Define your generation here. Generation What
«عايزين نعيش»: الإفقار خيار سياسي
 
 
المصدر: صفحة الحملة على فيسبوك
 

«شئ غريب حدث… استيقظنا يوم 3 نوفمبر لنجد القوة الشرائية للجنيه المصري انخفضت من جنيه إلى جنيه وأربعين قرشا، بمعنى أن مرتبي الذي كان 2000 جنيه أصبح 840 جنيها، ماذا أفعل بهم؟ لا أعلم».

هكذا خاطب كرم عبد الحليم، رئيس النقابة المستقلة للعاملين بأندية هيئة قناة السويس، الحضور في المؤتمر التأسيسي لـ«الحملة الشعبية لمواجهة سياسات الإفقار»، أو حملة «عايزين نعيش»، وهي الحراك الأول الذي يسعى لمجابهة أثر القرارات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة والبنك المركزي على قطاعات واسعة من المجتمع المصري.

تأسست الحملة في منتصف شهر يناير الجاري، بمبادرة أطلقتها عدة نقابات وروابط عمالية ومهنية، وبعض الأحزاب والحركات السياسية. وكان الشاغل الرئيسي للحملة -كما عبرت عنه في بيانها التأسيسي- هو «السعي وراء استحقاق الأمان الإجتماعي للمواطنين المصريين، وبالتحديد الكادحين منهم».

في خطاب القيادي النقابي كرم عبد الحميد، كما في كلمات زملائه الذين تحدثوا في المؤتمر؛ كانت قرارات 3 نوفمبر الاقتصادية بتعويم الجنيه وخفض الدعم على المحروقات هي قلب النقاش. فمنذ اتخذت الحكومة والبنك المركزي هذين القرارين في يوم واحد؛ ارتفعت الأسعار ارتفاعًا حادًا، حتى أسعار السلع الأساسية التي تعتمد عليها قطاعات واسعة في المعيشة اليومية.

وبلغت نسبة التضخم في شهر ديسمبر 24.3%، وهي ثاني أعلى نسبة بلغها التضخم في ربع القرن الأخير. وإن عزا النظام المصري الغلاء لأسباب تقنية، تكمن في عجز الموازنة العامة وحتمية التعويم للوصول لسعر صرف عادل. بينما يصر الناشطون في الحملة؛ أن إدارة الأزمة الاقتصادية سياسية بامتياز، حيث أن اختيار سبل إدارتها يخلّف فائزين وخاسرين، والخاسرون هم غالبية الشعب المصري.

نقطة الانطلاق: قرض الصندوق

كانت رغبة الحكومة في الحصول على موافقة نهائية من صندوق النقد الدولي على الاتفاق المبدئي الموقع بينهما لتلقي قرض بقيمة 12 مليار دولار، هو الدافع الرئيس لتمرير قرارات 3 نوفمبر الاقتصادية التي أتت وسط أزمة شديدة عانتها البلاد في توفير العملة الصعبة.

وُقِّع الاتفاق بين الجانبين، وتلقت مصر الدفعة الأولى من القرض بلا رقابة ولا موافقة برلمانية كما يلزمها الدستور. وفي المقابل اتخذت الحكومة قراراتها الاقتصادية، التي تعد خطوة أولى في حزمة من الإجراءات النقدية والمالية ذات الأثر الواسع جماهيريًا.

جاء الأثر فوريًا، حيث ارتفعت أسعار جميع السلع المستوردة وكافة السلع التي بها مدخلات مستوردة، فضلا عن الزيادات التي عادة تصاحب ارتفاع أسعار الوقود نتيجة لزيادة تكلفة النقل.

يصف البيان التأسيسي لحملة «عايزين نعيش» هذه القرارات بـ«الهجمة الشرسة وغير المسبوقة على الأوضاع المعيشية للكادحين». ويشدد البيان على أن السياسات الراهنة «ليست قَدَرًا لا يمكن الفكاك منه؛ ولكنها ناتجة عن انحيازات النظام لكبار رجال الأعمال».

تساءلت الحملة في فيديو منشور عبر صفحتها على فيسبوك، إن كان المواطن أحس بـ «انتعاش» اقتصادي من جراء القرض. وألمح الفيديو الذي تصحبه أغنية صندوق النقد لياسر المناوهلي التي تسخر من الصندوق، إلى أن مشكلات مصر الاقتصادية آخذة في التفاقم بعد القرض. وأورد الفيديو ما تشهده الأسواق من تضخم متزايد، والإجراءات الاقتصادية التي تضمنت إقرار ضريبة القيمة المضافة، وأزمات نقص السلع من السوق، بالإضافة للمعدلات المتزايدة للبطالة والفقر وزيادة الدين الداخلي والخارجي. واختتمت الفيديو بتغير حركي للمكتوب على علامة طريق نشاهدها طوال الفيديو من «مرحبا بك في مصر بلد الأمن والأمان» إلى «مرحبا بك في مصر بلد الفقر والحرمان».

