Define your generation here. Generation What

إحياء الاستعمار في عقيدة ترامب وتريزا ماي

منذ شهرين تقريبًا قال وزير الخارجية البريطانية بوريس جونسون إن بلاده أخطأت بانسحابها من إمارات الخليج في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وذلك تطبيقًا لسياسة حكومة هارولد ويلسون العمالية المسماة في ذلك الوقت بـ«تصفية الوجود البريطاني في شرق السويس».

كان المقصود بتعبير «شرق السويس» آنذاك جنوب اليمن المحتل، حيث قاعدة عدن البريطانية الشهيرة التي تأسست عام 1830، ومشيخات الخليج المكوِّنة حاليًا لدولة الإمارات العربية المتحدة مضافًا إليها قطر والبحرين.

قال جونسون ذلك في سياق تفسيره لمشاركة رئيسته، أي رئيسة الحكومة البريطانية تريزا ماي، في مؤتمر القمة العادية لمجلس التعاون الخليجي في المنامة عاصمة البحرين في أوائل ديسمبر الماضي، وكانت ماي قد دعيت إلى هذا المؤتمر، ولبت الدعوة بحماس واضح لتدشين علاقة تحالف استراتيجي مستجدة بين بريطانيا ودول المجلس (خاصة البحرين)، لمواجهة النفوذ أو التدخل الإيرانيين الزاحفين على شبه الجزيرة العربية من كل اتجاه.

ومنذ بضعة أيام قطعت السيدة ماي بنفسها، وبصورة بدت مفاجئة، السياق الذي سارت فيه السياسة البريطانية نحو القضية الفلسطينية في العقود الثلاثة الماضية، وقالت في الذكرى المئوية لوعد بلفور إن الوعد كان من أعظم الإنجازات في تاريخ السياسة البريطانية، وأضافت أنها تعتز بالارتباط العاطفي الحميم بين بريطانيا وبين إسرائيل.

نقول إن ماي قطعت بهذا التصريح سياق العقود الثلاثة الأخيرة في السياسة البريطانية، أي سنوات ما بعد مارجريت تاتشر رئيسة الوزراء المحافظة السابقة حتى أواخر ثمانينيات القرن الماضي، لأن بريطانيا بعد تاتشر كانت قد اقتربت، أكثر من أي وقت مضى، من السياسة الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية. وكانت هذه «السياسة الأوروبية» قد سبقت كلًا من بريطانيا والولايات المتحدة للاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وفي الحصول على دولته المستقلة، وفي الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد لهذا الشعب. وهو ما أدى فيما بعد – إلى جانب أسباب أخرى بالطبع – إلى دفع الموقف الأنجلو أمريكي لتبني هذه الرؤية، بدخول جورج بوش الأب البيت الأبيض الأمريكي رئيسًا خلفًا لرونالد ريجان، وبحلول جون ميجور رئيسًا لوزراء بريطانيا خلفًا لتاتشر، وذلك وصولًا إلى مؤتمر مدريد، ثم اتفاق أوسلو، وما تلاه في ظل رئاسة بيل كلينتون للولايات المتحدة، وأخيرًا طرح مبدأ حل الدولتين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في سبتمبر 2001، قبل أن يفتر حماسه هو نفسه للمبدأ، بسبب انجرافه نحو مشروعه الامبراطوري الفاشل بتأثير «المحافظين الجدد» في إدارته، واستغلالًا لهجمات 11 سبتمبر الإرهابية على نيويورك وواشنطن، ما قاد فيما بعد إلى غزو العراق.

