أربعة مشاهد لـ 25 يناير في الإسكندرية: تاريخ مُختصر للثورة المصرية
كيف قادتنا سلسلة من اﻷحداث غير الحتمية إلى الثورة
 
 
 
تصوير: أحمد رمضان
 

المشهد الأول: البداية

في صباح الثلاثاء، 25 يناير 2011، وقف الشاب محمد* في أحد شوارع الإسكندرية، لم يكن في الشارع الخالي من المارة سواه، هو الخوف والقلق. تلفت حوله بحثًا عن أي علامة معتادة تدل على وجود الشرطة، فلم يجد. وفي الحادية عشرة صباحًا، بدأ في الاتصال بأرقام الهواتف العشر التي أعطيت له في وقت مبكر صباحاً، تنفيذًا لخطة وضعها التنظيم. تم اختياره للتواجد في منطقة العصافرة الشعبية شمالي الإسكندرية. كان عمره وقتها عشرين عامًا، وقد وجّه مجموعته للتجمع قرب مستشفى العصافرة في الثانية عشرة ظهرًا. «كونوا هناك في الموعد تمامًا، 12:05 لن نكون هناك»، هكذا أكد عليهم الموعد هاتفيًا.

يفسر محمد: «كان الوقت ضدنا. لم نكن لنحتمل فكرة إلقاء القبض علينا قبل حتى أن نبدأ. لهذا كنت أؤكد عليهم أننا قد نضطر إلى مغادرة المكان على الفور». كانوا قد جهزوا لانطلاق المسيرة من الحي؛ يوم 24 يناير، قام محمد وآخرون بتوزيع مئات المنشورات التي تدعو الناس إلى المُشاركة في المسيرة. تحدثوا كذلك مع أشخاص من كافة الطبقات، وشجعوهم على المشاركة، وناقشوهم في آرائهم وهدأوا من روعهم.

كان محمد مليئًا باﻷمل، برغم قلقه الشخصي. وبرغم ضغوط عائلته عليه، إلا أنه كان مصممًا على المشاركة في الاحتجاجات؛ في الأيام التي سبقت 25 يناير  نشر على حسابه، وحسابات أصدقائه، على فيسبوك عدة «بوستات عن أهمية المُشاركة وإمكانية التغيير.

«لم يكن عددنا أكثر من خمسة أشخاص، بدأنا الهتاف، وطوال 45 دقيقة على اﻷقل لم تكن هناك استجابة من الناس. وصلت قوات الشرطة وبدأت في تفريقنا، وحاولت إلقاء القبض على أحدنا».

قاد محمد مجموعته الصغيرة إلى نقطة التقاء، عرفها فقط قبل دقائق من المنسق الميداني لمظاهرة العصافرة؛ سامح، الناشط اﻷكثر خبرة، والذي كان من المفترض أن يقود المسيرة، ويحدد مسارها وفق تقديره للمخاطر المحتملة. يتذكر محمد: «بدأنا السير بين الناس الذين سألونا: هل هذه هي المُظاهرة؟، في حدود الواحدة ظهرًا بدأنا في الهتاف، حينها كنا نحو 15 أو 20 شخصًا، لم يتجاوز عددنا 30 شخصًا بأية حال».

اندهش محمد مع زيادة الأعداد بسرعة، واستجابة المنضمين للهتافات الصادرة من المجموعة الصغيرة، وحين أصبحت المظاهرة كبيرة بما يكفي، بعد انضمام عدة مئات لها، بدأ سامح ومحمد واﻵخرون في قيادة المسيرة عبر أزقة منطقة أبو خروف وشوارعها الضيقة.

وعلى بُعد مسافة تتجاوز الكيلو متر، كان عبد الصمد يتأهب لقيادة مسيرة أخرى في منطقة أخرى بالعصافرة. في حدود الساعة الواحدة والنصف ظهرًا، بدأ يدعو قيادات المجموعات التي كان عدد كل منها نحو 30 أو 40 شخصًا. نظرًا لعلاقة عبد الصمد الجيدة بشباب الإخوان المسلمين، قرر نحو 15 أو 20 منهم الانضمام إليه في المسيرة. كان مفترضًا أن تبدأ هذه المظاهرة من أمام مسجد عبد الحليم محمود. يتذكر عبد الصمد: «بمجرد أن تحركنا، بدأ هتاف «يسقط يسقط حسني مبارك» يعلو، وبدأ المشاركون يطلقون هتافاتهم الخاصة، التي لم يعدّها أحد، حتى نحن؛ منسقو المسيرة».