وأصدرت الحملة ردا على وثائق اتفاقية صندوق النقد الدولي مع مصر، وتصريحات مسؤولي الصندوق الأخيرة بخصوص تطبيق البرنامج الإصلاحي. ورأت في تقييمها أن الصندوق والحكومة المصرية يستخفان بالمواطن المصري، بعد التزام الأخيرة «بكل الشروط والإجراءات التي تزيد الأعباء على المواطنين».

«تنشط الحملة في قضايا تتراوح في أشكالها ما بين أزمة تراكم القمامة في الإسكندرية وقضية إنقاذ صناعة الغزل والنسيج، وقضايا حبس النقابيين ومشاكل مزارعي قصب السكر في الأقصر وتبعات مسودة تعديل قانون الإيجارات؛ أو باختصار: القضايا الأكثر سخونة التي ترتبط بالظلم الاجتماعي».

يقول أكرم إسماعيل، أحد مؤسسي الحملة والعضو المؤسس في حزب العيش والحرية تحت التأسيس، إن «عايزين نعيش» أُسست كرد فعل، هدفه التعبئة لمقاومة الإجراءات الاقتصادية التي اتخذت بدون مشورة الشعب المصري، ولحماية القطاع الأضعف من المجتمع.

ويعتبر إسماعيل الإجراءات حافزًا لإطلاق صدى للحركة في الشارع. ويقول إن القرارات والغلاء المصاحب لها مسّا معظم فئات المجتمع، ولذلك فالاهتمام السياسي عاد للمواطن العادي بعد فتور أصابه بعد 30 يونيو «التي فوض بعدها كل أموره للسيسي، بما فيها إدارة الوضع الاقتصادي». ويواصل اسماعيل: «لكن المواطن اكتشف أن سياسات الإصلاح التي تبناها نظام السيسي ليست في صالحه».

ولكن رغم حضور خطاب مناهض لحزمة القرارات الأخيرة لدى الحملة، إلا أن أعضاءها يؤكدون أن هدفها لا يرتبط بأي إنجاز مباشر أو هدف قصير المدى، كالضغط لإلغاء القرارات الاقتصادية الأخيرة كرفع الدعم أو التعويم، ولكن جميع القضايا المعيشية تقع في مرمى بصر الحملة.

الطريق لعودة السياسة

يقول بيان اختتام مؤتمر الحملة الأول: «معا نناضل من أجل أجور عادلة، مظلة تأمينية، نقابات حرة، حق العمل والسكن والعلاج لكل الشقيانين. فالجماهير المتحدة لا يمكن هزيمتها». وتسعى الحركة، طبقا لما جاء في بيانها؛ إلى مزيج من الأهداف الاجتماعية بدءًا من زيادة الأجور والتأمينات والمعاشات للعاملين، مرورًا بدعم العمل النقابي ودعم العمال المفصولين تعسفيًا، وتوفير الدواء بأسعار مناسبة للمواطنين، ثم الضغط للالتزام بالاستحقاقات المنصوص عليها في الدستور لنسب مخصصات الموازنة العامة للصحة والتعليم والبحث العلمي.

وإن لم يأت البيان بجديد من حيث المضمون، الذي تنتشر مفرداته في برامج وأدبيات الأحزاب والحركات اليسارية، وحتى بعض الأحزاب الليبرالية في مصر؛ إلا أن محب عبود، رئيس نقابة المعلمين المستقلة، يقول إنه قد حان الوقت لحملة جادة في دمج الحراك الاجتماعي المصري بالأحزاب والمجموعات السياسية.

«تقول أحزاب كثيرة، ومنهم اليميني، إنه يجب علينا النزول إلى الشارع والتفاعل مع الجماهير العريضة وربط قضايانا بقضاياهم، ولكننا لم نر أي أولوية لتلك التصريحات أو النوايا في أفعالهم»، يقول عبود لـ «مدى مصر»، مضيفًا أن الهدف الأساسي للحملة هو الربط بين المطالب الاجتماعية، كعدالة الأجور والتأمينات والمعاشات، وحقوق عمل منصفة؛ وبين المطالب السياسية. فـ«السياسة لا تقتصر على الانتخابات والديمقراطية. والمطالب الاجتماعية ليست فئوية» حسبما يؤكد عبود.

يرى عبود أن حالة الانقسام الحاد بين السياسي والاجتماعي تتجلّى في اهتمام الساسة بمطالب العمال أو النقابيين فقط عندما يريدون دعمهم في الانتخابات. مضيفًا أنه بصفته النقابية لم يصادفه أي اهتمام مستمر منهم.

يتفق القيادي الحزبي الاشتراكي أكرم إسماعيل مع عبود، قائلا إنه رغم بدء الحملة كرد فعل لمقاومة للإجراءات الاقتصادية، إلا أنها لا ترتبط حصريًا بالوضع الحالي، ونشاطها بعيد النظر جوهره: أن يلتحم كل ما هو سياسي بكل ما هو اجتماعي.
فيرى إسماعيل أن الحراك السياسي في مصر الآن يقتصر على القضايا الوطنية، كقضية تيران وصنافير، وقضايا الحريات، متجاهلًا ما يراه إسماعيل إحدى قضايا المجتمع الأساسية، وهو «الأوضاع الاجتماعية التي ترتبط عضويا بالحالة السياسية».

