Define your generation here. Generation What
«بلتون»: التضخم سيرتفع لأعلى معدلاته في يونيو والأثر «إيجابي على الاستثمار»
 
 

توقع بنك الاستثمار «بلتون» أن يصل التضخم إلى أعلى معدل له بنهاية السنة المالية الحالية، في يونيو 2017، ليبلغ 25%، نتيجة السياسات الاقتصادية الأخيرة المقترنة بقرض صندوق النقد الدولي، وهو الأمر الذي اعتبره، في تقرير صادر أمس الأول، «حتميًا» في ظل نفاد مصادر التمويل. لكن التقرير رأى، في الوقت نفسه، أن ارتفاع الأسعار سيشكل حافزًا لزيادة الاستثمار الأجنبي وتوسعات القطاع الخاص؛ خاصة في قطاعات الطاقة والصناعات التي تنتج بدائل للاستيراد.

وأتى توقع «بلتون» للتضخم، في التقرير الصادر عن توقعات العام الحالي بعنوان «الإنعاش الكبير»، أكثر تشاؤمًا من تقدير صندوق النقد الدولي الذي وضعه عند 18.2% في الفترة نفسها، إلا أنه اتفق مع التصور العام لدى برنامج المؤسسة الدولية، مثله مثل تقديرات المجموعة المالية هيرميس.

كان معدل التضخم السنوي قد وصل في ديسمبر الماضي لثاني أعلى مستوى له في ربع قرن ليبلغ 24.3%، وذلك عقب رفع الحكومة لأسعار الوقود في الثالث من نوفمبر وتطبيق ضريبة القيمة المضافة خلال شهر سبتمبر. كما خفض البنك المركزي المصري سعر الصرف في نوفمبر، الأمر الذي أدى إلى خسارة الجنيه نصف قيمته أمام الدولار ليصل إلى 18.75 للدولار اليوم الثلاثاء في البنك الأهلي المصري مقارنة بـ 8.88 قبل التعويم. وبالتوازي مع تحرير سعر الصرف لجأ المركزي لرفع معدلات الفائدة بـ 3% مرة واحدة.

لكن تقرير «بلتون» رأى أن قيمة الجنيه أمام الدولار سوف ترتفع لـ 15.5  بنهاية العام المالي الحالي، قبل أن تتراجع مجددًا لتصل إلى 21 جنيه للدولار بنهاية العام المالي 2018/19. وهو ما يتوافق مع توقع المجموعة المالية هيرميس في تقرير صادر في ديسمبر 2016، بأن قيمة الجنيه أمام الدولار سوف تتحسن لفترة وجيزة بنهاية عام 2017 لتصل إلى ما يتراوح بين 14.5 إلى 15 جنيه للدولار.

وتعد تلك الإجراءات الاقتصادية جزءً من برنامج الحكومة، الذي يهدف إلى إعادة هيكلة الاقتصاد من خلال سياسات مالية تقشفية، وسياسات نقدية انكماشية، وتحرير للأسواق. وبناءً على تلك السياسات، وافق صندوق النقد الدولي على إقراض مصر 12 مليار دولار في نوفمبر الماضي بشرط الالتزام بتنفيذ البرنامج الاقتصادي حتى نهاية فترته المقرونة بالقرض في 2019، وهي الفترة نفسها في تقرير «بلتون».

وعلى الرغم من توقع «بلتون» تباطؤ نمو الاقتصاد في العام المالي الحالي ليبلغ 3.3%، إلا أنه رجح تسارع النمو في الأعوام اللاحقة؛ ليصل إلى 4.3% في العام المالي المقبل، و5.7% بنهاية العام المالي 2018/19. في المقابل، كان تقرير هيرميس أكثر تفاؤلاً حيث توقع أن يصل معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي إلى 3.7% في العام المالي الحالي، قبل أن يرتفع إلى 4.8% في العام المالي المقبل. إلا أن التقريرين اتفقا مع تصور برنامج صندوق النقد الدولي والذي يستهدف تعافي معدلات النمو وصولًا إلى 4.8% في العام المالي المقبل و5.5% في العام المالي 2018/19 من خلال زيادة مساهمة قطاعي الاستثمار والتجارة الخارجية في نمو الناتج المحلي الإجمالي، بدلاً من الوضع الحالي حيث الاستهلاك هو المساهم الرئيسي للنمو.

