Define your generation here. Generation What
سيد حجاب محاولًا إيقاظ العالم: اصحي يا دنيا وفوقي يا دنيا
 
 

اصحي يا دنيا قومي يا دنيا، واسمعي ديك الصبح صديقك

خُدي مِ الكزرونة الألمونيا، لبن الصبح وغيّري ريقك

اصحي يا دنيا قومي يا دنيا، والبسي واتزوّقي تزاويقك

وامشي ورُشّي علينا كولونيا،وخُدينا معاكي في طريقك

هل من المناسب في مجال رثاء شاعرٍ في قامة الرائع الكبير أستاذنا سيد حجاب أن نحاول تأمُّل شاعرية مطلع هذه الأغنية التي كتبها للأطفال في ثمانينيات القرن الماضي ولحّنها صِنوُ عبقريتِه الراحل أستاذنا عمّار الشريعي وشدَت بها الفنانة عفاف راضي؟ ربما لا؟

بل هي عين المناسبة لأن نعيد اكتشاف فرادة الرجُل من خلال الأغنية. بشكل شخصي، لم أصادف أغنيةً للأطفال فيها ما في هذه من حفاوةٍ بالعالَم ودعوةٍ لوعي الطفلِ للالتفات إلى ما فيه من جَمالٍ مكنوزٍ ينتظر أن نتيقّظَ له حتى يُمطِرَ حواسَّنا. لقد تشخّصت الدنيا بكاملها هنا، وأصبحت المسافة التي تفصلُها عن كيان الطفل سهلة العبور على خُطاه الصغيرةِ، فما عليه إلاّ أن يناديَها ويدعُوَها لمشاركته أفعالَ الصباح لكي تُحيطَه بجَمالِها ودفئها. صاحب هذا الإنجاز شاعرٌ ينتمي لجماليّات الشِّعر العربي في كُلّيّتِه، ولا أقولُ فقط جماليات شِعر العامية المصرية، ويؤازر دعوايَ دليلٌ من تصريحاته الشخصية، حيث أعلن في إطار وجوده في لجنة المُحَكَّمين في برنامجٍ تليفزيونيٍّ لمنافسات الموهوبين منذُ بضعة أعوامٍ إيمانَه بتفرُّد وعبقرية أحمد شوقي بين شعراء العربيةِ، فصحى ومَحكيّاتٍ، ودليلٌ آخَر من طبيعةِ شِعره، لاسيّما شعرَه الغنائي، حيث لا يوجد لديه ذلك الحد الوهمي الفاصل بين مفردةٍ فصيحة وأخرى عامية، وإنما المُعَوَّلُ في الجَمال على القدرة على نسج الصورة الشِّعرية وخَلق المعنى خلقًا آخر. هذا ما تشهد به أغنية مثل: «هنا القاهرة» التي لحّنها أيضًا عمار الشريعي وغناها علي الحجار.

 

حين فاز بوب ديلان بنوبل الآداب هذا الموسم، كان لزامًا على المثقّفين العرب أن تتوجه أنظارهم إلى شعراء الأغنية العربية. وبشكلٍ شخصي تمنيت أن يكون للأغنية العربية وللغتها انتشارٌ عالميٌ يعادل انتشار الإنجليزية، وهو الأمر المستحيل بالطبع في الوضع العالمي الراهن!

لكن دعونا نتخيل أن العالم يستمع إلى شعر سيد حجاب فيفهمه حين يقول: «وينفلت من بين إيدينا الزمان، كأنه سَحبة قوس بأوتار كمان. وتنفرط الايام عقود كهرمان. يتفرفط النور والحنان والأمان»، أو «من انكسار الروح في دوح الوطن. ييجي احتضار الشوق في سجن البدن. من اختمار الحلم ييجي النهار. يعود غريب الدار لاهل وسكَن»، أو «يا بت ياللي حمامك طار. قومي اعملي له بنّيّه. عملتها له سبَعْة ادوار. شبابيكها كلها بَحَرية. رفرف ولا حط عليا». ربما في هذا السيناريو المتخيل كان سيد حجاب ليُرشَّح بقوّة لنيل جائزة نوبل للأدب.

 

ربما يُقال: لماذا تجاهل هذا المقال شِعر سيد حجاب غير المغَنَّى؟

هو ليس تجاهلاً في الحقيقة بقدر ما هو تصورٌ عن طبيعة الشعر، وشعر حجاب تحديدًا، ففي رأيي المتواضع أن كلّ الشعر مشروعٌ للغناء وقابلٌ للامتزاج بالموسيقى، وما حقّقه شعر حجاب الذي عرف طريقه إلى آذان المصريين والعرب من تشكيلٍ للوعي الجمالي عند جمهوره عجز عنه كثيرٌ من الشعر المكتوب غير المغَنَّى. يرجع هذا في رأيي إلى معادلة ذهبية امتلك حدَّيها حجاب، فكان ناتجها عبقريًّا على نحو ما عرفنا. حدّا المعادلة هما نفاذ الرؤية واتساع العبارة. هل يحيلنا هذا إلى مقولة النفّري الشهيرة «كلما اتسعت الرؤيةُ ضاقت العبارة»؟ بالتأكيد! لكن ما نشهده في شعر حجاب الغنائي هو على أقل تقديرٍ محاولةٌ استثنائيةٌ موفقةٌ إلى حد بعيد للتعبير الواسع عن الرؤية النافذة العميقة. وبهذا الصدد، كان التفات لجنة نوبل إلى الأغنية كقالب أدبي محترم إعادةَ صوغٍ لمفهوم الأدب الجاد، وكان سيد حجاب بالتأكيد جديرًا بها في سيناريو عالمي مختلف.

