكبر من أي وقتٍ مضى على عاتق الأطفال لكي يحققوا درجاتٍ أعلى في اختباراتٍ موحدة.

يُمضي الأطفال اليوم عادة وقتًا أطول في المدرسة وفي أداء الواجبات المنزلية مما يُمضيه آباؤهم في وظائفهم ذات الدوام الكامل، وعادة ما تشكل مهام التعليم المدرسي عبئًا أثقل وتسبب إجهادًا أكبر من وظيفة تقليدية يؤديها البالغون. منذ قرنٍ من الزمان توصلنا إلى نتيجة مفادها أن عمالة الأطفال بدوامٍ كامل تُعد انتهاكًا للطفل، لذا حظرناها، أما الآن فالمدرسة هي المُكافئ لعمالة الأطفال بدوامٍ كامل.

يدفع الوقت والضجر والضغط المتزايد للتعليم المدرسي العديد من الأطفال إلى حافة الانهيار أو لما هو أبعد من ذلك، وبات المزيد والمزيد من الناس على دراية بذلك. فلم يعد بالإمكان أن نصدق أن التعليم المدرسي تجربة ناجعة للأطفال. والأدلة قاطعة على أنها تدفع إلى المرض. أذكر هنا بعضًا من هذه الأدلة:

كشفت دراسة واسعة النطاق تضمنت مئات الطلاب من مناطق تعليمية متعددة، واستخدمت طريقة أخذ العينات والتجربة، أن الطلاب كانوا أقل سعادةً في المدرسة من أي محيط آخر يجدون أنفسهم فيه بصورة منتظمة.

العنف اللفظي الذي يرتكبه المعلمون أمر شائع الحدوث. ففي إحدى المسوح، على سبيل المثال، أفاد 64% من طلاب المدارس المتوسطة بتعرضهم لأعراض توتر بسبب عنف لفظي من المعلمين. وكشفت دراسة أخرى أن حوالي 30% من الأولاد يتعرضون لعنفٍ لفظي من قِبل معلميهم في رياض الأطفال، وازداد معدل العنف في السنوات التالية لهذه المرحلة. بينما تُشير المسوح المُجراة على البالغين أن بين 50% إلى 60% استدعوا من ذاكرتهم تجارب ذات صلة بالمدرسة كانت، من وجهة نظرهم، صادمة نفسيًا.

في دراسة أُجريت فيها مقابلات مع البالغين لمعرفة المزيد عن تجارب تعلُم إيجابية وناجحة في إطار تعليمهم المدرسي، تمكّن القليل فقط من استدعاء تجارب كهذه، لكن العديد منهم استدعى تجارب سلبية، والتي تعارضت مع نموهم بدلًا من أن تدعمه.

وُجد أن معدلات هرمون الكورتيزول في الشعر لدى الأطفال الصغار أعلى بكثير في عيناتٍ أُخذت بعد مُضي شهرين على بداية المدرسة الابتدائية عن مثيلاتها من العينات المأخوذة قبل شهرين من بداية المدرسة الابتدائية. يعكس معدل هرمون الكورتيزول في الشعر الإصابة بالقلق المزمن، وهو نوعٌ من القلق يمكنه إعاقة النمو الجسدي والإضرار بالصحة على نحوٍ خطير.

كشف مسح وطني أجرته على نطاقٍ واسع جمعية علم النفس الأميركية (تجد تقريرًا عنه هنا) أن المراهقين الأميركيين يشعرون بالإجهاد أكثر مما يشعر به البالغون، وأن المدرسة هي السبب الرئيسي لشعورهم بذلك إلى حدٍ بعيد (وفقًا لما ذكره 83% من المشاركين بالعينة). وفي نفس الدراسة، أفاد 27% من المراهقين بتعرضهم للـ«الإجهاد الشديد» أثناء العام الدراسي، مقارنة بنسبة 13% أفادت بتعرضها لنفس الشيء خلال عطلة الصيف.

وُجد أن معدل الزيارات بسبب أمراض الصحة النفسية في حالاتها الطارئة التي تُفضي إلى الاحتجاز لليلة على الأقل (نوع الزيارات الناجم عن التعرض لحالات انهيار عصبي حادة أو محاولات الانتحار) لدى مركز طبي للأطفال بلغ في أشهر الدراسة أكثر من ضعف النسبة في أشهر عطلة الصيف (هنا).

في الوقت الحالي، يُشخّص 25% من الأولاد في سن المدرسة بأعراض قصور الانتباه مع فرط الحركة، وهو «اضطراب» يُحدَد إلى درجة كبيرة بناءً على فشل الطلاب في التأقلم مع ملل التعليم المدرسي، ومعظم هؤلاء يخضعون للعلاج بتناول عقاقير قوية المفعول من أجل حملهم على التأقلم (هنا).

وبالتالي لا يصبح أمرًا غير معقولٍ القول بأن التعليم المدرسي الموحد يُعد دربًا من ممارسة العنف ضد الأطفال الذي تتبناه الدولة (بل حتى تقرّه). هذا الاعتقاد يتوصّل له المزيد والمزيد من الناس، ولهذا السبب يبحث هؤلاء عن طرقٍ لإخراج أطفالهم من هذه المدارس. (للمزيد حول الضرر الناجم عن التعليم المدرسي الموحد، انظر هنا).

