Define your generation here. Generation What

استراتيجية موسكو الجديدة في سوريا والسابقة الأمريكية

ثمة تماثلٌ ملفت للنظر بين الاستراتيجية التي تتبعها روسيا حاليًا في سوريا وتلك التي اتبعتها الولايات المتحدة بدءًا من عام 2007 في العراق، والتماثل يبدأ بالغرض من الاستراتيجيتين ويشمل نمطيهما. فقد بدّلت الولايات المتحدة استراتيجيتها في العراق سنة 2007 بعد أربع سنوات من الاحتلال أفضت إلى كارثة للبلاد وللاحتلال نفسه، تجلّت سنة 2006 عندما اشتعلت حربٌ طائفية ضروس بين العراقيين بينما كانت القوات الأمريكية منهكة في مكافحتها لتنظيم «الدولة الإسلامية في العراق» (داع) بالتوازي مع مكافحتها لحركة طالبان في أفغانستان.
أما الاستراتيجية الروسية الجديدة فقد عقبت مرحلة أولى من التدخّل العسكري المباشر بدأت في سبتمبر 2015، وقد أعلن فلاديمير بوتين انتهاءها وسحب معظم القوات المشاركة فيها في مارس 2016. إلّا أنه سريعًا ما استدرك أمام تأكّد عجز النظام السوري عن الصمود بدون الدعم الروسي، بالرغم من الدعم الكثيف الذي يتلقّاه من إيران وأتباعها الإقليميين.
وقد خشيت واشنطن في العراق وخشيت مثلها موسكو في سوريا من الغرق في «مستنقع» مُهلِكٍ على غرار ما أصاب الأولى في فيتنام والثانية في أفغانستان. صحيحٌ أن سنةً فقط كانت قد مضت على التدخّل الروسي في سوريا عندما بدّلت موسكو استراتيجيتها، خلافًا للسنوات الأربع التي سبقت المنعطف الاستراتيجي الأمريكي في العراق. غير أن بوتين تدخّل في سوريا وهو يَعِد الرأي العام في بلاده وقواتها المسلّحة بأن العملية سوف تكون محدودةً زمنيًا حيث أن روسيا غير قادرة على تحمّل تدخّل كثيف متوسط الأمد، ناهيكم بطويل، وهي تعاني من وضع اقتصادي خانق.
أما الاستراتيجية الجديدة، فقد قامت في حالة أمريكا في العراق على تصعيدٍ عسكري مؤقت أسمي بالفورة (surge)، ترافَق بكسب القبائل العربية السنّية من خلال تنظيمها في «صحوات» تُسلّحها واشنطن وتموّلها. وقد انتقل الاحتلال الأمريكي من دور حليفٍ للقوات العراقية الموالية لإيران، يتصدّى للقوى المعادية لها وله على حدّ سواء في المناطق العربية السنّية، إلى دور الوسيط بين الطرفين الطائفيين العراقيين. بل أدّى هذا الانتقال إلى تحوّل القوات الأمريكية في نظر القوى الفاعلة في المناطق العربية السنّية من محتلّ يُراد التخلّص منه إلى حامٍ من الهيمنة الإيرانية يُرجى منه البقاء. ولعلّ أبرز مثال عن ذلك التحوّل موقف طارق عزيز، معاون صدّام حسين الوفيّ، في المقابلة الأخيرة التي منحها من السجن لصحيفة «ذي جارديان» البريطانية وطلب فيها من الاحتلال الأمريكي البقاء في العراق لصيانته من السيطرة الإيرانية.
بيد أن لعبة طهران في العراق كانت أدهى من سياسة واشنطن، وقد أخذت تشجّع تحرُّش أتباعها العراقيين بالقوات الأمريكية بينما كان نوري المالكي، الذي سلّمه الاحتلال رئاسة الحكومة فارتدّ عليه بإيعاز من طهران، يصرّ على رفض منح القوات الأمريكية الضمانات القانونية التي طلبتها لتمديد تواجدها في العراق. ولمّا كان باراك أوباما قد حلّ محلّ جورج دبليو بوش رئيساً للولايات المتحدة في عام 2009، وهو شديد التخوّف من أي تورّط عسكري بارز ويعتمد سياسةً مهادِنة إزاء إيران، ما كان منه سوى أن سحب القوات الأمريكية من العراق مستكملًا الانسحاب في نهاية عام 2011 بما كرّس الفشل الذريع للمغامرة الأمريكية.
