Define your generation here. Generation What

زيادة حرارة العالم: مصير التغير المناخي في عهد ترامب

كانت أولى المهام التي قام بها دونالد ترامب بمجرد تنصيبه رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية هي «ازالة» صفحة التغير المناخي من الموقع الإلكتروني الرسمي للبيت الأبيض. ووسط أجواء المعارضة الصاخبة التي أحاطت بالرئيس الجديد، استطاع الرئيس بهذا التوجه استعداء كذلك الدوائر العلمية الرفيعة في الولايات المتحدة. ولم يكن هذا الإجراء المروِّع مفاجأة للمواطن في أمريكا أو خارجها على وجه العموم، أو للمجتمع العلمي يشكل خاص، فقد اعتاد الإفصاح عن عدم اقتناعه بفكرة التغير المناخي معتبرًا إياها «خدعة صينية»، كما جاء على لسان منافسته هيلاري كلينتون، وكما أفصح هو بنفسه في إحدى تغريداته على موقع تويتر: «مفهوم الاحترار العالمي اخترعه الصينيون ليجعلوا صناعة الولايات المتحدة غير تنافسية»، وجاءت هذه المقولة ضمن أغرب ثلاثين تصريحًا جاء بها ترامب، وجمعها موقع سي بي إس نيوز.

وقد وعد ترامب بالتخلص من كل سياسات أوباما المتعلقة بالتغير المناخي والتي كانت لها في السابق صفحة بارزة في الموقع الإلكتروني للبيت الأبيض. وكانت هذه أول خطوة ملموسة تشير إلى أن ترامب لا يزال مرتابًا ورافضًا لقبول فكرة التغير المناخي الذي تسبب فيه الإنسان. وخشية أن يتطور الأمر أكثر من ذلك ليشمل بيانات التغير المناخي التي جمعتها وخزنتها حكومة الولايات المتحدة والتي تعتبر الأكثر مصداقية، بذل فريق من علماء خمسين جامعة كل ما لديهم من جهد لإنقاذ بيانات الحكومة الموجودة على مواقع إلكترونية خاصة بوكالة حماية البيئة، وذلك عن طريق تخزينها على أجهزة الحاسوب الخادم، أو «السيرفير»، كما جمع الفريق كل ما توفر من معلومات في وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا»، و«نواا NOAA»، وهيئة المسح الجيولوجي بالولايات المتحدة. وتحتفظ هذه المواقع بالبيانات الرئيسية للمناخ، مثل اتجاه درجات الحرارة، ومستوى انبعاث الغازات، والاحتباس الحراري، وارتفاع مستوى سطح البحر. وقد أطلقت هذه المجموعة العلمية على نفسها اسم «مبادرة 314»، نسبة للرقم أو علامة «ط»، المعروفة لدى الرياضيين. وأعرب مؤسس المبادرة عن تخوفه من ضياع هذه البيانات التي أنفق عليها العلماء جهودهم وأبحاثهم على مر السنين: «إن ما يثير القلق في عدم إتاحة البيانات للجمهور، أن يجري إنكار ظاهرة التغير المناخي تمامًا، وكأن شيئًا لم يكن».

ويقول كريس وورن، المتحدث باسم البيت الأبيض، معللًا ما يحدث بأن لكل رئيس أولوياته، وإذا كانت ظاهرة التغير المناخي على قائمة أولويات أوباما، فإن الإدارة الجديدة لها أسلوب مختلف في النظر إلى العالم؛ إنها تريد زيادة البترول والغاز وكذلك زيادة المرتبات.

في واقع الأمر، فمسألة التغير المناخي قضية خطيرة ولا تخص فقط الولايات المتحدة المتسببة في جزء كبير من الأزمة، بسبب استخدامها المفرط للوقود الأحفوري، ولكنها تخص سكان العالم أجمع، لما يسببه الاحترار من تغيرات مناخية تغيّر شكل الحياة على الأرض وإلى الأبد. والدليل على وجود هذه الظاهرة، كما جاء في موقع وكالة الفضاء الأمريكية، من ناحية ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار 17 سم خلال القرن الماضي، وهو الرقم الذي تضاعف خلال العقد الأخير، ومن ناحية أخرى، زيادة متوسط درجات حرارة الأرض بمقدار درجة واحدة عام 2015 عن المتوسط المأخوذ عام 1880-1899، أي عند بدايات الثورة الصناعية.