على بعد عدة شوارع، انطلقت مظاهرة أخرى تكاد تكون عفوية. «لم يكن عددنا أكثر من خمسة أشخاص، بدأنا الهتاف، وطوال 45 دقيقة على اﻷقل لم تكن هناك استجابة من الناس. وصلت قوات الشرطة وبدأت في تفريقنا، وحاولت إلقاء القبض على أحدنا». يتذكر عصام، الناشط في حركة 6 أبريل، ويضيف أن اﻷمر بدا وكأن المظاهرة كانت ستنتهي، كالعادة، قبل أن تبدأ، برغم هذا الوضع، بدأ النشطاء في الحديث مع الناس.

«بمجرد أن تحركنا، بدأ هتاف «يسقط يسقط حسني مبارك» يعلو، وبدأ المشاركون يطلقون هتافاتهم الخاصة، التي لم يعدّها أحد، حتى نحن؛ منسقو المسيرة».

سألوهم: «فاكرين اللحمة؟ عارفين بقت بكام النهارده؟ طيب العدس اللي بتاكلوه، بقى بكام؟ تقدروا تشتروا أي حاجة من دي لعيالكم؟»، عقب تلك النقاشات بدأوا في ترديد هتافات ركزت على قضايا اجتماعية بدلًا من تلك التي تعلقت بقضايا سياسية مثل المطالبة بانتخابات نزيهة أو إصلاح دستوري. بدأ الناس في السوق يتفاعلون معهم. وفي تلك اللحظة، قررت قوات الأمن أنها ستنهي المظاهرة، وبدأت تستعد لتلك المهمة.

«فاكرين اللحمة؟ عارفين بقت بكام النهارده؟ طيب العدس اللي بتاكلوه، بقى بكام؟ تقدروا تشتروا أي حاجة من دي لعيالكم؟»

لحسن حظ هؤلاء الشباب، في تلك اللحظة تحديدًا وصلت مسيرة عبد الصمد من خلف قوات الأمن المركزي. ويحكي عبد الصمد: «وصولنا أربكهم؛ بدأ الضباط يتحدثون إلينا بطريقة مهذبة، ويقولون إننا يمكننا الاعتصام، ولكن لا يمكننا الخروج من موقعنا».

«فجأة، أصبحنا ألفي شخص، تغيرت نبرة رجال الشرطة، وبدأوا في التفاوض معنا، قالوا لنا: لا تخرجوا من الشارع، ولكن القرار وقتها لم يعد لنا، كان الناس هم من يقررون»

فيما يتذكر عصام: «فجأة، أصبحنا ألفي شخص، تغيرت نبرة رجال الشرطة، وبدأوا في التفاوض معنا، قالوا لنا: لا تخرجوا من الشارع، ولكن القرار وقتها لم يعد لنا، كان الناس هم من يقررون». حاولت قوات الشرطة إيقاف الاحتجاجات عبر شطر المسيرة إلى قسمين، ولكنهم فشلوا في السيطرة علينا وكان عليهم أن ينسحبوا في النهاية. يستطرد عصام: «وصلنا إلى شارع جمال عبد الناصر»، مُشيرًا إلى أحد الشوارع الرئيسية شرق الإسكندرية.

ما زاد النشطاء ذهولًا أن المظاهرات بدأت تندلع، وبدأوا هم يواجهون صعوبة أكبر في مواكبتها.

المشهد الثاني: المواصلة

بازدياد رقعة التظاهرات، حاول سامح ومحمد والآخرون الاستمرار في السيطرة على الحشود المتحمسة، كان سامح يعتلي أكتاف ناشط آخر، واضعًا علم مصر على رأسه، كان يصيح بأعلى صوته، محاولًا أن يعطي المتظاهرين إرشادات: «ما تخبطوش على أي عربية تعدي، ولا تقفوا عليها، ما تتلفوش أي ممتلكات، إحنا ناس محترمين، إحنا شعب محترم».

هلل المتظاهرون وصفقوا ولوّحوا بأعلامهم الصغيرة،وحين هتف: «تحيا مصر.. تحيا مصر»، رددوا الهتاف الذي انطلق منذ مائة عام، فيما كانت المسيرة تتحرك مجددًا عبر اﻷزقة الضيقة.

