Define your generation here. Generation What

تاريخ الحسبة من التياتروهات إلى الضبطية القضائية: امسك فنان

بعد أكثر من ثمانية أشهر على الحكم بإلغاء قرار وزير العدل بمنح صفة مأموري الضبط القضائي لستة من أعضاء نقابة المهن التمثيلية، من ضمنهم النقيب أشرف زكي، تقرر تحريك أوراق الدعوى إلى المحكمة الدستورية العليا يوم الاثنين 23 يناير 2017 برقم صادر من مجلس الدولة، وهو 294 لسنة 2017.

ولتتضح لنا أهمية هذا الحكم وسبب قرار محكمة القضاء الإداري ومستشارها الجليل أحمد الشاذلي بإحالة مواد قانون نقابة المهن التمثيلية إلى المحكمة الدستورية العليا لإلغائه، فمن الواجب إلقاء الضوء على خلفية إصدار وزير العدل لهذا القرار.

***

من تصريحات نقيب المهن التمثيلية أشرف زكي:

في حوار مع جريدة «الشروق»: «الضبطية القضائية لن تُستخدم ضد أي فنان حقيقي».

في حوار مع برنامج «السادة المحترمون»: «إحنا مش بنتكلم على السبكي ولا إسعاد يونس.. الناس المحترمة العظيمة دي».

في حوار مع جريدة «صدى البلد»: «النقابة بالفعل بدأت في استخدام حقها في الضبطية القضائية بوقف الفنان التونسي تميم عبده عن ممارسة مهنة التمثيل».

استفزت تصريحات مسؤولي نقابة المهن التمثيلية بعضًا من الفنانين، حتى أنهم قرروا رفع دعوى أمام محكمة القضاء الإداري لإلغاء قرار وزير العدل وقتها أحمد الزند، وعلى رأس هؤلاء الفنانين كانت المخرجة هالة لطفي صاحبة فيلم «الخروج للنهار»، والذي اختاره مهرجان دبي السينمائي الدولي كواحد من أهم 100 فيلم عربي أُنتجت خلال القرن الماضي.

قررت لطفي خوض غمار المعركة، وانضمت إليها فيما بعد مجموعة من المخرجين والمنتجين وشباب الممثلين، ولم تتوقف الطلبات عند إلغاء القرار الوزاري، وإنما تعدته لإلغاء المادة 5 مكرر من قانون رقم 35 لسنة 1978 بشأن نقابات المهن التمثيلية والسينمائية والموسيقية ، والتي تجبر الممثلين على الحصول على تصريح من النقابة لممارسة عملهم، كما تُلزم من يقوم بعمل مؤقت متعلق بالتمثيل بدفع رسم من أجل السماح له بذلك، وإلا فمن حق النقابة المطالبة بحبسه وتغريمه عقوبة تصل للحبس لثلاثة أشهر وغرامة تصل إلى 20 ألف جنيهًا مصريًا.

وأقامت هالة لطفي الدعوى ضد رئيس مجلس الوزراء ووزير العدل ووزير الثقافة، لكون الأخير من اقترح بكتاب موجه لوزير العدل إصدار القرار، بالإضافة بالطبع لأشرف زكي والخمسة الآخرين أصحاب صفة الضبطية.

في البدء كان «المحتسب»

بينما صرّح أشرف حسن طلبة، أحد الممنوحة لهم صفة الضبطية بمجلس نقابة المهن التمثيلية في حوار لموقع «دوت مصر» بأن «صفة الضبطية القضائية التي منحت لستة من أعضاء النقابة، ليست للقبض على الفنانين»، وأن «الأمر بعيد تمامًا عن الإبلاغ أو معاقبة أي فنان له آراء سياسية»، فقد رأينا الفنان أحمد مالك يحال للتحقيق على خلفية نشره فيديو مسيئًا للشرطة.