ثانيًا: تزايدت الأدلة على أن الأطفال والمراهقين بإمكانهم تعليم أنفسهم ذاتيًا بنجاحٍ ملحوظ من دون حاجة للتعليم المدرسي الإجباري

ظلّت Summerhill (المدرسة الداخلية الشهيرة التي تتبنى تعليمًا موجه ذاتيًا، والتي أسسها أليكزاندر نييل) تعمل في إنجلترا لما يقرب قرنًا من الزمان. وتفتح Sudbury Valley (المدرسة المشهورة بتبنيها تعليمًا موجه ذاتيًا، والتي أسسها دانييل جرينبيرج وآخرون) أبوابها في ماساتشوستس منذ ما يقرب من نصف قرن، وقد نشأت العشرات من المدارس الأخرى على غرارها. وها هي أربعين عامًا قد مضت منذ أن صاغ المربي والفيلسوف جون هولت مصطلح «اللامدرسيّة» لوصف ممارسة التعليم المنزلي الذي يسمح للأطفال بمزاولة اهتماماتهم الخاصة، من دون منهجٍ دراسي مفروض.

على مَرّ العقود القليلةٍ الماضية، قامت عدة آلاف من الشباب، أتت من خلفياتٍ واسعة، بتعليم أنفسهم ذاتيًا عبر هذه الوسائل، وقد أظهرت الدراسات المتابعة لحالاتهم أنهم يبلون بلاءً حسنًا في حياتهم. فلم تكن لديهم أية صعوباتٍ ظاهرة في السماح لهم بالالتحاق بالجامعات أو التكيُف مع متطلبات التعليم الجامعي التقليدي، إذا ما اختاروا هذا الطريق، وقد كانوا ناجحين في كافة المهن التي نقدّرها نحن في مجتمعنا. وعندما أصبحوا بالغين، أشاروا بشكلٍ عام إلى أن تجربتهم مع التعليم الموجه ذاتيًا عادت عليهم بالنفع عبر السماح لهم بتطوير اهتماماتهم الخاصة (والتي عادةً ما تحوّلت إلى مهن) وتعزيز صفات مثل المسئولية الشخصية وروح المبادرة والابتكار والفضول والتفكير النقدي والقدرة على التواصل جيدًا مع الآخرين بصرف النظر عن وضعهم الاجتماعي. (ملاحظة: لقد فصّلتُ في موضوع الأسس البيولوجية للتعليم الموجه ذاتيًا، والأسباب التي تجعله يعمل على نحوٍ ممتاز، في كثيرٍ من المقالات السابقة، لكن من أجل الرجوع إلى تعريفاتٍ وتفسيراتٍ موجزة انظر هنا وهنا).

وفي السنوات الأخيرة، نجد مزيد من العائلات تختار التعليم الموجه ذاتيًا من أجل أطفالهم، ويرجع ذلك جزئيًا إلى الوعي المتنامي بنجاح التعليم الموجه ذاتيًا وجزئيًا من ناحية أخرى لارتفاع مستوى تسمم المدارس الإجبارية. ومع اختيار مزيد من العائلات لهذا التعليم، يصبح مزيد من الناس على دراية بأشخاصٍ اختاروا هذا النوع وبإمكانهم رؤية دليل مباشر عن كثب لنجاحه. وعند نقطة معينة، عندما يرى الجميع الدليل بأنفسهم، ستُفتح البوابات وستصبح المدارس الإجبارية خاوية على نفسها. سيبدأ الناس في المطالبة بأن توجّه بعض الأموال العامة، والتي تُنفق حاليًا على المدارس الإجبارية، لتُنفق على مراكز التعلُم والمرافق الأخرى التي تدعم التعليم الموجه ذاتيًا، بحيث يتوفر هذا الخيار أمام جميع العائلات، بصرف النظر عن مستوى دخلهم.

ثالثًا: أصبح تبنّي التعليم الموجه ذاتيًا الآن أسهل مما كان عليه الحال في الماضي

لقد بات من السهل تبنّي التعليم الموجه ذاتيًا. ويكمن أحد أسباب ذلك في العدد المتزايد للعائلات التي تختار سلوك هذا الطريق، وبالتالي، التقبل المتزايد للتعليم الموجه ذاتيًا في الثقافة ككل. لقد تزايد توافر المدارس ومراكز التعلُم المصممة من أجل التعليم الموجه ذاتيًا، وأصبح عدد المتعلمين منزليًا المنخرطين في تعليم موجه ذاتيًا في ارتفاعٍ هو الآخر. وبينما يصبح التعليم الموجه ذاتيًا أكثر انتشارًا، ويتعرّف المزيد والمزيد من الناس، بمَن فيهم السُلطات التربوية، على شبابٍ صغار يسلكون هذا الطريق ويرون نجاحهم، تقل الحواجز الاجتماعية أمام هذا النوع من التعليم.

