Define your generation here. Generation What

«القتل مقابل الأمومة»: اختيارات غير عادية

اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي منذ نشرت الشابة المصرية هدير مكاوي صورة مع رضيعها على صفحتها بموقع فيسبوك في بداية شهر يناير 2017، موضّحةً أن الطفل وُلد عن زواج غير رسمي «عُرفي»، لينقسم الجميع بين مؤيدٍ للإنجاب دون زواج ومعارض له، وتعددت الخطابات، كل حسب هدفه.

ولكن ما كان لافتًا للانتباه بحق، هو الخطاب الذي استخدمه الفريقان تجاه الإجهاض كاختيار، مقابل الإنجاب.

لماذا تُمارس النساء الجنس؟

لم تكن الرغبة الجنسية يومًا حِكرًا على الرجال دون غيرهم من الأنواع الاجتماعية، فالنساء مثلًا قد يشتهين ممارسة الجنس، بهدف الاستمتاع لا الإنجاب، رغم القيود المفروضة لمنعهن من ممارسة الجنس إلا في إطار الزواج الموثّق، ذلك الذي إن خرجنّ عنه هوجمن أو أُسندت ممارستهن للجنس لكونهن قطعًاساذجات ومخدوعات.

هذا الإسناد الذي تُمكن من خلاله إعادة قبول النساء الخارجات عن النمط، هو في الأصل «إنكار»، لأنه يجعل من النساء ضحايا، وينفي عنهن رغبتهن الجنسية.

فالنساء إن مارسن الجنس بإرادة حُرة، يقمن بما هو أكثر من مجرد التمرد على القيود الاجتماعية والقانونية، حيث يتحكمن أيضًا بفاعلية في أجسامهن، وهذه الفاعلية لا تتنافى وحسب مع تصوير النساء في العلاقات الجنسية كمفعولات بهنّ، وإنما تعيق كذلك إعادة دمجهن في النظام الاجتماعي. لذلك، بات من الصعب بناء خطاب دعم قوي للشابة هدير مكاوي التي لم تطرح قصتها كـ«ضحية» بالقدر الكافي لإضفاء بُعد درامي مقبول اجتماعيًا.

القتل مقابل الأمومة

بعد لطمة إعلان تزويجها لنفسها، لم تقدم مكاوي نفسها كضحية بشكلٍ يُرضي جموع المحافظين، فجرى تسليط الضوء على حقها في الإنجاب.

فالأغلبية المحافظة تعتبر النساء أمهات بالضرورة، وبكلمات أخرى، فالحمل بالنسبة لهم نتيجة حتمية لممارسة الجنس، سواء كانت في إطار الزواج أو خارجه.

فإن كانت النساء مرفوضات اجتماعيًا لإعلان ممارستهن للجنس خارج إطار الزواج، فهنّ بالتأكيد مقبولات بدرجةٍ ما إن أبقينَ على الحمل، وإن لم يلجأن للإجهاض الذي قد يُصنّف كجريمة قتل عمد في عُرف المحافظين. ولكن ما حدث قَلَبَ الآية، فمن تبنى تصوير الإجهاض باعتباره «جريمة قتل»، ترجيحًا لكفة الشابة، لم يكُن المحافظون، بل التقدميون.

سُيضاف هذا الموقف السخيف لقائمة أكثر ردود أفعال التيار التقدمي خزيًا في مصر، فهؤلاء استخدموا خطابًا قيميًا ذا طابع أصولي لتطبيع حالة الإنجاب دون زواج، بوصفه خروجًا عن النمط الاجتماعي المقبول للإنجاب، بينما لم يكتفوا بإنكار حق نساء أخريات في الامتناع عن الإنجاب لأي غرض، بل وصموهنّ أيضًا كقاتلات، ليتوّجوا بذلك خروج النساء عن نمط الزواج، بإغراقهن في أعماق نمط الأمومة.