عرف التاريخ المصري نظام «الحسبة»، حيث كانت للمُحتسب اختصاصات مُتعددة تتشابه مع اختصاصات الضبطية القضائية اليوم، وتتمثل في مراقبة الآداب والسلوك العام، فكان له منع تعرض الرجال للنساء في الطرقات، ومنع لعب النرد أو شرب الخمر، والبحث عن الجرائم وتعقب المجرمين تمهيدًا لإقامة الحدود عليهم. كذلك لمأمور الضبط القضائي اليوم البحث عن الجرائم ومُرتكبيها، كما يُعطى الحق في جمع أي دليل لإثبات قيام الفاعل بالجريمة، وله في سبيل ذلك استجواب الشهود جمهور الحفل أو العرض المسرحيومنعهم من مغادرة المكان. إذن فأي تصريح لمسؤولي النقابات الفنية، حول كون قرار «الضبطية القضائية» لا يعطيهم هذه الحقوق، ما هو إلا محض تضليل.

و توضح المادة 34 من قانون الإجراءات الجنائية أن من حق الممنوحة له صفة الضبطية إصدار أمر ضبط وإحضار للمُتهم – الفنانفي حالة تغيبه عن الواقعة – العرض الفني، أما في حالة حضوره فله الحق في القبض عليه.

ثم جاء «قانون التياترات»

صرح نقيب المهن التمثيلية أشرف زكي في حوار برنامج «السادة المحترمون» بأن: «الضبطية القضائية مش جديدة. إحنا عندنا الضبطية القضائية من 2006».

وبالفعل، لم تكن هذه الحالة الأولى لإعطاء صفة الضبطية القضائية لممارستها في مواجهة الفنانين، ولكن قبل تتبع قرار الضبطية الصادر في عام 2006 سنعود للوراء قليلًا، إلى أحد بدايات مراقبة الفنانين داخل المسارح، والتي كانت منتشرة في هذا الوقت كأحد أهم الأشكال الفنية المعروفة.

وجود مبدعين برؤوس أمناء شرطة هو المُهدد الحقيقي للإبداع، خاصة أن من يطالبون بحماية العامة من خدش حيائهم، هم أنفسهم أول من يخدشونه

صدرت «لائحة التياترات» –أماكن العروض الفنيةفي 13 يوليو 1911، معطية الاختصاص لما سُمي وقتها «قومسيون التياترات» بأن يعيّن مندوبين لتفتيش التياترات، على أن يكون هذا لمرة واحدة على الأقل سنويًا. وكان القومسيون يضم حكمدار البوليس ومفتش الصحة وفنيي كهرباء ومبان بنظارة الداخلية – وزارة الداخلية وقتهاومأمور القسم الواقع في دائرته التياترو، وبنظرة عابرة تمكن ملاحظة أن أيًا من أعضاء القومسيون لم يكن فنانًا، فمن الواضح وقتها أنه لم يكن مقبولًا من الفنان أن يمارس عمل صولات البوليسأمناء الشرطة.

وبعد ما يقرب من قرن، وتحديدًا في 1 أبريل 2006، عاد قومسيون التياترات بصيغة جديدة، حيث أُعطي أشرف زكي ورياض الخولي «وكيل نقابة المهن التمثيلية» وأربعة آخرون صفة مأموري الضبط القضائية، كما جُددت هذه الصفة عام 2012 مع حلمي فودة «أمين صندوق نقابة المهن التمثيلية».

لم تكف كل هذه السنوات السيد نقيب المهن التمثيلية، حتى يقر بعدم جدوى هذه الآلية في مواجهة الفن «غير الحقيقي» على حد قوله، بل أنه طالب بحماس منقطع النظير أن تُجدد له الصفة.

وبعدما اُعطي مجلس نقابة التمثيليين الضبطية، أطل علينا الزند، وزير العدل وقتها، في 9 نوفمبر 2015 مرة أخرى ليعطي هذه المرة الضبطية القضائية لأعضاء نقابة المهن الموسيقية.

«المهن الموسيقية» على الخط

هاني شاكر في مداخلة هاتفية مع برنامج «السادة المحترمون» عن قانون «الضبطية»: «الهدف منه ضبط المخالفات والفساد المالي والإداري، وليس له علاقة بالفساد الفني».