و إن كان السيد ترامب لا يلمس هذه التغيرات، فيمكنه الاطلاع بالأرقام على تقلص مساحة جرينلاند (القطب الشمالي) من 250 كم مربع من الجليد، إلى 150 كم مربع فقط ما بين عامي 2002 و2006، بينما فقدت أنتركتيكا (القطب الجنوبي) 152 كم مربع من الجليد ما بين عامي 2002 و2005، بالإضافة إلى تقلص بحر الجليد من حيث السُمْك والحجم في أنتركتيكا. وتوضح العديد من الصور والخرائط تراجع الأنهار الجليدية في كل مكان في العالم، بما في ذلك جبال الألب والهيمالايا والأنديز وجبال روكي، وآلاسكا وجبال أفريقيا. وقد يساعد الرئيس الجديد في معرفة تغير درجات حرارة المحيطات، اللجوءُ للعاملين بمركز NOAA لدراسة المحيطات والغلاف الجوي، حيث أصبحت مياه المحيط أكثر دفئا، وخاصة الـ700 مترًا من السطح، والتي زادت عن معدلها بمقدار 0.302 درجة فهرنهايت.
وربما يلمس بنفسه زيادة عدد أيام القيظ (الارتفاع الشديد في درجات الحرارة) وتناقص عدد مرات حدوث انخفاض كبير في درجة الحرارة، بالإضافة إلى زيادة حمضية المحيطات بنسبة 30%، نتيجة لزيادة انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو، وبالتالي زيادة امتصاص المحيط له بمقدار ملياريْ طن سنويًا.

فاستخدام الأقمار الصناعية، بالإضافة إلى تقنيات أخرى، ساعد العلماء على رؤية الصورة كاملة، وذلك بجمع أنماط مختلفة من المعلومات عن الكوكب والمناخ على مستوى عالمي، والتي تشير في مجملها إلى حدوث تغير مناخي لا تحمد عواقبه.

و يعتقد العلماء أن ظاهرة الاحترار المناخي سببها زيادة نسبة الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وهي ثاني أكسيد الكربون الناتج عن عمليات طبيعية مثل التنفس والانفجارات البركانية والنشاط الإنساني مثل إزالة الغابات وتغير استخدام الإنسان للأرض، وأخطرها احتراق الوقود الأحفوري، وتسبب الإنسان في زيادة نسبة هذا الغاز في الجو إلى الثلث، وهناك أيضا غاز الميثان وأكسيد النيتروز الناتج عن استخدام السماد الطبيعي والصناعي، واحتراق الوقود الأحفوري، وكذلك الكلوروفلوروكربون وهو مركب صناعي تمامًُا يستخدم في الكثير من التطبيقات، ولكن استخدامه قُنّن طبقًا لمعاهدة دولية بحيث يُحد من انتشاره في الغلاف الجوي، بسبب خطورته على طبقة الأوزون.

بينما يتفق العلماء المؤيدون لهذه الظاهرة على ضرورة العمل للحد من ارتفاع درجات الحرارة قبل فوات الأوان، وذلك من خلال معالجة الأسباب المؤدية لذلك واتخاذ الإجراءات الرسمية في شأنها على مستوى العالم بأكمله، نجد السيد دونالد ترامب يسير في اتجاه معاكس تمامًا متجاهلًا اتفاقية باريس، وهي أول اتفاقية على الإطلاق تخص المناخ العالمي وملزمة قانونًا، واعتمدتها 195 دولة، وتضع خطة عمل عالمية لوضع العالم على الطريق الصحيح لتجنب أخطار التغير المناخي، وذلك بتقليص الاحترار العالمي لأقل من درجتين (حيث تُتوقع زيادة متوسط درجة الحرارة بمقدار درجتين عن معدلها خلال عشرين عام، نتيجة لزيادة معدلات ثاني أكسيد الكربون في الهواء الجوي لتصل إلى 450 جزءًا في المليون).

فهل تنجح جهود النشطاء من أفراد وجماعات وحملات توعية داخل الولايات المتحدة وخارجها في خلق رأي عام مؤثر يرد الرئيس الأمريكي إلى صوابه ليتحمل مسؤولياته إزاء قضية التغير المناخي، ليضعها مرة أخرى ضمن أولويات الإدارة الأمريكية؟

اعلان