وسبب آخر للسهولة المتزايدة في احتضان التعليم الموجه ذاتيًا يرجع إلى التكنولوجيا. فاليوم، يمكن لأي شخص يمتلك حاسوبًا واتصالًا بالإنترنت أن يلج إلى كل المعلومات المتوافرة على مستوى العالم بشكلٍ أساسي. ويمكن للمتعلمين عبر التوجيه الذاتي، الذين يريدون دراسة أي موضوع تقريبًا، أن يجدوا مقالاتٍ ومقاطع فيديو ومجموعات نقاش وحتى مساقات مفتوحة عبر الإنترنت مخصصة لهذا الموضوع. بإمكانهم تحصيل المعلومات ومشاركة الأفكار مع الخبراء والمبتدئين على السواء، عبر كافة أنحاء العالم، ممَن لديهم اهتمامات مشابهة لاهتماماتهم. وبينما يتحتم على الطلاب في المدارس الموحدة أن يدرسوا ما تُمليه عليهم المدرسة فحسب، وبالطرق التي تقررها المدرسة فقط؛ يمكن للمتعلمين عبر التوجيه الذاتي أن يجدوا الموضوعات ووسائل الدراسة التي تتوافق مع اهتماماتهم وأنماط تعلُمهم الخاصة. لا يُعرقَل المتعلمون عبر التوجيه الذاتي بالوتيرة البطيئة للمادة الدراسية بالمدرسة، كما لا يُحملون على الاندفاع سريعًا في الوقت الذي يحتاجون فيه فُسحة من الوقت للتفكر والغوص عميقًا في أي جانب من الموضوع الذي يهتمون بالتطرق إليه.

رابعًا: التغييرات في الاقتصاد تصب في صالح المهارات التي ينمّيها التعليم الموجه ذاتيًا

بفضل التغييرات التي يخضع لها شكل حياتنا، أضحت المهارات التي ينمّيها التعليم المدرسي الإجباري أقل قيمةً، وتلك التي ينمّيها التعليم الموجه ذاتيًا أعلى قيمةً، وهذا الأمر بات ينطبق على يومنا هذا أكثر مما كان في الماضي. إذ لم نعُد في حاجة إلى أفرادٍ بإمكانهم استظهار واجترار الكثير من المعلومات، فلدينا جوجل من أجل هذه المهمة. كما لم نعد بحاجة للكثير من الناس للقيام بأعمال روتينية، ومهام شاقة يُمليها عليهم الآخرون، فلدينا الروبوتات لهذه المهمة أيضًا.

ما نحتاج إليه بالفعل، وسنظل في حاجة إليه، هو أناس يفكرون بشكل نقدي وخلاّق، ويبتكرون، ويطرحون ويجيبون على أسئلة لم يفكر أحدهم من قبل بها، ويجلبون قيمًا أخلاقية وشعورًا غامرًا بالغاية والهدف، إلى مساحة العمل. هذه هي نوع المهارات التي يصقلها باستمرار التعليم الموجه ذاتيًا. أما في المدارس الإجبارية، فالشرط المتطلب بأن يتبع الجميع نفس المنهج الدراسي، مدفوعين بالثواب والعقاب بدلًا من الاهتمام الأصيل، كفيل بمنع معظم الطلاب من تطوير اهتماماتٍ جامحة أو فهمٍ عميق أو إحساسٍ بغاية وهدف بخلاف محض النجاح في الانتقال إلى مرحلة تالية.

***

أسمع البعض يقول: «حسنًا، هذه كلها أسباب جيدة وراء وجوب الإطاحة بنظامنا للتعليم المدرسي الإجباري قريبًا؛ لكن هل يسقط قريبًا بالفعل؟»

نعم، سيسقط، لأنه حقيقةً في طريقه لبلوغ نهاية المطاف. في حقيقة الأمر، كثير من البُغض المتزايد للمدرسة تحقق تحديدًا بسبب الاعتراف المتزايد بأن مدارسنا تفشل. وفي الفترات الأخيرة، حاولنا بحُمقٍ «إصلاح» المدارس عبر فعل المزيد من الأمور التي لا تنجح. لكن هذا الأمر لا يمكنه الاستمرار إلى الأبد. ستهب الثورة ليس بسبب أن السُلطات داخل نظام التعليم المدرسي الإجباري أصبحوا مستنيرين، لكن لأن عددًا متزايدًا من العائلات الواقعة ضحية لهذا النظام ستُدرك أن أمامها خيارًا – خيارًا جيدًا – وسيسلكونه.

لكن دعونا لا ننتظر وقوع هذا التغيير الاجتماعي فحسب؛ هيا بنا ندفع به قُدُمًا. دعونا نشكّل حركة منظمة لنُخبر الناس بهذا الخيار وكيف يمكنهم اللجوء إليه. هذا هو هدف المنظمة غير الربحية الجديدة التي أنا جزءٌ منها – التحالف من أجل تعليم موجه ذاتيًا. ربما قد تودون الانضمام إليها.

اعلان