في لقاء جمع بين نقيب المهن الموسيقية هاني شاكر، طرح الأخير فكرة إعطاء بعضًا من أعضاء نقابته صفة الضبطية القضائية، واستجاب لتلك الفكرة وزير العدل، محددًا ثلاثة أسماء ليس من بينها شاكر. وانهالت تصريحات النقيب عن كون الفرحة بين جموع الموسيقيين عارمة احتفاء بالقرار وتقديرًا له، إلا أنه لم يستطيع تجاهل الرد على تقييد القرار لحرية الإبداع ، فأسهب في شرح ماهية «الضبطية القضائية»، مؤكدًا ألا خوف علي حرية المبدعين منها، وأن وجودها ليس لإجبار الموسيقيين علي دفع مبالغ ماليه للنقابة مقابل تصريح لهم بالعمل، لا سمح الله، وإنما هو «لمواجهة الفساد المالي والإداري» داخل النقابة.

حاول شاكر في هذه الخطوة تفادي ما سبقه إليه أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية، الذي أوضح حينها أن من لم يلتزم بدفع المبلغ المالي لصالح النقابة للتصريح له بالتمثيل فلن يسعه القيام بأي عمل له علاقة بالتمثيل، وإلا يستلزم الأمر ضبطه قضائيًا.

ولكن على الناحية الأخرى فقد صرح أحمد رمضان سكرتير نقابة الموسيقيين لجريدة «الوطن» بأن «القرار سيطبق على من يزاول المهنة بدون كارنيه، والمنتج وصاحب العمل الذي يمنح عملًا دون ترخيص»، وهو ما يناقض ما قاله نقيب الموسيقيين من أنه لا مساس بالمبدعين ولا مطالبات بأي تصريحات للعمل الابداعي.

***

يمكن القول إن توجه الدولة الحالي لقمع الحريات نال من المبدعين، حين قرر القانون معاقبة من قام بعمل فني، سواء كان سينمائيًا أو تمثيليًا أو موسيقيًا، بعقوبة تصل للحبس لثلاثة أشهر وغرامة تصل إلي 20 ألف جنيهًا مصريًا، كما يمكن القول إن وجود مبدعين برؤوس أمناء شرطة هو المُهدد الحقيقي للإبداع، خاصة أن من يطالبون بحماية العامة من خدش حيائهم، هم أنفسهم أول من يخدشونه، كما حدث مع الراقصة برديس والتي قضت ثلاثة أشهر في الحبس بسبب خدشها للحياء العام في فيديو بُث على قنوات فضائية، ولكن قبل مرور عام على خروجها أحضرها أحد مسؤولي نقابة المهن الموسيقية لترقص في فرح ابنه.

الصراع على الضبطية القضائية

ما هو القانون رقم 5 و5 مكرر الذي قرر رئيس محكمة القضاء الإداري إحالته للمحكمة الدستورية العليا؟

سنبتعد هنا قليلًا عن الضبطية القضائية في ذاتها، كإجراء تتخذه النقابات الفنية المذكورة لردع كل من تسول له نفسه القيام بأي عمل إبداعي خارج سيطرتها ومفهومها عن الفن الحقيقي، لنركز على القانون الذي أعطى لهذه النقابات الحق بتجريم العمل الفني، وهو قانون نقابات واتحادات نقابات المهن التمثيلية والسينمائية والموسيقية، رقم 35 لسنة 1978، وينص على أنه لا يجوز لأحد الاشتغال بفنون المسرح أو السينما أو الموسيقى ما لم يكن عضوًا عاملًا بالنقابة، وبالنسبة لغير الأعضاء العاملين، كالعضو المنتسب وعضو الشرف، فقد ألزمهم القانون بأخذ تصريح مؤقت لكل عمل يقومون به، أو لفترة معينة، وذلك بمقابل مادي، يصل إلى عشرة آلاف جنيهًا للمصريين و20 ألفًا للأجانب، ثم نص القانون على حبس المخالف لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر وغرامة تصل إلى 20 ألف جنيه.

