Define your generation here. Generation What
«نسلُك طريق ما لُهش راجع»
ما بقي في ذاكرتنا العضلية: المشي كطقس للمقاومة
 
 
 

في 25 يناير من العام الماضي، سارت الناشطة والمعتقلة السابقة سناء سيف من شارع جامعة الدول العربية، قرب منزلها، إلى ميدان التحرير. كتبت سناء على صفحتها على فيسبوك: «من 2011 وأنا كل 25 يناير بامشي في مسيرة مصطفى محمود. آخر ذكرى ثورة حضرتها كانت 2014 وبالرغم من عنف الداخلية قدرت ألتزم بروتيني ومشيت من مصطفى محمود للتحرير. السنة دي، زي كل سنة هامشي من نفس الطريق. لوحدي، بس متأكدة إن فيه سنة جاية، آلاف هيرجعوا يمشوه تاني».

غطت تقارير صحفية قليلة هذه المسيرة، بعناوين من نوعية: «سناء سيف في مسيرة «بمفردها» من مصطفى محمود للتحرير». صارت مسيرة كهذه، بالنسبة لسناء ولآخرين، خطيرةً للغاية منذ فرض قانون تنظيم التظاهر في نوفمبر 2013. لكن، لحسن حظ السائرين بمفردهم، يتطلب الاحتجاج أعدادًا كبيرة بما فيه الكفاية ليظهروا كمجموعة يمكن ملاحظتها.

ومن أجل فهم أفضل لتأثير مسيرة سناء ولماذا يتعلق الأمر بي، نظرت إلى خريطة للقاهرة وسألت نفسي: بم تذكرني مسيرتها؟ هل يتذكر أي جزء مني هذه المسيرة وكأنها مسيرتي؟ للإجابة على هذه الأسئلة، سآخذ ثلاثة انعطافات رئيسية.

حارة الذكرى

كانت هناك لحظة في الماضي القريب سرت فيها في الحي الذي تعيش فيه ضمن مجموعة ضخمة من الناس، يدعمونك وتدعمهم، تغيّر معهم، تتحداهم، بل وحتى تشوش على هتافاتهم أحيانًا. لكن الآن، وقد مرت بضعة أعوام، أصبحت تعرف عن الأحياء المجاورة أكثر مما كنت تعرف حين بدأت كل هذا، أصبحت تعرف أكثر أين تقف، حرفيًا ومجازيًا.

تكون الأنثى التي تمشي في القاهرة في حالة انتباه دائم. يدفع الخطاب الأبوي، الحريص على تأكيد سلطته، الأنثى إلى الهامش باستمرار، حاثًا إياها على البقاء في نطاق خاص كملكية ثمينة لدى شخص ما. وهذا العداء تجاه جسد الأنثى الذي يحاول احتلال المساحة العامة، كان ظاهرًا في الاحتجاجات في أواخر العام 2011، إذ حاول التحرش والاعتداء الجنسي المنظم، ربما بتحريض من الشرطة، إبعاد المتظاهرات الإناث، وتغريبهن عن الاحتجاجات، وإعادة جسد الأنثى إلى الهوامش الخاصة.

كان السير ضمن مجموعة فعلًا للسيطرة على مدينتك، خطواتك وانعطافاتك والأكشاك التي تمر بها صارت كلها جزءًا من طقوسك. بالاشتراك مع كثيرين، اختُزِنَ كل ذلك في ذاكرتك العضلية. كان تلك لحظات شعرت فيها بأن الشوارع مفتوحة لك، دعوت سكان المدينة للانضمام إليك حين تحركت من الأطراف والهوامش إلى قلب المدينة.

صارت الشوارع، التي لم تكن لتطأها من قبل، جزءًا من رحلات سيرك اليومية. أحيانًا كنت في المؤخرة، وفي أحيان أخرى اكتشفت أن إيقاعك سريع جدًا بالنسبة لبقية الحشد، الذي يثبّت كل فرد فيه، ويستعيد، أجزاءً من نفسه وكيف يتصور واقعه وحاضره.

لأسباب كثيرة -بعضها معروف، والآخر مبهم بالنسبة لك- اختفت مسيرتك في وادي النهر، ضمن أجساد كثيرة غيرك.