لكن السياق الذي قطعته ماي في السياسة البريطانية تجاه القضية الفلسطينية لم يكن فقط سياق السياسة الرسمية، وإنما هو سياق مجتمعي أشمل انضمت إليه الجامعات ومراكز البحث والأحزاب والكنائس وغيرها، وكان أبرز قسماته الاعتراف بالطابع الاستعماري العدواني على حقوق شعب فلسطين لوعد بلفور، والعمل من أجل إنهاء الظلم التاريخي الذي أوقعه على الشعب الفلسطيني المشروعُ الصهيوني وتبني بريطانيا له، أو هكذا صاغ آفي شلايم، المؤرخ الإسرائيلي المهاجر إلى منفى اختياري، هذا الاتجاه في دوائر الفكر والبحث البريطانية نحو القضية الفلسطينية ووعد بلفور. وشلايم لمن لا يعلم هو عميد المؤرخين الجدد في إسرائيل، الذين أثبتوا أن كثيرًا من «المسلَّمات» في تاريخ المشروع الصهيوني ليست سوى أساطير، بما في ذلك إثباته هو وزملائه أن اللاجئين الفلسطينيين في حرب 1948 لم ينزحوا استجابة لنداء القادة العرب، أو من تلقاء أنفسهم، كما روجت الوثائق الإسرائيلية، وإنما كانوا ضحية لعملية تطهير عرقي ممنهجة، أمر بها ديفيد بن جوريون رئيس الوزراء المؤسس لإسرائيل شخصيًا، ولكن دون وضعها في نص مكتوب.

وبالمناسبة، فإن شلايم متزوج من حفيدة اللورد ديفيد جورج لويد رئيس الوزارة البريطانية التي كان اللورد آرثر بلفور (صاحب وعد الوطن القومي اليهودي في فلسطين) عضوًا فيها.

***

كان هذا الاستطراد في شرح معالم السياق الذي قطعته تريزا ماي في السياسة البريطانية تجاه القضية الفلسطينية ضروريًا، لإدراك كم هو هائل وخطير وبالغ الدلالة ما فعلته رئيسة الوزراء البريطانية.

وربما يزداد الأمر وضوحًا، إذا تذكرنا أن بريطانيا صوتت قبل بضعة أسابيع لصالح قرار مجلس الأمن بإدانة الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية الفلسطينية المحتلة والمطالبة بوقفه (استبقاءً للإطار الجغرافي لحل الدولتين)، وهذه مفارقة تنبئنا بأن شيئًا قد حدث في الفترة الوجيزة الفاصلة ما بين صدور قرار مجلس الأمن، وبين تمجيد رئيسة الوزراء البريطانية لوعد بلفور، وإعلان اعتزازها بالارتباط العاطفي بين بريطانيا وإسرائيل.

هذا الـ«شيء ما» لن يكون سوى تفاهم سري مع فريق الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب، أو الاستعداد المسبق للتماهي مع رؤية ترامب للقضية الفلسطينية، والشرق الأوسط والعالم عمومًا، طبقًا لتقليد راسخ في السياسة البريطانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أوصى به رئيس الوزراء البريطاني الأشهر ونستون تشرشل، وزاد من حدة الحاجة إلى الالتزام به خروجُ بريطانيا «المدوي» من الاتحاد الأوروبي.

***

حان وقت الانتقال عبر الأطلنطي من بريطانيا إلى الولايات المتحدة تحت رئاسة ترامب، ولكن نذكِّر بما سبق بسرعة، فوزير الخارجية البريطانية يقول إن بلاده أخطأت بانسحابها من شرق السويس، ورئيسة حكومته تقيم تحالفًا استراتيجيًا مع دول الخليج، وتعتز بوعد بلفور، وبالارتباط العاطفي مع إسرائيل، فماذا عن ترامب؟

إلى جانب السياق الأشمل لحملته الانتخابية، وما بعدها من إنذارات عنصرية واستعمارية، فقد أصدر الرجل في اليوم الثاني لدخوله البيت الأبيض، وخلال زيارته لمقر وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، أوضح وأفصح تصريح «استعماري»، حيث قال: «كان يجب على الولايات المتحدة أن تسيطر على بترول العراق، وتحتفظ به لنفسها» (مستخدمًا كلمة keep الانجليزية)، وبرّر ذلك الوجوب بأن البترول هو مصدر تمويل داعش، ولكنه توقف هنيهة، ثم خاطب مستمعيه: «ولكن انظروا، إن الفرصة لا تزال قائمة».