***

على صعيد شخصي، أتيحَت لي مقابلته مرات ربما تُعد على أصابع اليدين، أولها في غرفةٍ ملحقة بقاعة مؤتمرات قصر العيني عام 2006، يوم كان مدعوًا لإحياء أصبوحة شعرية بكلية الطب، وأذكر كم كان غاضبًا لإدراج اسمه مع شاعر آخر يقِلُ عنه في الحقيقة شاعرية ومُنجَزًا، وكأنهما على نفس القدر من التأثير والقيمة، والمشكلة يومها أنه لم يُعلَم بذلك قبل مجيئه إلى قصر العيني. وقد كان محقًّا بالتأكيد من منطلَق «رحم اللهُ امرءًا عرف قدر نفسه». لكنه في النهاية لم يبخل على جمهوره من محبي الشعر الحقيقي بإلقاء قصائده.

بعدها شرُفت بأن يقرأ بنفسه باكورة محاولاتي المتواضعة في شعر العامية، ويُجيزَها للنشر والفوز في المسابقة كرئيس للجنة المُحَكَّمين، في فرع شعر العامية في مسابقة «ورقة وقلم» أواخِرَ عام 2007، وهو الذي كان يقوم بدوره كصياد مخلص من صيّادي الجمال، فقد شرُف كثيرٌ من لجان الحكم في مسابقات شعر العامّية برئاسته وعضويته لها وحرصه على قراءة إبداع شعراء العامية المصرية، والتماس مع عوالمهم الشابة. لكنه كان بالفعل يمارس هذا الدور في دأَب وإخلاص يمتزجان بمَيلٍ أظنه فطريًاإلى الهدوء والعزلة، فافتقدناه –وافتقدتُه بشكل شخصييوم حفل توقيع ديواني «هنجراني» الفائز آنذاكَ، والأعمال الفائزة في الحقول الأدبية الأخرى.

***

في العاشر من فبراير عام 2011، في اليوم قبل الأخير من الثورة المصرية، فوجئ شهودُ ميدان التحرير باعتلاء العمّ سيد حجاب المنصّة وإلقائه بعضًا من شعره الذي اصطبغ بالثورية وصبغ الثورة بلونه الشاعري الواعي بالعالم. وكان حضوره ضمن الجموع –كما كان حضور الرائع عمار الشريعيعلامة على تواطؤ مبدعي مصر الكبار مع شبابها.

في أمسيات بيت الشعر (بيت الست وسيلة) كان حضوره الهادئ وابتسامته الأبوية الحانية التي لازمَته في كل المرّات التي أتيح لي فيها لقاؤهإشارتين إلى كيان شعري ممتلئ تحققًا ووعيًا. يقول المتخصصون في علم النفس الإبداعي إنّ أولئك الفنانين الذين يستطيعون تنظيم صخب أفكارهم وعواطفهم وانفعالاتهم في عمل رائع من أعمال الفن يحققون من خلال ممارستهم الفنية شكلًا من أشكال الاستشفاء ويصِلون إلى حالة من التوازن النفسي التي ربما لا تتاح لغيرهم، وهو ما يعود بنا إلى مفهوم «التطهر» كوظيفةٍ من وظائف الفن عند أرسطو. في تقديري أن العم سيد حجاب كان بالتأكيد واحدًا من هؤلاء الأفذاذ.

أعود لعلاقتي الخاصةِ بشعره الغنائي. ربما يبدو غريبًا قولي إنني كنت حريصًا على أن يكون مطلع أغنية «اصحي يا دنيا» رنّة هاتفي وهاتف زوجتي طيلة فترة خطبتِنا! أوقعَنا هذا الحرص قطعًا فريسةً لسخرية الأصدقاء من طفولةٍ نتمسّكُ بها في هذه المرحلة من حياتنا، لكن كان للأمر مَغزى عند كلينا؛ إنها تصالحٌ مع العالم وتسليم لله من طرف خفي «وخدينا معاكي في طريقك»، واحتفاءٌ –كما أسلفتُ القولبمفردات الوجود «لمّا الصبح بيفرش نورُه. يصحوا ولاد الأرض يدوروا. والنمل يحاذي في طابورُه. ويعبّي ويشيل في جحورُه»، فضلاً عمّا لموسيقى عمار الشريعي من عبقريةٍ ربما يضيق المقامُ هنا عن الإفاضة في الحديثِ عنها. باختصار، كانت هذه الأغنية احتضانًا منا لطفولتنا وحرصًا على حَقن حياتنا القادمة بها.

 

انتهاءً، فقد رحل العم سيد حجاب وهو في تقديري رغم تكريمات الدولة الرسميةلم يَلقَ ما يستحقه بعد من الاحتفاء بمنجزِه الإبداعي. أقلّ ما يجب أن يكون هناك التفات إلى الطفرة التي حققها في الشِّعر الغنائي، وجوائز باسمِه، وتمثالٌ يحاولُ التقاط سمو روحه وسمته الهادئ وملامحه الدافئة في حديقةٍ نفتقدها للخالدين في كل مدينةٍ مصرية. أرجو للعم حجاب أن يجدَ في حياتِه البرزخيةِ ذلك الاطمئنانَ الذي بشّرَنا به في أغنيته «في هَويد الليل»، والتي لحنها عمر خيرت، وغناها علي الحجار:

«في هويد الليل ولاقيتك. ما اعرف جيتني ولاّ جيتك. ما اعرف غير إني لقيت رُوحي. ونجيت من همّي ونجّيتك».

أما نحن، فعلينا الاستمرار في محاولة إيقاظ العالَم ليعرف كم هو جميلٌ قبل أن تحين نهايةُ الرحلة.

 

اعلان
 
 
محمد سالم عبادة