وأضيف «بلتون» أن تلك السياسات ستحافظ على الضغوط التضخمية حيث سيظل معدل التضخم مرتفعًا، وإن تراجع عن ذروته المتوقعة للعام المالي الجاري، ليبلغ 13% بنهاية العام المالي 2018/19، وهو المعدل الذي يقترب من توقع صندوق النقد الدولي عند 13.3%، ويشير التقرير إلى أنه حتى في ذلك الحين سيظل معدل التضخم مرتفعًا. وتستمر تلك الضغوط التضخمية نتيجة إعادة التسعير التي تشمل كل القطاعات خاصة قطاع الطاقة، ورفع مستويات الأجور «الحتمي» وارتفاع تكاليف الإنتاج والتوسعات للشركات.

«الإنعاش الكبير»: إعادة التسعير لتحفيز الاستثمار

هاني جنينة، مدير قطاع البحوث في بنك الاستثمار «بلتون»، والذي شارك في كتابة التقرير، أوضح لـ «مدى مصر»، أن مفهوم «الإنعاش الكبير» يعني في التقرير أن الهدف من «رفع أسعار الغاز الطبيعي هو تشجيع الشركاء الأجانب على الاستثمار في حقول المياه العميقة، ورفع أسعار الكهرباء لتشجيع الشركات على التوسع، وخفض قيمة الجنيه لتشجيع الاستثمار الأجنبي».

وأشار التقرير إلى لجوء الحكومة المصرية لرفع أسعار شراء الغاز الطبيعي من الشركات في ظل توجه عام لاستبدال حقول الغاز البرية بالكشف في الحقول البحرية، وهو الأمر الذي «يرفع من تكلفة استخراج الغاز 15 ضعفًا». وأضاف التقرير أن الحكومة المصرية تعاقدت مع شركة «إني» الإيطالية، بعد اكتشاف حقل «ظهر»، على سعر 5.88 دولار للمليون وحدة حرارية وهو ما يعد أكثر من ضعف السعر المستقر عليه حتى 2010 البالغ 2.65 دولار للمليون وحدة حرارية. كما اتفقت الحكومة على شراء غاز صخري من بعض الشركاء الأجانب بسعر 5.45 دولار للمليون وحدة حرارية. وتوقع التقرير إعادة تسعير الغاز مع الشركاء الأجانب الآخرين خلال العامين المقبلين لتحفيز الاستثمار.

وأعلنت شركة «إني» الإيطالية في سبتمبر 2015 عن اكتشاف حقل «ظهر» للغاز في المياه المصرية بالبحر الأبيض المتوسط، والذي من المتوقع أن يحتوي على حوالي 30 تريليون قدم مكعب، أو ما يعادل 5.5 مليار برميل بترول، وهو ما قد يلبي الاحتياجات المصرية للطاقة للعقود المقبلة.

وتستهدف مراجعات الأسعار تشجيع الشركاء الأجانب على الاستثمار في قطاع التنقيب والاستخراج للغاز الطبيعي بعدما تراجعت استثماراتهم في السنوات اللاحقة لثورة 2011 بسبب تراكم ديون الحكومة لهم، والتي وصلت إلى 12 مليار دولار عام 2014 قبل أن تعاود الانخفاض إلى أقل من 4 مليارات دولار في الوقت الحالي، بحسب التقرير. وكشف بيان أصدرته السفارة البريطانية في مصر تعليقًا على قرض صندوق النقد، بعد أيام من الموافقة عليه، عن «خطة لتسديد الديون المستحقة لشركات البترول العالمية العاملة في مصر» من أموال القرض.