وبينما تتقدم المسيرة في متاهات حي أبو خروف، وأناس أكثر ينضمون لها، اقترب ضابط ذو رتبة كبيرة من قادتها الذين كانوا يقودون الهتاف، وقال لهم: «لا تخرجوا من هنا، ابقوا (في الأزقة)، هذا من أجل سلامتكم»، يقول سامح، ويعلّق: «قطعًا لم يكن اﻷمر متعلقًا بسلامتنا. لم يكن يعرف كيف يتصرف معنا. كانت الأعداد ضخمة للغاية، ما اضطره ﻷن يكون مُهذبًا».

ومع ذلك، حتى تلك اللحظة، كان المنظمون يشعرون أن اﻷعداد لا تزال غير كافية، فتجمعوا وعادوا يمرون داخل الحي لجمع المزيد من المتظاهرين. حينها أصبحت الأعداد كبيرة فعلًا. يتذكر محمد: «شعرنا أن الضابط كان خائفًا، وكأن آلاف الأسئلة تجول برأسه: من أين أتى كل هؤلاء الناس؟ وماذا سنفعل معهم؟». هذه المرة، حين حاول الضابط إقناعهم بالبقاء داخل الأزقة، ببساطة لوّح سامح بازدراء في وجه الضابط المذهول، وتدفق الحشد في الشارع الرئيسي.

تتكون الأحياء الشعبية في الإسكندرية، مثلها مثل أغلب مدن مصر، من متاهة من الشوارع الضيقة التي تجعل من المستحيل على الشرطة السيطرة عليها. وتصب تلك الأزقة الضيقة في شوارع أكثر اتساعًا، حيث تعتزم قوات الأمن المركزي التمركز لمواجهة المظاهرات. كان على قادة المظاهرة اتخاذ قرار بشأن مغادرة الشوارع الضيقة ودخول الشوارع الرئيسية. وهو القرار الذي لم يكن سهلًا بالمرة. لقد اتسمت حركات الاحتجاج السياسي في الإسكندرية، وفي مصر عمومًا، في السنوات السابقة للثورة، بعلاقتها الماكرة مع الشرطة، والتي وصفها عالم الاجتماع السياسي الفرنسي فريديريك فيرل بـ «التحرك إلى مدى بعيد كفاية، ولكن ليس بعيدًا للغاية». كان لخرق خط أحمر، وكسر أحد تلك الحدود التي تم التفاوض، ضمنيًا، بشأنها، أن يؤدي لانقضاض عنيف من الشرطة على المُتظاهرين. وهو ما كان سيتسبب في مشكلة، أخلاقية واستراتيجية، لمُنسقي المظاهرة وقادتها، الذين كان للقبض على، أو في أسوأ الأحوال، إصابة أو مقتل متظاهرين مصريين يتبعونهم، أن يُثقل ضمائرهم.

«شعرنا أن الضابط كان خائفًا، وكأن آلاف الأسئلة تجول برأسه: من أين أتى كل هؤلاء الناس؟ وماذا سنفعل معهم؟»

يستطرد محمد: «وصلنا إلى الشارع الرئيسي، وعندها رأينا الأعداد لأول مرة.. كانت الأعداد ضخمة، انهمرت الدموع من عيوننا، لا إراديًا، لرؤية هذا المشهد». في تلك الدقائق الأولى القليلة بعد دخول الشارع الرئيسي، أعاد النشطاء تقييم الموقف. بدأوا في ملاحظة ما يحيطهم محاولين الوصول لدلالات؛كان المواطنون اﻷكبر سنًا يحيونهم ويلوّحون بعلامات النصر من الشرفات، وبائع متجول يهتف، مستخدمًا مكبر الصوت الخاص به: «يسقط يسقط حسني مبارك»، والناس ينزلون من المباني السكنية لينضموا إلى المسيرة، التي تنضم لها مسيرات أخرى.

على مسافة ليست بالبعيدة، كانت مسيرة عبد الصمد وعصام تمر بمسار مشابه. يقول عبد الصمد: «كانت الأعداد مُذهلة، لا تُصدق. كنا نتبادل التهنئة، وكأننا حققنا النصر بالفعل. ولكن ماذا نفعل الآن؟ اتصلنا بأصدقائنا من حركة 6 أبريل الذين تحركوا من شبرا في القاهرة، وأخبرنا بعضنا البعض بالمُستجدات. كنا نحاول التفكير إلى أين نذهب. ما الذي يمكن أن يكون له معنى في الإسكندرية؟». خلال محاولات النشطاء المستميتة للسيطرة على الحشود، واجهوا حالة، طبيعية في أي انتفاضة سياسية، من التردد. كانت كافة القواعد السياسية غير المعلنة التي تحكمهم تتهاوى، وداهمهم شعور خانق بالارتباك.