علي العكس من نقابات فنية أخرى، لا تحاول احتكار الفن الذي تنظمه، مثل «نقابة التشكيليين المصرية»، تأتي نقابتا المهن التمثيلية والموسيقية لتحتكرا الأعمال الفنية ولتنصبا من نفسيهما أوصياء على الفن

في عام 1997، حُكم على المادتين 5 و5 مكرر بعدم دستوريتهما، وذلك في القضية الشهيرة للمُخرج السينمائي سمير سيف الذي أخرج عملًا مسرحيًا، وهو «الحب في التخشيبة» لصالح فرقة «ثلاثي أضواء المسرح»، دون أن يكون مقيدًا في نقابة المهن التمثيلية، وقاضته وقتها النقابة، فطعن هو بعدم دستورية هاتين المادتين، وحُكم له بمخالفة المادتين للدستور وأُوجب على المُشرع تغييرهما. لذلك صدر قانون بتعديلهما بعد ست سنوات من الحكم بعدم دستوريتها، ليأتي التعديل على نحو أسوأ مما كانت عليه المادتان، حين أبقى على العقوبة كما هي، وعدَّل نسبة المبلغ المالي الذي ستأخذه النقابة عن كل عمل، بدلًا من إلغائه بالكامل، كما حثت بذلك حيثيات الحكم.

وردَّ على ذلك حكمُ محكمة القضاء الإداري، الذي أوقف تنفيذ الضبطية القضائية في حيثيات حكمه التي تعدت 17 صفحة، وذلك بنصه:

«ولما كان التنظيم النقابي في جوهره لا يعتبر قيدًا على حرية الإبداع التي يمارسها العاملون في المهن التمثيلية أو السينمائية أو الموسيقيةومن ثم فإن اقتضاءها لتلك المبالغ في حدها الأقصى، ودون تحديد حد أدنى لتلك المبالغ، إنما يشكل قيدًا على أعمال الإبداع الفني التمثيلي، يتجاوز ما يفترض أصلًا من تشجيعها وإنمائها والحض عليها بكل الوسائل».

(جزء من حيثيات الحكم الصادر من مجلس الدولة، محكمة القضاء الإداري، الدائرة الثانية، في الدعوى رقم 8330 لسنة 70 قضائية، وهو الحكم الذي قضى بإلغاء الضبطية القضائية)

ثم أوضح الحكم بعدها عدم دستورية أي مبالغ مالية تؤخذ من الفنانين لممارستهم العمل الفني، وأخذ يوضح ويفصل أن ذلك يُعد قهرًا للمبدعين ومخالفة لمواد الدستور، وخاصة المادة 67 منه، التي تلزم أجهزة الدولة برعاية المبدعين وحمايتهم.

«ولا ريب في أن فرض رسم على التصريح بالعمل الابداعي على هذا النحو لا يتناسب مع بيئة العمل الابداعي الذي يقوم على الابتكار والخلق والتجديدولا ريب في أن إلزام طالب التصريح بمزاولة العمل الفني التمثيلي بأداء مبالغ مالية في حدودها القصوى السالف بيانها مقابل حصوله على التصريح بالعمل يمثل قهرًا للإبداع وعدوانًا مباشرًا عليه

علي العكس من نقابات فنية أخرى، لا تحاول احتكار الفن الذي تنظمه، مثل «نقابة التشكيليين المصرية»، تأتي نقابتا المهن التمثيلية والموسيقية لتحتكرا الأعمال الفنية ولتنصبا من نفسيهما أوصياء على الفن. الفساد الذي تجب مواجهته بالفعل، وقبل مواجهة أنواع الفن المختلفة بحجة ابتذالها، والتي قد تتغير نظرة المجتمع لها ما بين ليلة وضحاها، هو فساد النقابات الفنية وقمعها لحرية الإبداع، بدلًا من حمايتها وتوفير المناخ الجيد والأمان للفنانين.

اعلان
 
 
محمود عثمان