خرج علماء، وعلماء اجتماع، وخبراء في مجالات عديدة، ومنظرون للمستقبل، ومؤرخون، بسيناريوهات محتملة قد تتجلى نتيجة لمسيرتك. فشل البعض، أو تهرب من تناول، معنى المشي في حد ذاته. ولخيبة أملك، لم يعد الكثير من تلك السيناريوهات غير المواتية التي تجلت في واقعك- يعترف بماضيك. فحينما تجلت تلك السيناريوهات، وجدت نفسك وقد تم سحبك من المركز إلى الهوامش مرةً أخرى، محتفظًا، هذه المرة، بذكرى تواجدك في المركز. تسأل نفسك: ماذا تبقى من هذا السير؟ وماذا أفعل بما تبقى من هذا السير؟

من الأطراف إلى المركز

حينما احتل الناس الميدان، كان أغنياء المدينة قد أخلوا بالفعل منطقة التحرير. انتقلت الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مؤسسة نخبتها التعليمية، من قلب المدينة إلى القاهرة الجديدة، المنطقة الجديدة التي استوردت رقع النجيلة الجاهزة، والفيلات القبيحة، والمولات الكبيرة ذات المساحات المفتوحة غير المسموح بدخولها إلا لهؤلاء الأغنياء ومن يخدموهم. وشيئًا فشيئًا، ببطء ولكن بوضوح، تبعتها مكاتب لشركات كبرى، وشركات متعددة الجنسية، ثم الشريحة العليا من طبقة القاهرة الوسطى، في ترتيب لست متأكدةً تمامًا منه.

هذه هي طريقة الحكومة في الوثوق من أن ما من مجموعة، مهما بلغ حجمها، يمكن أن تشق طريقها إلى المركز مرةً أخرى: بناء المتاريس والجدران، وتقليص المساحات العامة للمشاة في القاهرة.

وفيما يشبه خطةً عمرانية تنتهج ما كتبه أحمد خالد توفيق عام 2008 في روايته «يوتوبيا»، حيث تعيش النخبة في أحياء منغلقة، تحتمي بداخلها من «الآخرين» -الأغلبية الفقيرة- الذين يستغلونهم كعبيد لديهم، ويصطادونهم على سبيل الرياضة، اختار أبناء الطبقة العليا والشريحة العليا من الطبقة الوسطى، الذين ظلوا باقين في البلد، أن يعزلوا أنفسهم في أحياء مُسوَّرَة، ملتفةً حول بعضها في القاهرة الجديدة، لا يمكن التنقل من مكان لآخر فيها إلا بالسيارة. والمثير للسخرية أن بعض الأصدقاء أخبروني أن آباءهم انتقلوا إلى مدينة الرحاب لأنهم يريدون أن يتمشوا وسط المساحات الخضراء. والأكثر إثارةً للسخرية أنه بعد مرور سنوات صارت عائلات اللاجئين السوريين الذين يستمتعون بالتنزه في هذه الحدائق، مصدر قلق رئيسي لسكان الرحاب.

كان الرابط المباشر بين الجغرافيا والأيديولوجيا السياسية في مصر جاسدًا دومًا أمام القاهريين، رغم جهود طمسه وإخفاءه. أنفقت مبالغ طائلة لبناء متاريس أسمنتية لإخفاء الأحياء الفقيرة عن أنظار أصحاب السيارات أثناء عبورهم على الكباري (كوبري 6 أكتوبر مثلًا، أو كوبري المنيب من الطريق الدائري). كانت حكومة ما قبل 2011، والتي كان من الملائم حقًا تسميتها بـ«حكومة رجال الأعمال»، هي البذرة التي نبتت منها هذه الكباري التي سُمِيَت باسم طلعت مصطفى وغيره من مطوري العقارات.

تشير أغنية الشيخ إمام «شيد قصورك»، التي كتبها أحمد فؤاد نجم، والتي عادت إلى الظهور كأنشودة شعبية أثناء الثورة، بوضوح إلى تاريخ هذه العلاقة. تستخدم الأغنية مجازات جغرافية للفت الانتباه إلى القيادة الفاشلة وفساد الحكومة في السبعينات، ذلك الذي كان متجليًا في تقليص المساحات العامة وزيادة الفصل والتمييز، على المستوى السياسي كما على المستوى الاقتصادي. على سبيل المثال، بني سجن القناطر على متنزه، ليضم الكثير من السجينات السياسيات لثورة 25 يناير، بمن فيهن، في مرحلة معينة سناء نفسها.