«قال لي أحد الضباط: اطلب منهم أن يتوقفوا، فقلت له: إن كان ليس بإمكانك السيطرة عليهم، فأنا بدوري لا يمكنني. لم يكن الأمن قادرًا على التعامل معنا، لم يتدخلوا. اكتفوا بالتحديق فينا وتركونا نتحرك. وعندما اتصلت بغرفة عمليات حركة 6 أبريل، قالوا لي: تصرف وفق تقديرك، أنت المتواجد على الأرض. واصلنا السير دون أن نعرف إلى أين نتجه. حين التقينا قوات أمن مرة أخرى كانوا قد أغلقوا الشارع لمنعنا من العودة. وقبل حتى أن أفكر في ما يجب أن نفعله، اندفع الناس للخلف نحو حاجز الأمن، ومروا عبره، وهذه المرة تبعناهم فقط».

المشهد الثالث: التحرك مع الطوفان البشر

اتضح للنشطاء تزايد صعوبة السيطرة على المسيرة. كانت الأعداد في تزايد مستمر. لكن الأكثر أهمية، أن النشطاء كانوا مرهقين بالفعل، ليس فقط بسبب الجهد الذي بذلوه في الساعات السابقة، سواء في الجري إلى الأمام وإلى الخلف والصياح والهتاف، ولكنهم كانوا أيضًا مرهقين بدنيًا ونفسيًا بعد أسبوعين متواصلين من العمل التنظيمي. يقول عصام: «لم نكن ننام بسبب الرُعب من فكرة فشل اليوم، وأن يصب علينا النظام جام غضبه لما فعلناه. تخيل إذا لم يُشارك أحد بعد كل هذا الجهد». أصبح للمسيرة حياتها الخاصة الآن، وحركتها وفعاليتها الخاصة كذلك. كانت هتافات الجماهير أكثر راديكالية من قائمة الهتافات التي اختارتها صفحة «كلنا خالد سعيد» ، ومن هتافات النشطاء الميدانيين حتى.

في تلك الأثناء، انتشرت أخبار حول تعامل الشرطة بعنف مع تظاهرة أخرى -كانت قد انطلقت من المنشية بوسط المدينة- قرب منطقة سيدي جابر. يتذكر محمد: «حاولنا إبطاء سرعة المسيرة لنشرح لهم ما حدث. وأخبرناهم أن شبابنا تعرض لهجوم من جانب الشرطة في سيدي جابر، وسألنا ماذا يجب أن نفعل. كان القرار النهائي ساعتها هو قرار الناس. كانت مهمتنا قد انتهت إلي حد ما. صاح أحد الشباب أنه يجب على المُحتجين أن يذهبوا و *** الشرطة. بدا أنهم لم يعودوا يخافون بعد الآن».

استمرت المسيرة في التقدم حتى وصلت إلى الكورنيش، وسارت في أحد اتجاهيه، تاركة الآخر للسيارات. وصلت المسيرة في النهاية إلى سيدي جابر، قاطعة نحو 7 كيلو مترات. ولدى وصلهم، كانت السلطات قد قطعت الكهرباء عن المنطقة، وكان الأمن المركزي يطلق قنابل الغاز المُسيل للدموع بكثافة. لم يهرب المتظاهرون من المواجهة مع الشرطة، بل اختبئوا في الحارات والشوارع الضيقة الكثيرة. كان الناس يتجمعون من جديد ويبدأون مسيرات صغيرة، ويعيدون ما فعلوه منذ ساعات. يتذكر محمد ما حدث وعلى وجهه ابتسامة: «كان المشهد مؤثرًا. كان الناس هم من يهتفون وليس النشطاء. كان الناس هم من يقودون المسيرات».

المشهد الرابع: النهاية؟

«راؤول ديوك: ماذا حققنا هنا؟ وما هي الخطوة التالية؟ هنتر إس. تومسون، «الخوف والاشمئزاز في لا فيجاس».

