Define your generation here. Generation What

ملامح النظام الحاكم: حارس المحل الذي أخاف زبائنه

بعد ستة أعوام من اندلاع ثورة يناير ٢٠١١، لم يعد هناك كثير من الجدل حول طبيعة المرحلة التي نمر بها في مصر اليوم. فانقلاب يوليو ٢٠١٣ وانتصار الثورة المضادة والهجوم المنظم وغير المسبوق، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، على غالبية المصريين، هي كلها عناصر لعملية واحدة، بدأت بالتعبئة السياسية للثورة المضادة قبل الانقلاب، وأخذت شكلًا دمويًا بسلسلة المجازر ضد اعتصامات ومظاهرات الإخوان، ثم توسعت بحملة الاعتقالات والأحكام القضائية غير المسبوقة، وسرعان ما خرجت عن حدود الإخوان لتشمل كافة القوى والأصوات المعارضة خلال عامي ٢٠١٤ و٢٠١٥. ثم جاء عام ٢٠١٦ ليظهر البُعدين الاقتصادي والاجتماعي للثورة المضادة، بمزيج من سياسات التقشف والليبرالية الجديدة مع قبضة أمنية تستخدم كل الوسائل المتاحة لفرض تلك السياسات دون مقاومة اجتماعية، ولإجهاض كافة محاولات تنظيم الإضرابات أو الاحتجاجات.‬

ربما شكّل عام ٢٠١٦ بالذات بداية نقلة نوعية ومتناقضة في تطور الثورة المضادة وإمكانيات المقاومة. فالثقة التي استمدها النظام بين ٢٠١٣ و٢٠١٥، من قدرته على قمع المقاومة الإخوانية وخنق كافة أشكال المعارضة السياسية من جانب، والأزمة الاقتصادية المتفاقمة من جانب آخر، دفعتاه للإقدام على خطوات غير مسبوقة في تكثيف هجومه الطبقي والسياسي. كانت الخطوة الأولى هي صفقة التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة السعودية، في مقابل منح وقروض واستثمارات كبرى. وتصور النظام أن هذه المجازفة ستنجح، ولكن سرعان ما تبين أن رد الفعل الشعبي وقدرة القوى المعارضة على التعبئة ضد الصفقة رغم القمع فاقت كل التوقعات. وأظهرت قضية الجزر أيضًا انقسامات حادة بين مختلف أجهزة وأجنحة الحكم حول هذه الخطوة، ففشلت المحاولة مشكّلة بلا شك إحدى أهم نقاط التحول في مسار الثورة المضادة.‬

أما الخطوة الثانية، وهي أيضًا مجازفة سياسية كبرى، فكانت الإقدام على حزمة من الإجراءات الاقتصادية في سياق قرض صندوق النقد الدولي، ومثّلت هذه الخطوة أعنف هجوم رأسمالي منذ سبعينيات القرن الماضي على دخول ومعيشة العمال والفلاحين والفقراء، ومعهم هذه المرة قطاع واسع من الطبقة الوسطى. إذا كان أحد أهم مطالب ثورة يناير ٢٠١١ مطلب «العدالة الاجتماعية»، بما يعنيه ذلك من إعادة توزيع الثروة لصالح الفقراء، فالإجراءات الاقتصادية الحالية تمثل بحق إعادة توزيع للثروة في الاتجاه المعاكس. يرتكز رهان النظام على قدرته على البطش بأية مقاومة اجتماعية أو عمالية في مواجهة هجومه هذا، كما يرتكز على تمكنه، بمزيج من القمع والترهيب، من إجبار الفقراء على دفع ثمن أزمة وفشل الرأسمالية المصرية ودولتها الفاسدة. يراهنون أنهم قادرون على صد أي مقاومة طبقية كما صدّوا من قبل موجات المقاومة السياسية للانقلاب. ولكن أي قراءة لتاريخ الحركة العمالية المصرية ولخبرة الجماهير خلال الثورة تؤكد أن مثل هذا الرهان قابل للفشل مثلما فشل رهان الجزر.‬

أما الخطوة أو الرهان الثالث، فيكمنان في مجال الساحة السياسية الداخلية، حيث يراهن النظام على تحويل الحالة الطارئة والمؤقتة من فراغ سياسي شبه تام إلى حالة طوارئ وفراغ سياسي دائم. فلا يحاول النظام إنشاء حزب سياسي حاكم، كما كان الحال في فترة مبارك، كما لا يريد الإبقاء على التحالف «المدني» المؤيد للانقلاب، ولا تبدو لديه أي نية لاحتواء معارضة سياسية إصلاحية تلتزم بخطوط حمراء واضحة كما كان حال الإخوان قبل الثورة. يريد النظام، حتى الآن، أن يظل الوضع السياسي في حالة أزمة دائمة وطوارئ دائمة، ويظل السيسي «مرشح الضرورة» لفترة ثانية كحد أدنى.‬