وكانت الحكومة المصرية قد لجأت للتوسع في استيراد الغاز المسال عندما انخفض إنتاج الشركات الأجنبية في مصر بعد عام 2011؛ ورجح التقرير أن تكلفة المليون وحدة حرارية للغاز المستورد تتراوح من 10.5 لـ 11 دولار. وبحساب فارق سعر الصرف، يعني ذلك أن تكلفة الغاز الطبيعي زادت على الحكومة المصرية من 15 جنيه للمليون وحدة حرارية في 2010، إلى 111 جنيه للغاز المنتج من حقل ظهر، و210 جنيه للغاز المستورد. ومن المتوقع أن تنعكس تلك القفزة في الأسعار على مستوى الأسعار العام بنهاية برنامج تحرير أسعار الطاقة.

وتوقع التقرير أن تزيد بالتبعية أسعار الكهرباء، وهي المستهلك الرئيسي للغاز الطبيعي في مصر، وبالتالي أن تتأثر الاستثمارات في قطاع الكهرباء بالإيجاب. وأشار التقرير إلى أن فاتورة دعم الكهرباء للعام المالي الحالي تضاعفت من 30 مليار جنيه إلى 60 مليار جنيه بعد تحرير سعر الصرف وهو ما انعكس على قرار وزارة الكهرباء بإعادة جدولة برنامج رفع الدعم حيث تم إعادة تسعير الكهرباء للمنازل والصناعات.

وارتفعت أسعار الكهرباء للمستهلكين المتوسطين إلى 0.42 جنيه للكيلو وات في العام المالي الحالي مقارنة بـ 0.35 جنيه في خطة العام نفسه قبل تحرير سعر الصرف، وارتفعت على الشريحة الأقل استهلاكاً من 0.1 جنيه للكيلو وات إلى 0.11 جنيه، فيما ارتفعت على الشريحة الأعلى من الصناعات كثيفة الاعتماد على الطاقة من 0.393 جنيه للكيلو وات إلى 0.465 جنيه والشريحة المتوسطة للصناعات كثيفة الاعتماد على الطاقة من 0.423 جنيه للكيلو وات إلى 0.52 جنيه.

واعتبر «بلتون» الشركة القابضة للكهرباء من أكثر الشركات المصرية اعتمادًا على الاستثمار في صيانة وتوسعات أصولها بشكل دوري «مما يكبدها تكاليف مرتفعة»، تغطيها الشركة من خلال اقتراض بالعملة المحلية والعملة الأجنبية. وبلغ إجمالي الديون العالقة للشركة 98 مليار جنيه بنهاية يونيو 2015، ذلك دون حساب الديون الخاصة بتكاليف بناء شركة سيمنز للثلاث المحطات الكبرى، كما أضاف التقرير.

كما نقل «بلتون» عن دويتشه بنك أن الشركة المصرية اقترضت 3.5 مليار يورو منتصف عام 2016، وهو ما يرفع إجمالي الدين العالق إلى 200 مليار جنيه. معتبرًا أن إعادة تسعير الكهرباء للمستهلكين، سواء في المنازل أو في الصناعة، «ضرورة لتلبية احتياجات شركة الكهرباء للاستثمار في ظل استنفادها للقدرة على الاقتراض لكن أيضًا يعد محفزًا للقطاع الخاص على الاستثمار في الكهرباء».

وتتبنى مصر حاليًا خطة لتحرير أسواق الغاز والكهرباء حتى تتيح للقطاع الخاص الدخول في كل مراحل إنتاج وتداول واستيراد الغاز الطبيعي، والدخول أيضًا في إنتاج وتوزيع الكهرباء. وفيما تحدد الشركات القابضة تعريفة الكهرباء والغاز إلا أنها تراعي ربحية الشركات الخاصة حتى تشجعها على الاستثمار. وكانت مسودة قانون لتحرير قطاع الغاز الطبيعي من بين الإجراءات المسبقة المطلوبة لإتمام اتفاق قرض وقعته مصر مع البنك الدولي نهاية العام الماضي، ضمن  طائفة من القوانين الصديقة للمستثمرين والشركات.