خلال تذكره الترتيب للمسيرات، أبرز عصام عنصرًا جوهريًا في احتجاجات الشوارع في عهد حسني مُبارك، «كما تعلم، المشكلة كانت أننا، منذ بداية تلك التجربة، لم يكن علينا التفكير في كيفية إنهاء التظاهرات، كانت قوات اﻷمن هي من ينهيها»، قالها وضحك.

سرعان ما وجد معظم النشطاء أنفسهم في ورطة غريبة: لم يخططوا لنجاح مسيراتهم، وبالتالي فهم فعليًا لم يخططوا كيف يجب أن ينتهي هذا اليوم. كانت أفضل السيناريوهات بالنسبة لهم هي الخروج من الأزقة والبقاء في شارع رئيسي لعدة ساعات فقط. يقول عصام: «قبل أن نبدأ، كان علينا مناقشة كيف سننهي اليوم. إذا كانت الحضور قليلًا، وكانت استجابة الناس ضعيفة، فيجب أن نتحرك في مسيرة لمدة ساعة ثم نتوقف. وإذا وصل العدد إلى ألف متظاهر، وهو ما كان أقصى طموحنا، فسوف نتوجه إلى شارع 45»، مُشيرًا إلى الشارع الرئيسي في منطقة ميامي بالإسكندرية. بالنسبة لنشطاء آخرين، ومن بينهم نشطاء اليسار الراديكالي، كانت الفكرة هي خلق زخم في المناطق الشعبية التي يمكن أن تصبح القاعدة الاجتماعية التي يفتقدونها في عملهم السياسي اللاحق.

كان على النشطاء الارتجال، في ظل توفر القليل من المعلومات لديهم. يتذكر عبد الصمد: «عند تلك النقطة لم نكن نعلم ماذا يجري على الجانب الآخر، في وسط المدينة. لم نكن نتواصل معهم». فهموا من الأخبار المُفزعة التي وصلتهم أن هناك مصادمات في منطقة سيدي جابر. ما جعلها تصبح وجهة منطقية لهم. قرر آخرون التوجه إلى مبنى المحافظة، «لأنه المكان الذي يُمثل الدولة في الإسكندرية».

«قال لي أحد الضباط: اطلب منهم أن يتوقفوا، فقلت له: إن كان ليس بإمكانك السيطرة عليهم، فأنا بدوري لا يمكنني. لم يكن الأمن قادرًا على التعامل معنا، لم يتدخلوا. اكتفوا بالتحديق فينا وتركونا نتحرك. وعندما اتصلت بغرفة عمليات حركة 6 أبريل، قالوا لي: تصرف وفق تقديرك، أنت المتواجد على الأرض. واصلنا السير دون أن نعرف إلى أين نتجه. حين التقينا قوات أمن مرة أخرى كانوا قد أغلقوا الشارع لمنعنا من العودة. وقبل حتى أن أفكر في ما يجب أن نفعله، اندفع الناس للخلف نحو حاجز الأمن، ومروا عبره، وهذه المرة تبعناهم فقط».

يستطرد عبد الصمد: «كان الناس يسألونني، إلى أين نتوجه الآن؟ فيما تركت غرفة العمليات كل شيء في يدي، فقط أعلموني أن هناك مسيرة خلفنا ومسيرة أخرى أمامنا. كان الناس يقترحون أماكن لنتوجه نحوها، واتفقوا على الذهاب إلى مبنى المُحافظة. كان على مسافة بعيدة للغاية، ولكن لسان حالنا كان: ليه ﻷ؟».

بمجرد أن وصلنا إلى هناك، كان التيار الكهربي مقطوعًا عن المنطقة، وبدأت الشرطة في إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع. وصف أحد النشطاء صوت إطلاق القنابل المتواصل، وصوت المُدرعات التي تجوب الشوارع بأنه «مُرعب». اتجه عصام حينها إلى مقهى في منطقة محرم بك، يقول: «في تلك اللحظة، قررنا أن اليوم انتهى بالنسبة لنا على الأقل».