وعلى ذِكر الحق الإنجابي، لا نعني هنا فقط الحق في الإنجاب، بل حق الامتناع عنه أيضًا، وحق تأمين الوصول إلى أي من القرارين بأمان قانوني وصحي واجتماعي.

الحمل العقابي والحق في الحياة

كان هذا الجدل هو الكاشف لادعاء رفض المحافظين للإجهاض، كاختيار جائر على حق النطفة في الحياة.

في خلال الشهور الماضية من عملي العام على ملف الإجهاض في مصر، رأيت أن رفض الإجهاض يتراوح بين عدة أسباب، أبرزها إجبار النساء على الحمل كعقاب لهن على ممارستهن الجنس، يليه ادعاء الحرص على حق البويضة المخصّبة في الحياة.

وقد شهدنا عدة حوادث لأطفال رُضّع، انتشرت صورهم على مواقع التواصل الاجتماعي داخل صناديق القمامة، وكيف استدعى السواد الأعظم من القراء تنصّل الأم من الطفل، وكأن الحمل هو ثمن ممارسة النساء للجنس، فيما غاب الشركاء الذكور عن المشهد تمامًا.

هؤلاء من يعاقبون النساء بالحمل، لم يعاقبوا الرجال يومًا بإجبارهم على الاعتراف بالنسب دون حكم محكمة رسمي، وإجراءات تقاضٍ قد ينتج عنها عدم إثبات نسب الطفل لتعثر إثبات الزواج في الأصل، كما حدث في الحكم الأول لقضية هند الحناوي، قبل شهور من إثبات نسب الطفلة بحكم نهائي.

والحمل العقابي هنا، يتناقض مع ادعاء الحرص على حياة البويضة بعد التخصيب، لأن الحق في الحياة يبدأ بعد الولادة وعند البعض في أسابيع أخيرة للحملكالحق في النسب، واستخراج الأوراق الرسمية التي تثبت علاقة الطفل بالدولة كمواطن.

أما في قصة مكاوي، فقد رجحت كفة الإجهاض لدى المحافظين على غير المتوقع، مفضّلين ما يصنفونه كـ«جريمة قتل»، على خروج النساء عن نمط الجنس خارج الزواج الرسمي، أو على معاقبة الرجال كالنساءعلى ممارستهم للجنس، بإلزام الاعتراف بالبنوّة، والامتثال للأبوّة كدور اجتماعي.

هؤلاء يوظفون ما قد ينتج عن ممارسة الجنس، سواء كان حملًا أو إجهاضًا، لإعلاء مواقفهم من تحكم النساء بفعالية في أجسامهن، فإن اختارت النساء الإجهاض، أدانوا الاختيار، وإن اخترن الحمل، أدانوه أيضًا. فما الذي يُمكننا استنتاجه من هذا الاستنكار الدائم غير أن ما يزعجهم هو الاختيار، بغض النظر عن ماهيته؟!

الإجهاض كاختيار غير عادي

ورجوعًا إلى موقف التقدميين، فصياغة الإجهاض بوصفه جريمة قتل وقرارًا يستوجب الوصم، هو مشاركة صريحة في معاناة مئات من المُجهضات في مصر.

وفقًا للمواد (263-260) من قانون العقوبات المصري، يعتبر الإجهاض جنحة قد تصل إلى جناية، وتصل عقوبته إلى السجن المُشدد للمُجهضة وللطبيب المُعاون على الإجهاض، سواء بإجراء عملية جراحية أو صرف جرعة مُحفزة للإجهاض.

فإن كانت النساء تختبر الإجهاض في ظروف قد يتعرضن فيها للسجن، فمن الأرجح أن تكون عملية الإجهاض نفسها غير آمنة طبيًا، ومن المنطقي أن تؤثر على سلامتهن الجسدية والنفسية بعد التجربة، ما قد يجعل تجاوزها أمرًا ليس بالسهولة المُصوّرة.