أما بوتين فبعد إعلانه انتهاء مهمة قواته في سوريا، ما لبث أن انتقل إلى تصعيدٍ جديد يفوق الحملة الأولى ويرمي إلى تعديل الموقف العسكري بشكل حاسم على غرار «فورة» الحملة الأمريكية في العراق. فخاضت القوات الروسية في حملة جديدة تركّزت على مدينة حلب ابتداءً من سبتمبر 2016، وقد وضع بوتين لحملته العسكرية الجديدة حدًّا زمنيًا هو نهاية العام 2016 بغية استباق التغيير الرئاسي في واشنطن. أما الشقّ السياسي لاستراتيجيته الجديدة، فقد انتظر الرئيس الروسي اتضّاح نتيجة السباق الرئاسي الأمريكي وانتهاء الحملة العسكرية في سوريا كي يقرّره. ولو وصلت هيلاري كلينتون إلى الرئاسة، لاعتمد بوتين مواصلة التحالف مع طهران في الساحة السورية لعلمه بأن كلينتون سوف تعاديه وتدعم المعارضة السورية المسلّحة.
إلّا أن دونالد ترامب هو الذي فاجأ العالم بفوزه، مبشّرًا بسياسة تعاونٍ مع موسكو وقبولٍ بحكم آل الأسد من منطلق تعيين «الإرهاب الإسلامي الراديكالي» كعدوّ رئيسي، وذلك على خلفيّة عداء شديد لطهران يتشارك فيه ترامب مع صديقه وصديق بوتين، بنيامين نتنياهو. وفي ضوء هذا التغيّر السياسي بالغ الخطورة، وبعد إتمام سيطرة التحالف المساند للنظام السوري على حلب، دشّن بوتين استراتيجية سياسية جديدة في سوريا تقوم على انتقاله من دور حليفٍ لإيران يتصدّى للقوات المعادية لها وله على حدّ سواء إلى دور الوسيط بين إيران وتركيا، الأمر الذي أتاحه ارتداد رجب طيب أردوغان إلى التعاون مع موسكو.
ومثلما تحوّلت القوات الأمريكية في العراق منذ عام 2007 في نظر القوى العربية السنّية إلى حامٍ لها في وجه إيران بعد أن خاصمتها تلك القوى بشراسة إلى حدّ تعاونها مع تنظيم القاعدة/ داع ضدها، نرى اليوم بين القوى المعارضة لآل الأسد والمستندة إلى تركيا مَن بدأ يبرّر التعاون مع موسكو بوصفها كفيلة بوضع حدّ للسيطرة الإيرانية. وبالطبع تشجّع أنقرة على مثل هذا الموقف، وهي تراهن اليوم على انضمام واشنطن برئاسة ترامب إلى ائتلافها مع موسكو على حساب طهران.
لقد حققت الاستراتيجية الأمريكية في العراق بدءًا من عام 2007 نجاحات بارزة، أهمها التغلّب على تنظيم داع واستتباب الأمن في البلاد بمستوى معقول بالمقارنة مع السنوات السابقة. لكنّها باءت بالفشل في نهاية المطاف إذ تمكّنت إيران من إحباطها من خلال المالكي. وقد رفض هذا الأخير ضمّ «الصحوات» إلى القوات المسلّحة النظامية العراقية، مما رمى مناطق «الصحوات» من جديد في أحضان تنظيم داع بعد تحوّله إلى داعش وعودته في صيف 2014 انطلاقاً من الأراضي السورية. غير أن لدى استراتيجية موسكو حظًّا أوفر بالنجاح وذلك لأن آل الأسد ليسوا أكثر ولاءً لإيران منهم لروسيا ولأن ائتلافاً بين روسيا وتركيا والولايات المتحدة (بمباركة إسرائيلية) يشكّل قوةً أعظم بكثير من قوة إيران وحدها.

يُنشر هذا المقال نقلًا عن صحيفة «القدس العربي» وبالاتفاق مع الكاتب.

اعلان
 
 
جلبير الأشقر