بحلول المساء، كان معظم النشطاء قد طالهم الإرهاق. وأحسوا أن ما كان يجري أصبح خارج أياديهم؛ انسحبوا من الشوارع بهدوء وبدأوا في إعادة التجمع على المقاهي وفي بعض مراكز القيادة. ولأول مرة، بدأوا يطالعون اﻷخبار الأتية من ميدان التحرير. كانت الصور تؤكد إحساسهم حول ما يجري: كان هذا مستوىً مختلفًا عما اعتادوا عليه. بدأت المجموعات المُختلفة تفكر في ما يجب أن تكون عليه خطواتهم التالية. في تلك الأثناء، تم إلقاء القبض على العديد من النشطاء في أنحاء المدينة. بدأ الناس يجمعون المعلومات، ويتجهون إلى أقسام الشرطة بحثًا عن أصدقائهم وزملائهم الذين لا يجيبون على هواتفهم أو يردون على الرسائل النصية. أخذ اليوم منعطفًا غريبًا جدًا بالنسبة لأغلب المُشاركين فيه. وبقدر ما كانوا متحمسين، انتابهم الذهول مما يمكن أن يحدث لاحقًا، وسيطرت عليهم حالة من التردد التام. لقد انتظروا هذه اللحظة طويلًا. ولكن ماذا سيحدث الآن؟

ما أهمية كل هذا؟

في العلوم السياسية، يمكن استدراج المرء لكي يطرح الأسئلة الخاطئة، وهو ما قد يكون إشكاليًا أكثر من الوصول لإجابات خاطئة. أحد تلك الأسئلة هو: لماذا تندلع الثورات؟ وقد تكون الإجابة العقلانية أو المعيارية هي اعتبار الثورات نتيجة غضب وإحباط وعدم رضا جماعي. الثورات هي لحظات انهيار، انفجارات، القشة التي قصمت ظهر البعير. إنها عملية تراكمية، وبمجرد اندلاعها، يمكن أن نُحدد كل الخطوات التي قادتنا، مجتمعة، إلى لحظة الانهيار هذه.

هذا المنطق بسيط وواضح، لكنه ينطوي على خطأ. إضافة إلى أنه يُشبه الحلقة المُفرغة.

مشكلة أخرى في التفسيرات التقليدية للثورات تنبع من ما يُسميه الباحث الناقد للثورات؛ رود آيا، «قفزة على مرحلتين للإيمان» من التغيير الاجتماعي إلى الإحساس بالظلم، ومن الإحساس بالظلم إلى التمرد. يُجادل آيا أن الكثير من الأدبيات تفترض أن التغيير الاجتماعي (الليبرالية الجديدة، على سبيل المثال) تسبب إحساساً بالظلم، ويؤدي الإحساس بالظلم إلى التمرد.

لن نُجادل في أن هذه ليست هي الحال، ولكن لا يوجد لدينا أدلة كافية على أن الإحساس بالظلم يؤدي إلى التمرد تلقائيًا. هناك الكثير من المواقف التي قد يتخذها الناس إزاء التغيير وقد يكون الإحساس بالظلم أحدها. ولكن الإحساس بالظلم يمكن أن يؤدي إلى عدة أنماط من ردود الأفعال. في عالمنا اليوم، ليس هناك نقص في الإحساس بالظلم والغضب في حياة الناس. ولكن، تظل الثورة حدثًا نادرًا في التاريخ البشري.

«كان الناس يسألونني، إلى أين نتوجه الآن؟ فيما تركت غرفة العمليات كل شيء في يدي، فقط أعلموني أن هناك مسيرة خلفنا ومسيرة أخرى أمامنا. كان الناس يقترحون أماكن لنتوجه نحوها، واتفقوا على الذهاب إلى مبنى المُحافظة. كان على مسافة بعيدة للغاية، ولكن لسان حالنا كان: ليه ﻷ؟»

الثورة، كما عايشها الكثير منا، حدث عظيم. لذا، إذا سأل أحدهم لماذا تندلع الثورات، فإنه يحتاج إلى إجابة عظيمة. ومع ذلك، علينا التفكير في طريقة حدوث الثورات، وما هي دوافعها، وتفاعلاتها العديدة التي تجعل أحداثًا صغيرة وبسيطة تتطور على نحو غير متناسب، وتؤدي إلى تغيرات متوقعة وغير متوقعة، في اللحظات التي، كما تصفها إمي أوستين هولمز، قد تحدث عقود في أسابيع فقط.

قد يبدو هذا لغطًا أكاديميًا، ولكنني أعتقد أنه ينطوي على معانٍ سياسية. يقتضي فهم طريقة عمل الأشياء أن تكون واقعيًا في التعامل معها.