هذا الطريق المختصر، في عقول التقدميين، بين قرار الإجهاض وإتمامه، ليس قصيرًا في الحقيقة، وإنما تتخلله رحلة عناء.

تبدأ الرحلة بالبحث عن داعمين في إطار سري، وتمر إما بالتعرض لابتزاز الأطباء، كطلب مبالغ طائلة لإجراء العملية أو طلب ممارسة الجنس بعدها، أو الاستغلال في شراء أدوية الإجهاض المنزلي من الصيدليات، بالإضافة للعبء النفسي إن لم تملك المُجهضة حرية الاحتفاظ بالحمل.

فسواء كان الإجهاض عن اضطرار أو قرار، فظروف التجربة قاسية على المُجهضة، بما يكفي لئلا يوصمها أحدهم.

وجدير بالذِكر أن هذا المنع القانوني لم يحِد من عمليات الإجهاض، والتي قد تُجرى بأدوات منزلية كما في السابق، بل أنه جعل إطارها غير آمن ولا يوفر للمُجهضات الرعاية الطبية اللازمة، بما قد يؤثر على صحتهم الجنسية والإنجابية.

فإما أن تلجأ النساء إلى العملية الجراحية، والخيارات هنا محدودة للغاية، بسبب قلة عدد الأطباء الذين يجرون عمليات الإجهاض دون الإبلاغ عن المُجهضة، ما ينتج عنه ارتفاع سعر العملية الجراحية ويجعلها، كاختيار آمن طبيًا، في غير متناول جميع النساء. هذا بالطبع إن افترضنا درجة معقولة من النظافة والتعقيم، لا تُصاب فيها المُجهضة بعدوى أو مضاعفات، لن تستطيع بعدها حتى مقاضاة الطبيب.

وإما أن يلجأن إلى الإجهاض المنزلي/الطبي باستخدام عقاقير قرحة المعدة، والتي هي أيضًا غير متوفرة في الصيدليات، بما فيها الكبرى منها، ما يدفع الصيدليات التي تنجح في توفيره إلى رفع سعر الحبة الواحدة من عشرة جنيهات إلى مائة جنيه مصري، مع الإشارة أنه قد لا ينجح في جميع الحالات.

وفي حالات أشد قسوة وعنفًا تلجأ المُجهضة إلى الأعشاب والطب البديل، أو إلى الإجهاض عن طريق القفز ورفع أدوات ثقيلة، أو إدخال أدوات حادة، كإبر الخياطة وملاعق الطعام، داخل مهبلها لكحت الرحم.

في كل الحالات، لا تستطع المُجهضة اجتياز حاجز القانون واللجوء إلى مركز طبي في حال تعرضت لمضاعفات بعد النزيف، إلا إن كانت واثقة أنه لن يجري الإبلاغ عنها، أي أن الرعاية الطبية ممنوعة إلا في حالة امتلاك المُجهضة للمال الكافي للجوء لمركز طبي خاص.

أما إشكالية الفقد، فمتروكة لكل امرأة حسب إحساسها بالحمل، فهناك من تورّطن عاطفيًا مع الحمل، وهناك من اختبرنه كأنه مجرد زائدة دودية. فلا يصلح عرض التجربة بوصفها شعورًا بالفقد، وهو شعور متغير وفردي، وتجاهل أن المجهضات جميعًا تتشاركن اختبار الإجهاض بشكل غير آمن وغير قانوني ومُحمّل بالأعباء النفسية الراجعة للتكتم والسرية فضلًا عن صعوبة الوصول للإجهاض نفسه.

في النهاية، ورغم عدالة مقصد التقدميين في هذه المعركة، فقد كان خطابهم إشكاليًا ومحفوفًا بمخاطر التنميط وهاوٍيًا نحو قاع الأصولية.

أما عن سؤال: لماذا تشيرون إلى الإجهاض في معركة عن الإنجاب، فإجابته بسيطة: «لأنكم لن تمروا على تجاربنا».

اعلان