والرهان الرابع والأخير قائم على استثمار تقلبات الوضع العالمي والإقليمي المتأزم لصالح بقاء النظام، فهنا أيضًا يظهر الجانب المغامر والمجازف للنظام، فلا تحالفات ثابتة ومستقرة لديه، ولا سياسة خارجية ذات رؤية واضحة، وإنما صفقات قصيرة المدى غربًا وشرقًا لتأمين القروض والمساعدات والتسليح والاستثمارات. بالطبع يظل النظام في فلك الإمبريالية الأمريكية وتظل تحالفاته الإقليمية مع دول الخليج وإسرائيل كما كانت، ولكن في إطار درجة أكبر كثيرًا من المجازفة والبرجماتية؛ سياسة خارجية تكتيكية قائمة على الصفقات وحل الأزمات قصيرة المدى دون الحاجة إلى استراتيجية طويلة المدى.‬

هذه المرحلة من الثورة المضادة ليست حالة استثنائية، بل هي إحدى السمات الأساسية للثورات المضادة في التاريخ، فالنظام الحالي يأتي في إطار محاولة الطبقة الحاكمة لحل معضلة كبرى وتحد غير مسبوق، فنظام مبارك والذي كان يمثل ويحمي تلك الطبقة، بسياساته الاقتصادية وتوازناته السياسية وتحالفاته الخارجية، أطيح به في ثورة شعبية أولى من نوعها. فمن غير المنطقي إذن أن يحاول السيسي العودة لنفس النظام ونفس السياسات ونفس التحالفات والتوازنات الداخلية والخارجية، فقد فشل نظام مبارك فشلًا مدويًا، بل كاد أن يفقد إلى الأبد ثروات وسلطات الطبقة الحاكمة ودولتها.

الثورة المضادة ليست محاولة لاستعادة النظام القديم (فقد أثبت فشله، أو على الأقل انتهت صلاحيته) بل محاولة لإعادة صياغة العلاقة أولًا بين مختلف أجهزة الدولة، وثانيًا بين الدولة ككل والطبقة الرأسمالية، وثالثًا بين الطبقة الحاكمة والدولة من جانب وبين بقية طبقات وفئات المجتمع، ورابعًا أيضاً بين الدولة ومحيطها الإقليمي والدولي.‬

نظام الثورة المضادة إذن نظام طوارئ قائم على وضع استثنائي. أي تنازلات ذات شأن لجماهير قامت بثورة شعبية كبرى لن تهدئ الأمور، بل ستدفع نحو ثورة جديدة. التردد والتنازل من قبل السلطة يعنيان الموت؛ هذه هي فلسفة الثورة المضادة. ولكن النظام القائم على الأزمة الدائمة وحالة الطوارئ الدائمة لا يمكنه تحقيق الاستقرار والمناخ اللازم لجذب الاستثمارات والسياحة ولتحقيق نمو رأسمالي طويل المدى، وبالتالي فهو يتحول مع الوقت إلى عبء ثقيل بالنسبة للطبقة الرأسمالية، بل حتى بالنسبة لقطاعات من الدولة التي تريد شكلًا ما من الاستقرار ودرجة ما من الوضوح الاستراتيجي.‬

الوضع شديد التعقيد، فكبار رجال الدولة ورأس المال يحتاجون النظام الحالي ليحميهم من خطر الثورة وغضب الجماهير، ولكنهم يعرفون أن الاستقرار والنمو على المدى الطويل غير قابل للتحقق في ظل هذا الحكم المقامر ذي القبضة الحديدية الخانقة.‬

يمكن تشبيه الوضع بصاحب محل كان يعاني من هجوم الفقراء المتكرر على محله، فاستأجر فتوة لحمايته، وتمكن الفتوة بالفعل من بث الرعب في نفوس كل من يحاول الاقتراب من المحل، بضرب وسحل وتعذيب كل من يقع تحت يديه. فرح صاحب المحل في البداية، لأنه لأول مرة منذ فترة طويلة أحس بدرجة من الأمان، وتمكن من عرض بضائعه بسلام. ولكن مشهد البلطجي أمام المحل لم يخف الحرافيش فحسب، بل أخاف أيضًا زبائن المحل الذين توقفوا ليس فقط عن الشراء منه بل حتى المرور من شارعه. صاحب المحل يحتاج الفتوة لحمايته ولكن إذا استمر مشهد العنف الدائم أمام المحل ستكون النتيجة الإفلاس ولن يستفيد أحد من بضائعه، لا الفقراء ولا الزبائن المقتدرين، كما أن الفتوة (مدمن القمار) يعرف أن صاحب المحل سيستغنى عن خدماته إذا أحس بالأمان.‬

نظام قائم على الأزمة الدائمة والخوف الدائم هو نظام انتقالي ومؤقت بالضرورة. ولكن هذا لا يعني على الإطلاق أنه «يترنح» أو أنه على وشك السقوط. هو يعني فقط أن هناك إمكانية، بل ضرورة للبدء في صياغة بدائل تعبر بصيغ جديدة ومبتكرة عن جوهر ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١.

لا تزال الثورة المضادة تعيش على طمس ونفي ذاكرة تلك الثورة. ولن نتمكن من تجاوز الوضع الحالي دون العودة لدروسها، والرهان مجددًا على الجماهير.

اعلان