إذا سألتني لماذا قررتُ سلك مجال أكاديمي، فيمكن أن أقدم 10 تفسيرات أو تبريرات مُختلفة: لأنني أحب العلوم، لأنني أحب العمل الذهني، لأنني أحب القراءة، أو لأنها مشيئة الله. وهناك على اﻷرجح حقيقى في كل هذه التبريرات. أما إذا سألتني لماذا انتهى بي الحال أكاديميًا، ستتختلف الإجابة كثيرًا. سأخبرك قصة عن المُصادفات، والتاريخ الشخصي، والسمات الشخصية، والخيارات المُتاحة وغير المُتاحة، التي أوصلتني إلى ما أنا عليه اليوم.

قد تصلح قضية تيران وصنافير لتطبيق هذا المثل على مستوى آخر. تساءل البعض لماذا كسبت هذه القضية تأييدًا كبيرًا، ولماذا نجحت إلى حد ما، بينما أخفقت قضايا أخرى أكثر منها إلحاحًا. عندما نسأل عن السبب، فعلينا البحث عن إجابات منطقية: على سبيل المثال، لأن المصريين يهتمون أكثر بقضية الأرض، رغم أن أغلبهم لم يسمع بالجزيرتين من قبل. ولكن إذا سألنا أنفسنا عن تسلسل الأحداث والتفاعلات التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه الآن، سيظهر لنا أن السبب هو وجود عدد من اللاعبين المختلفين ذوي المصالح المتعارضة (صحفيو المعارضة، وصحفيو النظام، والمؤرخون، والمحامون، والنشطاء) تدخلوا في قضية، وناضلوا من أجل تحديد الموقف -استنادًا إلى مرجعيات قانونية وتاريخية وأخلاقية ودينية- مستخدمين عدة وسائل تعبير، من بينها الاحتجاجات، واللجوء إلى القضاء، والاعتماد على الوثائق التاريخية، وهكذا. ما حدث إذًا هو نتيجة غير متوقعة إلى حد كبير بسبب التفاعل بين لاعبين مُختلفين من أطياف اجتماعية مختلفة.

ربما تكمن أهمية البحث الاجتماعي التجريبي هنا، في كتابة هذا التاريخ.

لم يصدق كلًا من النشطاء وأجهزة الأمن أن الحِراك قد يؤدي إلى أي مما حدث في 25 يناير. وكانت النتيجة المباشرة لذلك أن أيًا من اللاعبين لم يخطط. فيما انتابت النشطاء حالة من الشك، ولم يكن لدى أغلبهم خطة لإنهاء ما قاموا بتنظيمه، لم تتخيل أجهزة الأمن أبدًا أن هذا الحِراك سيختلف عن خبراتهم السابقة مع الاحتجاجات. لم يخططوا لإستراتيجية بديلة لما اعتادوا عليه «اضرب واعتقل»، لهذا، فعلى اﻷرض، لم تعرف أغلب وحدات الأمن المركزي كيف تتصرف. وفقوا في حيرة عاجزين عن التصرف، على الأقل في البداية.

في رد فعل تلقائي، حين رأى الناس غيرهم يتظاهرون ولا يتم قمعهم، بدأ آخرو في الانضمام. وتأكد قرار جعل المظاهرات أكثر راديكالية، وعبور الخطوط الحمراء على المستويين الفعلي والنفسي، بعد إشارات أخرى فك شفرتها النشطاء المتواجدين على اﻷرض، إشارات مثل التأييد الشعبي في الشارع أو من الشرفات، وانضمام متظاهرين أكثر من المُعتاد، وانضمام أشخاص عاديين؛ مثل السيدات العجائز وأشخاص من طبقات اجتماعية مُختلفة. تضمن كل هذا إشارة إلى تغير الموقف.

أصبح ضروريًا عند وصف الاحتجاجات في الإسكندرية يوم 25 يناير، وعند تذكر الثورة المصرية ومُحاولة كتابة تاريخها، أن نأخذ في الاعتبار عدد الأحداث الطارئة المتزامنة والتفاعلات التي حوّلت فعالية محلية صغيرة إلى حدث كبير غير مُتوقع. ولا يعني التركيز على تسلسل الأحداث وديناميتها ، وقبول عدم حتميتها، أننا نعود لتحليل تاريخي يقوم على سرد الأحداث، ولا ينظر للبنى أو الهياكل الاجتماعية وتأثيرها ، بل يعني مُقاربة جديدة تمامًا في فهمنا للحدث.

*ترجمة: نصر عبد الرحمن

*تم تغيير جميع الأسماء الواردة في الموضوع.

اعلان
 
 
يوسف الشاذلي