فإذا سلمنا جدلًا أن ترامب سيستولي على بترول العراق ليهزم داعش بحرمانها من التمويل، فهل سيعيده للعراقيين بعد هزيمة داعش؟

لا نظن أن شخصًا واحدًا من المليارات الستة، أو أكثر ممن يعيشون على ظهر هذا الكوكب، تبلغ به السذاجة حد أن يتوقع ذلك، وما علينا إلا أن نتذكر ذلك السيل الهادر من وعود الاستعماريين، والتي لم يلتزموا بها، لكافة شعوب الأرض، وأقربها إلى خبرتنا وذاكرتنا أن بريطانيا احتلت مصر «لتثبيت سلطة الخديوي توفيق»، وتعهدت بالجلاء في غضون أشهر، ثم حددت موعدًا للانسحاب بعد ثلاث سنوات، وبقيت سبعين سنة، وفي النهاية لم تجل إلا مضطرة.

لنضع خطة ترامب هذه لبترول العراق جنبًا إلى جنب مع تعهده بإلزام دول الخليج العربية بدفع أموال مقابل الحماية الأمريكية (والبريطانية المستجدة بالطبع)، وإلزام أعضاء حلف الأطلنطي بالمثل، وكذلك تعهده بشن حروب تجارية على الجميع، ولنضف إلى ذلك أنه، وإذا امتد الخط على استقامته، فما هي إلا مسألة وقت حتى «تجب السيطرة الأمريكية المباشرة أيضًا على بترول الخليج نفسه، وكذلك بترول السعودية»، لنجد أننا أمام مشروع استعماري متكامل يركّز أول ما يركز على النهب الاقتصادي على طريقة الاستعمار الكلاسيكي، الذي نزح موارد آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية (بما في ذلك العبيد الأفارقة) إلى أوروبا الغربية والولايات المتحدة.

ربما يشعر البعض أنه لا خطأ منطقيًا أو أخلاقيًا في مطالبة ترامب دول الخليج وشركاء الأطلنطي بدفع نفقات حمايتهم، ولكن المسألة ليست بهذه البساطة، فلم يكن رؤساء أمريكا السابقون، الذين تعهدوا بحماية دول الخليج وأقاموا حلف الاطلنطي، سذجًا أو فاعلي خير، وإنما جنوا لبلادهم مكاسب استراتيجية ومعنوية واقتصادية ضخمة بهذه السياسات، فقد أذعن الأوروبيون والخليجيون لقيادتهم، وانتصرت أمريكا في الحرب الباردة دون قتال، وهيمنت الثقافة الأمريكية على العالم. ثم من قال إنهم لا يسيطرون على بترول الخليج حاليًا؟ ولكنها السيطرة الناعمة التي يريد ترامب إعادتها إلى عصر السيطرة الفجة، بمعنى ترك الفتات للآخرين. وأين تودع وتُستثمر فوائض البترودولارات سوى في البنوك والأسواق الأمريكية!؟

مهلًا، هنا مغالطة أخرى؛ ليس صحيحًا أن الولايات المتحدة دفعت من أموالها لحماية الخليجيين، فالثابت أن الدول الخليجية هي من موّلت حرب تحرير الكويت من الغزو العراقي، والثابت أيضًا أن جميع القواعد الأمريكية في منطقة الخليج لردع إيران يساهم الخليجيون في نفقاتها، أما إذا كان المطلوب هو ألا تتحمل الولايات المتحدة بنسًا واحدًا في الإنفاق العسكري في الخليج، فذلك ابتزاز استعماري، لأن أمريكا أيضًا لديها مصالحها الخاصة والكبيرة في هذه المنطقة كقوة عظمى، أو بوصفها القوة العظمى الوحيدة في العالم، فضلًا عن أنه مهين أخلاقيًا أن تتحول هذه القوة العظمى إلى شركة لتوريد المرتزقة، ولكن ماذا يفهم التجار الجشعون من لغة الأخلاق والقيم!؟