في الأغنية، يسير المتظاهرون في «طريق ما لُهش راجع»، من أحياء وسط المدينة إلى ميدان التحرير في يناير 1973، ويناير 1977. وفي 2011 وما تلاها، كان رهان المتظاهرين الزاحفين من أطراف المدينة في محاولة لاحتلال مركزها يقع على ميدان التحرير، وهو نقطة التقاء مُخطَّط لها مسبقًا، وأيضًا مساحة تاريخية للقهر والأمل في الذاكرة الجمعية (انظر مثلًا: فيلم شريف عرفة «الإرهاب والكباب» عام 1992). كان ذلك، بالطبع، قبل أن يصطدم السائرون بجدار.

للقاهرة تاريخ طويل مع الجدران. كانت القاهرة القديمة محاطة بالجدران لحماية مناطقها الحيوية من العدو وليس لحبس السكان داخلها. أما الجدران الأحدث في القاهرة، ذات البوابات أيضًا، فقد صُمِّمَت خصيصًا لحظر التنقل داخل المدينة. وبينما لم تكن للجدران الأسمنتية، التي شُيِّدَت خلال 2011 للتصدي للهجوم على المباني الحكومية، أية بوابات، كانت هناك بوابة واحدة على الأقل في الجدران المُعاد بنائها. هذه المنشآت الحيوية سياسيًا مفتوحة طوال الوقت للقيادات، وبعض الوقت للجماهير (مثل الموجودة في شارع قصر العيني)، تاركة المشاة غالبًا مضطرين للإبداع في إيجاد سبيلهم حولها. وبعد استيلاء الجيش على السلطة في 2013، شُيِّدَت متاريس أسمنتية مماثلة حول الكثير من المنشآت العسكرية، ومثلها مثل الطرق والكباري الجديدة التي يتعاقد الجيش عليها، تتميز هذه الجدران بمظهر موحش.

هذه هي طريقة الحكومة في الوثوق من أن ما من مجموعة، مهما بلغ حجمها، يمكن أن تشق طريقها إلى المركز مرةً أخرى: بناء المتاريس والجدران، وتقليص المساحات العامة للمشاة في القاهرة.

جسد السائرة نفسها

في الكثير من الثقافات، يعد المشي فعلًا تأمليًا. ويركز هذا النوع من التأمل اهتمامًا خاصًا على التنفس وعلى ما يشعر به الجسد أثناء المشي. وتستخدم مدرسة البوتو، في مسرح الرقص الياباني، تدريبات المشي البطيء، التي تتبع مفهوم زن، لإفراغ العقل والجسد من الضوضاء.

للقاهرة تاريخ طويل مع الجدران. كانت القاهرة القديمة محاطة بالجدران لحماية مناطقها الحيوية من العدو وليس لحبس السكان داخلها. أما الجدران الأحدث في القاهرة، ذات البوابات أيضًا، فقد صُمِّمَت خصيصًا لحظر التنقل داخل المدينة. 

مؤخرًا، صار المشي أيضًا في صدارة ومركز الممارسات العمرانية الهادفة إلى إعادة صياغة علاقات السكان ببيئتهم. كان التنظيم الثوري الاجتماعي المنحل Situationist International قد دعا إلى المشي الخلاق الذي يستكشف الناس من خلاله المساحات العمرانية في مواجهة حياة الفقاعات الضيقة، وهو أسلوب لإعادة النظر في المدن باعتبارها موطنًا للسكان وليس مجرد مسارات للتنقل من مكان مغلق لآخر.

ولعل أمام المشاة في القاهرة الكثير من خيارات نقاط الانطلاق والوصول ليختاروا بينها، من المشي على الطريق بسبب عدم توافر مساحة كافية على الأرصفة، بالأخص للإناث؛ لتجنب المقاهي المملوءة بالرجال، والمجموعات التي ربما تريد التحرش بهن بالتعليق أو اللمس.

تكون الأنثى التي تمشي في القاهرة في حالة انتباه دائم. يدفع الخطاب الأبوي، الحريص على تأكيد سلطته، الأنثى إلى الهامش باستمرار، حاثًا إياها على البقاء في نطاق خاص كملكية ثمينة لدى شخص ما. وهذا العداء تجاه جسد الأنثى الذي يحاول احتلال المساحة العامة، كان ظاهرًا في الاحتجاجات في أواخر العام 2011، إذ حاول التحرش والاعتداء الجنسي المنظم، ربما بتحريض من الشرطة، إبعاد المتظاهرات الإناث، وتغريبهن عن الاحتجاجات، وإعادة جسد الأنثى إلى الهوامش الخاصة.

بدأت قطاعات عديدة من المجتمع في ذلك الوقت في اعتبار التحرش الجنسي مشكلةً اجتماعيةً، خاصةً حين أُذِيعَت الكثير من هذه الحوادث المفزعة على التليفزيون، وبدأ الكثير من الناس يعبرون عن ذلك بكلمة «تحرش» بدلًا من «معاكسة».

حين عانيت من آلام خطيرة أسفل الظهر، طلبت المساعدة من أخصائيي علاج طبيعي ومدربين. لدى أخصائية العلاج الطبيعي التي لجأت لها نظرية قوية بأن هناك علاقة بين العنف المبني على أساس النوع الاجتماعي ومشكلات أسفل الظهر، التي يعاني منها الكثير من النساء المصريات، مثلما أوضحت. يعتبر الرجال المحدقين بعيونهم في الشوارع حركة تأرجح الفخذ، اللازمة لإرخاء وتقوية هذه العضلات، دعوةً للتحرش الجنسي، وبما أن النساء يتفادين التحرش الجنسي (واللاتي طالما تم لومهن لكونهن ضحايا التحرش)، فيستخدمن عضلات أقل قوة وأقل مركزية، ما يجعل جذوع أجسادهن أضعف. المفاجئ بالنسبة لي هو أنها تنصح النساء في هذه الحالة بممارسة الرقص الشرقي.

ومع تكرار مقولة أن قضايا المرأة ليست أولوية في قائمة مطالب الثورة، خلال اللحظات التي كان فيها التغيير ممكنًا في 2011 وفي السنوات التي تلتها، استمر جسد المرأة في مواجهة أخطار هذا التهميش، وهذه حقيقة حوَّلها أحد الفنانين إلى نكتة.

الذاكرة: «شارع رايح جاي»

خلال المسيرات الروتينية التي بدأت في 2011، تداعت الموانع البدنية والذهنية أمام قوة الأعداد الهائلة من الناس. كانت السيارات تتوقف على طول شوارع كاملة بينما يعبر المتظاهرون من صلاح سالم إلى شوارع العباسية الداخلية. وبفضل التظاهرات، تحولت الشوارع غير ذات الأرصفة إلى مجرد أرصفة. ومع الحركة المتكررة لوضع قدم أمام اﻷخرى، صارت الآمال والأحلام بعالم أقل كآبة- ممكنة.

دون أن تكون مضطرًا للالتفات إلى أين أو كيف تمشي، سادت حالة تأملية مفعمة بالأمل، جعلت الانخراط في محادثات مع الغرباء حول المستقبل وما يحمله لنا أمرًا ممكنًا. وفي ذاكرتنا العضلية، كما في المدينة، مشينا «في طريق مالُهش راجع». أما اليوم، فالجموع السائرة سابقًا، السائرون فرادى حاليًا، يسألون أنفسهم، بمعزل عن بعضهم: «ماذا تبقى من تلك المسيرات؟ إلى أين تقودنا تلك البقايا التي ترسبت في أجسادنا؟ ربما تظل مخزونةً في ذاكرتنا العضلية، حتى إن فلتت من ذاكرتنا نفسها».

لم تسر سناء سيف مسيرتها المعتادة من المنزل إلى التحرير نيابةً عن مسيرتنا جميعًا فقط، لكنها، بهذا السير، تبث الروح من جديد في تقليد من الماضي وتبعثه إلى اللحظة الراهنة. إنها تقاوم إحساس الركود باستدعاء ما يظل باقيًا من هذا السير. تزيح السلطة التي تحوزها قوى سياسية أخرى إلى الهامش، لاستعادة مساحة داخلية تبدو فيها أحلامنا وآمالنا لأنفسنا ولبيئتنا العمرانية قريبة وممكنة.

*ترجمة: أشرف عمر

اعلان
 
 
سارة فخري إسماعيل