يقول إسماعيل إنه لا يقلل من أهمية القضية الديمقراطية، «لكن القضية الاجتماعية جزء عضوي من القضية الديمقراطية، وأحد الأهداف الرئيسية للحملة هو إنهاء حالة الانقسام بين الحركتين عبر تقوية الأوصال بينهم».

ويؤكد يوسف شعبان، الناشط بالحملة، والعضو بحركة الاشتراكيين الثوريين، أن نشاط الحملة ينبع من الحالة الاجتماعية الصعبة للمصريين، فهو يعتمد على من يتفاعل معها من الجمهور، أفرادًا ومجموعات، فـ«الحملة واسعة، ولا تقتصر على الأحزاب والحركات سواء كانت سياسية أو نقابية، بل هي مفتوحة للجمهور كونها حملة». ولذلك فالحملة لا توجهها أية أحزاب أو حركات سياسية، رغم ضلوع بعضهم في تأسيسها.

«عايزين نعيش» أُسست كرد فعل، هدفه التعبئة لمقاومة الإجراءات الاقتصادية التي اتخذت بدون مشورة الشعب المصري، ولحماية القطاع الأضعف من المجتمع.

نفس الرأي يحمله عبود، مستشهدا بأن الغالبية العظمى من المتحدثين في المؤتمر التأسيسي كانوا من النقابيين الذين تكلموا عن قضاياهم. ويفسر إسماعيل التقدم النسبي لمجموعات العمال والمهنيين في الحركة لكون «تكوينها شعبي بالمعنى الحقيقي، أي أنها تأتي من جذور المجتمع»، ويتوقع أن يجشد ذلك قطاعات اجتماعيةومهنية للاستجابة للحملة «التي تخاطب معاناتهم مباشرة وتدعمهم في مقاومة ظروفهم المعيشية».

تقول سوزان ندا، المحامية الحقوقية وعضو حزب العيش والحرية تحت التأسيس، إحدى الوكلاء المؤسسين بالحملة، إن نشاط الحملة يمتد عبر العديد من المجموعات والحملات الأخرى ليشمل أي حراك يمس القضايا الاجتماعية في مصر، بما فيها السياسي والاقتصادي.

«تنشط الحملة في قضايا تتراوح في أشكالها ما بين أزمة تراكم القمامة في الإسكندرية وقضية إنقاذ صناعة الغزل والنسيج، وقضايا حبس النقابيين ومشاكل مزارعي قصب السكر في الأقصر وتبعات مسودة تعديل قانون الإيجارات؛ أو باختصار: القضايا الأكثر سخونة التي ترتبط بالظلم الاجتماعي».

تقول ندا إن الحملة تهدف للانتشار الجغرافي والتنوع الحركي؛ وقد بدأ بالفعل تكوين لجان للحملة في المحافظات، استجابة لقرارات المؤتمر التأسيسي. وتكوّنت لجان بمحافظات الإسكندرية والسويس والإسماعيلية والأقصر ودمياط.

تضيف المحامية الحقوقية أن الفعاليات في هذا الصدد تشمل الاتصال بأصحاب المصلحة والحق في كافة القضايا الاجتماعية، كالنقابات العمالية والمهنية، وروابط الصيادين والفلاحين أو أصحاب قضايا عامة أخرى، ومساعدتهم في إيصال صوتهم عبر المؤتمرات ووسائل الإعلام. كما ستقوم الحملة بمخاطبة مؤسسات الدولة المعنية بتلك القضايا أو تلك التي تعد طرفا فيها، وإقامة ندوات تثقيفية عن الحقوق الاقتصادية والسياسية، والدعم في إصدار أوراق للبدائل التي تصوغها المجموعات المعنية، فضلا عن المساعدة في تنظيم أي مجموعات ينقصها الخبرة التنظيمية، وتنظيم ندوات عن كيفية إنشاء تعاونيات، وتقديم الدعم القانوني للملاحقين أمنيا أوقضائيا من أصحاب هذه القضايا. باختصار- حسبما تقول ندا- ستستخدم الحملة سبل متنوعة لتقوية النشاط الجماهيري في القضايا الإجتماعية.

ووقع ممثلون عن عدد من النقابات ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب والحركات على البيان التأسيسي للحملة. وكان من ضمنهم الاتحاد المصري للعاملين في البترول، والاتحاد الإقليمي لنقابات الدلتا، واتحاد المعلمين المصريين، واتحاد منتجي قصب السكر، والنقابة المستقلة للعاملين بالتعليم، وجبهة الدفاع عن الصحفيين والحريات، ولجنة الحريات نقابة الصحفيين، والمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وحركة الاشتراكيين الثوريين، وحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، وحزب التيار الشعبي، وحزب العيش والحرية، وحزب الكرامة، وحزب مصر الحرية، حزب مصر القوية وآخرون.

اعلان
 
 
عثمان الشرنوبي