كما أوضح خطاب النوايا الموجه من الحكومة المصرية إلى صندوق النقد الدولي أنها تعهدت بتبني استراتيجية إعادة هيكلة قطاع الطاقة بناءً على تقرير يصدره استشاري خارجي، لم تحدده الوثائق، بحلول 31 مارس 2017.

وأضاف «بلتون» في تقريره أن تحفيز الاستثمار كنتيجة لارتفاع الأسعار لا يقتصر على قطاع الطاقة، حيث يتوقع أن تستثمر الصناعات التي تنتج بدائل للاستيراد في التوسع في الانتاج المحلي، مشيرًا إلى اعتزام شركتي هواوي وسامسونج إطلاق مصانع جديدة في مصر.

الجدير بالذكر، أن الحكومة المصرية لجأت إلى رفع الجمارك على قائمة من «السلع الاستفزازية» بهدف خفض عجز الميزان التجاري وتشجيع الإنتاج المحلي. ومنذ العام الماضي، بدأ تطبيق زيادة الضريبة الجمركية على بعض السلع بما يتراوح بين 5 و10%، ليصل إجمالي الضريبة الجمركية إلى 40%، وهي التعديلات التي انصبت في الأساس على الفواكه المستوردة ومنتجات العناية الشخصية والمنسوجات والأجهزة الكهربائية المنزلية.

لكن التقرير أكد على أنه برغم الحاجة المتزايدة للصناعة في مصر للاستثمار في الأصول من أجل الصيانة والتوسعات، بسبب تدهور معدلات تلك الاستثمارات في العقود الماضية، إلا أن ارتفاع الأسعار «يمثل عائقا أمام بعض القطاعات التي قد تواجه ارتفاعاً في تكاليف الصيانة والتوسعات بدون القدرة على تعويضها في السعر النهائي».

التكلفة الاجتماعية

قد تشكل القدرة الشرائية للمستهلكين قيدًا آخر على قدرة الشركات على رفع الأسعار، بعد أن شهدت تدهورًا بسبب ارتفاع معدلات التضخم بشكل أسرع من أي زيادة في الدخول.

وكان المدير العام لمجموعة مالتيبلز الاستثمارية، عمر الشنيطي، قد قال لـ «مدى مصر» في تقرير سابق، إن ارتفاع التضخم «أدى إلى تآكل في القوى الشرائية للناس لأن مستويات الأسعار ارتفعت جدًا، وهو الارتفاع الذي لم توازه مستويات دخول الأفراد، الذين يعملون في الأغلب موظفين سواء في القطاع الخاص أو العام»، مضيفًا أنه يتوقع بداية فترة من الركود التضخمي بعدما شهد الاقتصاد المصري تباطؤًا في النمو خلال الربع اﻷول من العام المالي الحالي، مقارنة بالربع اﻷول من العام المالي الماضي، بفعل تراجع النمو في الاستهلاك والذي يعد المحرك الرئيسي للنمو في الاقتصاد المصري.

لكن «بلتون» يرى أن أشكال الدعم الحالية، سواء دعم الغذاء من خلال بطاقات التموين أو الدعم النقدي من خلال برنامج تكافل وكرامة، «ضرورية وكافية لمواجهة الكلفة الاجتماعية للبرنامج الاقتصادي للحكومة»، كما يتوقع زيادة حتمية في الأجور لمجاراة ارتفاع الأسعار.

ووفقًا لوثائق صندوق النقد الدولي، تلتزم الحكومة بزيادة اﻹنفاق الاجتماعي على برامج الدعم النقدي والمعاش الاجتماعي ووجبات المدارس والتأمين الصحّي والعلاج المجاني للفقراء بمقدار 25 مليار جنيه ، وإنفاق 250 مليون جنيه ﻹنشاء حضانات عامة لدعم قدرة المرأة على البحث عن عمل، وذلك بحلول 30 يونيو من العام الحالي.

اعلان