لا يكتمل استعراضنا لعقيدة ترامب بضرورة إحياء الاستعمار التقليدي دون التطرق إلى موقفه من القضية الفلسطينية، بوصفها أكثر القضايا عدالة في التاريخ، وبوصفها أكثر الجروح إيلامًا للضمير الإنساني، مثلها في ذلك مثل مأساة العبيد الأفارقة، والأمريكيين الأصليين. والقارئ هنا لا يحتاج منا إلى كثير من التفصيل، فالرجل متطابق تمامًا ونهائيًا مع كل أطروحات أقصى اليمين الصهيوني العنصري، فهو سينقل سفارة بلاده للقدس، وهو يؤيد الاستيطان في كل مكان من الأرض الفلسطينية، ورجاله يقولون علنًا إن مبدأ «حل الدولتين» مات وشبع موتًا، كما أصدر أمرًا تنفيذيًا بإيقاف تمويل المنظمات الدولية التي تمنح السلطة الفلسطينية وضع الدولة المراقب، إلى آخر ما نعرفه ويعرفه القارئ.

***

ليست مصادفة إذن ذلك التحول الذي حدث في السياسة البريطانية تجاه الخليج والقضية الفلسطينية، متماهيًا مع مجيء ترامب رئيسًا للولايات المتحدة بكل ما يمثله، وما شرحنا بعضه فيما سبق. وقد تعلمنا، نحن شعوب الشرق الأوسط، أنه عندما يحدث هذا التماهي الأنجلوأمريكي في منطقتنا، فإنه يكون شؤمًا علينا. فقد حدث ذلك طوال مراحل أزمة 1967 حتى الحرب والهزيمة العربية، وطوال حقبة تاتشر وريجان التي عرقلت اطِّراد عملية السلام التي بدأت بعد حرب 1973 تحت رئاسة كل من نيكسون وفورد و كارتر للولايات المتحدة، وحدث أيضًا، وبصورة أسوأ وأكثر عدوانية، بتحالف الولايات المتحدة تحت رئاسة بوش الابن وبريطانيا بقيادة توني بلير في غزو العراق، وبإيقاف مسار تسوية القضية الفلسطينية الذي كان قد استؤنف برئاسة كل من بوش الأب وكلينتون للولايات المتحدة.

كل ما سبق –رغم قتامته – هو جانب واحد من الصورة، أما جانبها الآخر فهو حالة العالم، وفي القلب منه الشرق الأوسط أو المنطقة العربية.

من الواضح أن روسيا مستعدة للتفاهم على نصيب من النفوذ في الشرق الأوسط، وفي محيطها السوفييتي السابق، أما الصين فلديها ما يشغلها في محيطها وفي تجارتها مع الولايات المتحدة، وأما الاتحاد الأوروبي فهو في أضعف حالاته، وليس مستبعدًا أن تتلون السياسة الفرنسية مع الرئيس التالي بصبغة استعمارية، ومن ثم فلا نتوقع كوابح دولية يُعوَّل عليها لخطط ترامب/ماي الاستعمارية تجاه المنطقة العربية.

أما هذه المنطقة نفسها، وحتى لا نطيل في وصف ما هو واضح بذاته، فقصارى ما يمكن أن يقال عنها إن الحكم الوطني فيها أثبت فشله الذريع في كل الميادين، من التنمية إلى التعليم إلى الحكم الرشيد إلى الأمن القومي، في حين نجح الحكم الوطني أو بدأ مسيرة النجاح في كل مكان آخر في العالم، من أمريكا اللاتينية إلى آسيا مرورًا بإفريقيا السوداء. وهذا الفشل هو ما سبق أن أطلق عليه المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي «ظاهرة القابلية للاستعمار».

في ذكرى ثورة يناير المصرية، علينا أن نتذكر أن مطالب ثورات الربيع العربي المتمثلة في بناء الدولة الديمقراطية الحديثة، كانت هي الفرصة التاريخية لإنقاذ الحكم الوطني من فشله المزمن، ولعدم تجدد هذه القابلية للاستعمار بالتالي. ومع ذلك فإنني ممن يعتقدون أن هذه الثورات لم تمت، وأنها ستجدِّد نفسها وتفرض مطالبها، مهما طال بها الزمن.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد